أفكار ترامب لحل النزاع العربي ـ الإسرائيلي تتجاوز «حل الدولتين» إلى ترحيل الفلسطينيين إلى الدول المجاورة

حجم الخط
5

واشنطن ـ «القدس العربي»: لم يلتفت العديد من السياسيين والمحللين إلى فكرة خطيرة للغاية طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أثناء مؤتمر صحافي مع رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي إذ انصب الاهتمام على استنتاج واضح هو ان الإدارة الأمريكية الحالية دقت المسمار الأخير في نعش «حل الدولتين» في محاولة لترويج حل «دولة واحدة» هي على الأرجح، دولة يهودية عنصرية من البحر إلى النهر.
ترامب ألمح إلى بديل في غاية الخطورة، حيث تحدث عن «صفقة كبيرة جدا تشمل الكثير من الدول وتغطي مساحة كبيرة من الأراضي»، وهذا الاقتراح لا يعني إلا شيئا واحدا هو ان ترامب لا يمانع، في الواقع، من إعداد خطة لترحيل الفلسطينيين من الأراضي المحتلة عام 1948 والضفة الغربية وقطاع غزة إلى الدول العربية، ما يعنى بداية النهاية للهوية الفلسطينية.
وقد تصاعدت على الفور شكوك من المحللين الأمريكيين حول جدية اقتراحات ترامب ومدى فهمه للصراع العربي ـ الإسرائيلي ورغبته في حل النزاع، لان آخر الأشياء التي يريدها ترامب وغيره من قادة الغرب رؤية 13 مليون فلسطيني يعبرون عن غضبهم اضافة إلى غضب شعوب أكثر من 51 دولة إسلامية وعربية. وقد تشير النتائج المتوقعة لاقتراحات ترامب إلى استحالة التنفيذ إلا ان الوسط السياسي في واشنطن بدأ يتحدث عن تنفيذ اقتراحات أكثر خبثا يتداولها الكثير من المساعدين في إدارة ترامب مثل تقديم اقتراحات بنقل طوعي للفلسطينيين إلى الشتات مقابل تعويض مالي اضافة إلى خطط أخرى تتضمن عدم منح دولة فلسطينية مستقلة بل استحداث مدن فلسطينية معزولة عن بعضها البعض تعمل كدويلات داخل إسرائيل.
ترامب لن ينجح في تنفيذ صفقة مرفوضة من الفلسطينيين والعرب والمسلمين والأحرار في العالم، ولكن الخسائر التي قد يجلبها للقضية الفلسطينية قد تكون باهظة وقد تكون بالفعل بداية لمرحلة أشد قتامة لمحاولات إنشاء دولة فلسطينية مستقلة. ولا يمكن الاستهانة بالرجل حيث نجح بواسطة هرطقته العدوانية من الفوز في الانتخابات الرئاسية رغم عدم ارتياح قادة الحزب الجمهوري له، ونجح في إصدار أكثر من 200 مرسوم تتضمن إلغاء جميع انجازات الرئيس السابق باراك أوباما، وفي أفضل سيناريو، سيدفن ترامب أي حلول واقعية مطروحة في الساحة العالمية لحل الصراع بما فيها الخطط التي تستلهم أفكار الرئيس الأسبق بيل كلينتون حينما طرح فكرة وقف بناء المستوطنات الجديدة ودعوة الرئيس الفلسطيني لدولة منزوعة السلاح واجراء انتخابات في الأراضي الفلسطينية.
والاستنتاج الذي يمكن التوصل إليه عند النظر إلى هذه الصورة القاتمة كما يقول المحلل الأمريكي-المكسيكي من أصول فلسطينية عمار النجار، وهو مسؤول سابق في إدارة أوباما، ان ترامب سيشعر في نهاية المطاف بالاخفاق والفشل مثل غيره من رؤساء الولايات المتحدة الذين حاولوا التوصل لاتفاق تاريخي في الشرق الأوسط.

«سأكون سعيدا بالحل الذي يفضلونه»

