خلال الألفيتين الماضيتين كانت أفغانستان ممرّاً طبيعياً للفاتحين والتجار، من الاسكندر المقدوني الذي غزاها عام 328 قبل الميلاد، مروراً بالعرب المسلمين والمغول والبريطانيين والروس والأمريكيين، وأحد أهم الأسباب لهذا الوضع هو الجغرافيا التي منعت هذه الأمة القديمة من الحصول على موطئ قدم على البحر وأحاطتها بمجموعة من الجيران الأقوياء، وجعلت من جبال الهندوكوش التي تمتد عبر البلاد من الشمال الشرقي حتى الجنوب الغربي إحدى الموانع الإضافية للتواصل بين الأقاليم المختلفة، وحين يضاف إلى ذلك الطقس القاسي فإن هذه العوامل تفسّر لماذا تقوى سلطات القبائل وتضعف السلطة المركزية.
تتمتّع البلدان الساحلية بإمكانيات أكبر للحصول على الموارد عبر التجارة البحرية والصيد مما يجعلها أكثر غنى أما البلدان المحاطة من كل جانب بأمم أخرى فإن مكاسبها ومواردها تصرف على البلدان المجاورة.
وبعد أن كانت أفغانستان، في الماضي، ممر عبور لطريق الحرير الشهير الذي يصل الشرق الأقصى من الصين والهند إلى الشرق الأوسط وأوروبا، فإنها ومنذ نشوء الامبراطوريات الحديثة كانت مجال صراع بين الإمبراطورية الروسية والبريطانية، ثم بين الأمريكية والسوفييتية، وكذلك بين جارتيها، باكستان السنّية، وإيران الشيعيّة، لينتهي، مع تدهور الإمبراطورية السوفييتية في الثمانينيات من القرن الماضي، بعولمة المدّ الجهاديّ الإسلامي وإعادة اجتياح الأمريكيين للبلد من دون أي نجاح يذكر في السيطرة عليه أو إنهاء الاضطراب العميق الذي انتقل إلى كافّة أنحاء العالم.
يذكّر الاعتداء الكبير الذي نفّذ أمس بشاحنة مفخخة وأدى إلى مقتل ما لا يقل عن 80 شخصا وإصابة المئات في الحي الدبلوماسي من العاصمة الأفغانية كابول بلعنة جغرافيا أفغانستان كما بتاريخ الصراع المستمر بين القوى الخارجية الكبرى، والإقليمية، وأيضا بعناصر التفتّت الهائلة التي أدّى إليها اجتماع هذه العناصر، وبضرورة إعادة قراءة التاريخ ومحاولة مصالحة الجغرافيا مع مصالح وقوانين العالم الحديث.
لقد انهزم البريطانيون في الحرب الأفغانية الأولى عام 1839 واضطروا بعد حربين أخريين إلى الاتفاق السياسي مع الأفغان انتهى بإعلان استقلال الدولة عام 1919، وانهزم الروس الذين اجتاحوا أفغانستان عام 1978 بثمانين ألفا من جنودهم واضطروا للانسحاب عام 1989، وكانت تلك الهزيمة إعلاناً بتداعي وسقوط الإمبراطورية السوفييتية وزوالها.
هناك حاليا 8400 عسكري أمريكي في أفغانستان إلى جانب خمسة آلاف جندي من الحلفاء الأطلسيين، ويدرس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إرسال تعزيزات تضم آلاف العسكريين، وهو ينسى أن مئة ألف عسكري كانوا موجودين هناك قبل ست سنوات، في تجاهل جديد لدروس الجغرافيا السياسية والتاريخ التي تقول إنه لا يمكن السيطرة العسكرية على بلد خاض حروباً هائلة ضد امبراطوريتين كبيرتين وتمكن، في المرتين، من هزيمتهما.
عاشت أفغانستان حروباً متواصلة خلال الاحتلالين الروسي والأمريكي، وهي بلد تشكّل الجبال مساحة كبيرة منه ولا يملك منفذاً بحريّا ومحاطاً ببلدان أغلبها فقير وتعاني اضطرابات سياسية، وهو يعاني أيضاً من صراعات إثنية وقبلية عميقة تجعل من الصعب حكمه أو سيطرة حكومة مركزيّة عليه مما يجعله أشبه بالكمين العالميّ المؤهّل لإفشال أي احتلال عسكري حتى لو كانت القوّة الأمريكية العظمى وراءه.
الخيار الآخر، لأفغانستان والعالم، هو أن تصرف مئات المليارات التي تصبّ في بناء الترسانات العسكرية لتركيع شعب فقير على تنمية البلاد وتحقيق عدالة سياسية متوازنة، وعلى خفض التوتّر الإقليميّ المحيط وخصوصاً في باكستان، الدولة الشديدة التأثير على أفغانستان.
الصين، الجارة غير البعيدة عن أفغانستان، أعلنت مؤخراً تخصيص مئات المليارات لإعادة تنمية البلدان التي كان يمرّ بها طريق الحرير القديم، وهي خطوة تدخل في استراتيجيات بكين السياسية للعقود المقبلة، وهي أكثر فلاحاً وذكاء ونتائج على المدى الطويل من سياسات العسكرة وحدها.
رأي القدس