القاهرة ـ «القدس العربي» محمد عبد الرحيم: «عندما تنشر امرأة مغاربية شابة روايتها الأولى، يذكر الإسلام والهوية والمغرب العربي والهجرة. أردت أن أظهر أن مغاربيا يعيش في فرنسا يحيط أيضا بثقافة عالمية جامعة، وليس مجبرا على ذكر كثبان الرمل والجِمال والمساجد».
بهذه الكلمات علقت الكاتبة الفرنسية المغربية الأصل ليلى سليماني (3 أكتوبر/تشرين الأول 1981) عند فوزها بجائزة الغونكور هذا العام، عن روايتها «أغنية هادئة». لتصبح بذلك ثالث صوت أدبي له أصول عربية، بعد كل من الطاهر بن جلون، الذي كان أول كاتب مغربي وعربي يفوز بهذه الجائزة الرفيعة، عام 1987، عن روايته «ليلة القدر»، والكاتب اللبناني الأصل أمين معلوف عام 1993، عن روايته «صخرة طانيوس».
جرائم المجتمعات الرأسمالية
في «أغنية هادئة» تحكي الكاتبة عن جريمة قتل طفلين، تقوم بها مربيتهما، المرأة التي تنتمي إلى فئة تعيش دوما تحت ضغط وعصبية الحياة ومتطلباتها، الأمر لم يكن تعوضا ماديا، لكنه رد فعل على تاريخ طويل من الإهانات، مقصودة كانت أم غير، إهانات خافتة، تتعاظم مع الوقت لتصبح في النهاية رد فعل بديلا عن الوجود. لقد ماتت الصغيرة (ميلا) وإلى جوارها شقيقها الأكبر (آدم)، بينما يستلقى جسد (لويز) المربيّة في مكان آخر بالمنزل، وقد حاولت الانتحار بعدما أخذت بثأرها من مجتمع يعيش في حالة جنون. أم تترك أطفالها لتقوم بتربية أطفال الآخرين، حتى تستطيع أن تنفق عليهم. التفاوت المخيف بين الفئات هو الذي خلق تاريخ الإهانة هذا، أن تهان حتى تستطيع بالكاد أن تعيش، هناك خلل ما، وهو الذي يتولد عنه هذا الخطأ، بأن تصبح أرواح الأطفال هي القربان المجاني في النهاية. المربيّة التي تقترب من الخمسين، والتي تمر بضائقة مالية حاولت أن تضع حدا لما حدث لوقتٍ طويل، لتنتقم لأخريات شابات في بداية تاريخ الذل.
من ناحية أخرى يبدو حال هذه الأسرة، الزوجة (ميريام)، التي تعمل في المحاماة، والزوج (بول) مهندس الصوت. أسرة برجوازية تعاني بدورها من الملل والفتور، ليغيب الزوج قدر طاقته عن البيت بحجة العمل، وتنشغل الزوجة بعملها، تعويضا عن حياة خالية من المعنى، وقد سلكت بدورها الطريق الخطأ، بأن تركت أمومتها محاولة تحقيق وجودها في مكان آخر. هي بدورها تحمل إهانتها الخاصة كامرأة متروكة، سواء تزوجت عن حب اختفى، أو تزوجت كيفما اتفق، متوهمة حياة حقيقية. ووفق مظاهر أن كل شيء على ما يرام، وأن الصورة من بعيد مُحتملة، وتكاد تكون مُبهجة وسعيدة، يتعايش الجميع، ووسط هذا الهدوء البادي تبدأ التوترات في التصاعد، وتأتي انعكاسات أوضاع مخيفة، كوصمة تلك المجتمعات الفارغة، لتحدث في النهاية جريمة القتل.
ليست فرنسا وحدها
ما يجعل هذه الرواية لا تختص بوطن أو بلد معين، أنها تناقش وتتعرض لحالة قائمة في العديد من المجتمعات على اختلاف تفاصيلها، حالة العالم الآن، بداية من الأسرة، وانعكاس الأوضاع الاجتماعية والعلاقات المشوهة التي نحياها، هذه ليست أول أو آخر حالة قتل سترتكبها امرأة تقوم بدور الأم البديلة، وربما في المجتمعات العربية ــ الخليج بوجه خاص ــ هذه الجرائم أصبحت اعتيادية إلى حدٍ كبير. الأمر الآخر يتمثل في محاولة استرداد الأم الحقيقية لأطفالها، بعدما يعيشون فترة في ظل مربيتهم، توالد حالة الاغتراب هذه هو سبب المأساة، فالجميع يمثل دوره بأنه يعيش أو يتعايش، ولكن لحظة الانفجار وشيكة ومتحققة في كل لحظة. وما تكثيف الأحداث والحالة الانتقامية إلا استعراض دقيق لحال العالم اليوم، خاصة في المجتمعات التي تتوسل الرفاهية، أو تزعم ذلك، لكنها في حقيقتها خربة إلى أقصى حد.
وقائع حقيقية
ويبدو أن ليلى سليماني تعتمد على وقائع حقيقية لتصوغ منها نسيجها الروائي وفق هواها، ولما يقتضيه العمل الأدبي. ففي روايتها الأولى «في حديقة الغول» 2014، تستلهم قضية المدير العام السابق لصندوق النقد الدولي (دومينيك ستروس) عام 2011، الذي ترك منصبه بعد فضيحة التحرش الجنسي بعاملة في فندق أمريكي كان يقيم فيه، ما دفعه لترك منصبه. فحكت سليماني القصة من زاوية أخرى، من خلال عين امرأة مُصابة بالإدمان الجنسي. بينما في روايتها الفائزة بالغونكور «أغنية هادئة»، كانت نتيجة خبر في جريدة عن جريمة اقترفتها مربيّة أمريكية في عام 2012 قتلت طفلين كانا في رعايتها.