ترامب تحدث بلهجة ساخرة قائلا: «انظر إلى حل الدولتين وحل الدولة، إذا كانت إسرائيل والفلسطينيون سعداء، سأكون سعيدا بالحل الذي يفضلونه، الحلان يناسبانني». وفي الواقع، هذا التعليق يدعو للسخرية، لان ترامب اختار طاقمه من مساعدين ووزراء وسفراء لا تناسبهم رؤية دولة فلسطينية مستقلة، وعلى النقيض من ذلك، هم على عجلة من أمرهم لنقل سفارة دولة الاحتلال إلى القدس العربية المحتلة، ومن الصعب العثور على مسؤول واحد في إدارة ترامب لديه الحكمة والمعرفة ورؤية غير منحازة لكبح «الخطط غير الواقعية» التي يطلقها ترامب بين الفينة والأخرى فيما يتعلق بالصراع العربي- الإسرائيلي. أما تصريح المبعوثة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي بان الولايات المتحدة تدعم بكل تأكيد حل الدولتين ولكنها تبحث عن بدائل، فهو لا يعني على الاطلاق ان هناك اتجاها في الإدارة يؤيد «حل الدولتين» وآخر يؤيد «حل الدولة» وهو تصريح لا يعني، أيضا، ان الولايات المتحدة ستدفع بالفعل في اتجاه تنفيذ حل الدولتين.
البيت الأبيض قال مرارا خلال الأسابيع القليلة الماضية ان إدارة ترامب لا تصر على حل دولتين لإسرائيل وفلسطين، كما روج لفكرة ان هذا الحل ليس هدفا إذا لم يجلب السلام أو لا تريده الأطراف المعنية. وأكد البيت الأبيض بوضوح ان ترامب خلال «مساعيه للسلام» في المنطقة لن «يملي» على الأطراف أي شروط في الاتفاق الجيوسياسي المحتمل.
هنالك العديد من المتغيرات التي لا يمكن التنبؤ بها أثناء ولاية ترامب ولكن الشيء الوحيد المؤكد هنا ان «حل الدولتين» في خطر، وقد يدرك الكثير من الفلسطينيين والعرب والمسلمين والأحرار في العالم، الآن أكثر من أي وقت مضى انه لا يمكن التوصل إلى حل سياسي مقبول للصراع العربي ـ الإسرائيلي، فرئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو كان أكثر وضوحا بالقول انه لا يمكن ان يتقبل فكرة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وان أكثر ما يمكن تقديمه هو عبارة عن «حكم ذاتي» لمدن وبلديات معزولة، وترامب بدأ نقطة اللاعودة لسياسة أمريكية جديدة لا تتظاهر بالرغبة الحقيقية لتحقيق اتفاقية سلام عادلة والروس يتابعون المشهد بدون تعليق والدول الأوروبية لا تملك إرادة سياسية تؤهلها لاحتلال مكانة الوسيط الأمريكي ولا آمال في مفاجآت عربية أو إسلامية تعيد موازين القوى إلى نقطة تمكنها من فرض شروط في أي اتفاقيات تحدد مستقبل المنطقة.
ولا توجد مؤشرات تدل على ان سياسة ترامب الجديدة تجاه الصراع العربي ـ الإسرائيلي ستواجه معارضة من داخل الولايات المتحدة، فاليمين يسيطر تماما على الساحة السياسية في البيت الأبيض والكونغرس ومؤسسات الحكم المحلية، ولم يلتفت الإعلام كثيرا إلى فكرة ان ترامب شطب في لحظة أثناء مؤتمر صحـــافي سيـاسة أمريكية امتدت على مدى عقود وهي دعم واشنطن لفكرة «حل الـدولتين» ولم تلتقط «القدس العربي» مبادرات جادة لمعارضة سياسة ترامب في الشرق الأوسط بما في ذلك تعيين سفير مثير للجدل ونوايا نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة في وقت متأخر من ولاية ترامب وعدم التنديد ببناء المستوطنات باستثناء معارضة بعض الجماعات اليهودية ـ الأمريكية حيث تلقت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي رسائل للتعبير عن معارضة قيادات سياسية يهودية في الولايات المتحدة على تعيين ديفيد فريدمان سفيرا لواشنطن في دولة الاحتلال الإسرائيلي ومعارضة التحول الواضح في السياسة الأمريكية تجاه بناء المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية.

«لا نؤيد مستوطنات جديدة»

وجاء في رسالة وقعها أبناء وأحفاد لويس برانديس وهو أول قاض يهودي في المحكمة الدستورية العليا انهم يعارضون سياسة أخذ الممتلكات والأراضي الفلسطينية من قبل حركة المستوطنين وسياسة الحكومة الإسرائيلية التي تدعم هذه الحركة عن طريق توسيع نطاق الحماية العسكرية للمستوطنات غير الشرعية ومعارضة تقييد وصول الفلسطينيين إلى ممتلكاتهم الخاصة. وأضافت الرسالة: «نحن نفضل حل الدولتين بدلا من احتلال إسرائيلي لأجل غير مسمى للضفة الغربية ولا نؤيد مستوطنات جديدة».
الرسالة الهامة رسمت أيضا، لوحة تعبر عن النوايا الحقيقية لإسرائيل حيث أشارت إلى ان الحكومة الإسرائيلية منعت أي مفاوضات سلام جادة على مدى السنوات الثماني الماضية من خلال دعمها المتواصل للمستوطنات والاصرار على شروط مسبقة، ويبدو ان الحكومة الإسرائيلية مصممة على منع حل الدولتين، حيث يطالب نتنياهو الفلسطينيين القبول بكون إسرائيل هي «دولة يهودية» وهي دعوة تؤدي إلى الشك في ان الحكومة الإسرائيلية تدعم «دولة واحدة» يتمتع فيها كل السكان بالحقوق والفرص نفسها، ووفقا لأقوال عائلة برانديس فينبغي على الولايات المتحدة اعتماد رؤية دولة تحرم غير اليهود من حق التصويت.
ولان السفير الأمريكي المرشح فريدمان لدى دولة الاحتلال الإسرائيلي يدعم حركة الاستيطان ويعارض حل الدولتين كما جاء في الرسالة فان هناك معارضة لترشيحه خاصة لانه غير متسامح مع الآراء المعارضة وغير قادر على تمثيل المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط.
في نهاية المطاف، وبغض النظر عن مدى صدق وجدية نوايا رؤساء الولايات المتحدة لحل الصراع العربي ـ الإسرائيلي من الرئيس بيل كلينتون الذي شعر بالفشل والاخفاق لأنه لم يتوصل إلى اتفاق تاريخي بين الفلسطينيين والإسرائيليين إلى ترامب الذي يتقن الغاء جميع انجازات الإدارات السابقة، فان الولايات المتحدة في الواقع لن تفرض على كيان الاحتلال أي حل ولن تمارس أي ضغوط من شأنها احراج «الحليف الاستراتيجي الأول».
إدارة ترامب قالت بلا مواربة ان واشنطن لن تصر على «حل الدولتين» وبدأت تروج لأفكار تهدف إلى قتل القضية الفلسطينية والغاء الهوية الوطنية فلماذا نصر هنا على ان «الحل السلمي» هو الخيار الوحيد لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، ولماذا لا تؤخذ بعين الاعتبار استراتيجيات جديدة من بينها البدء في مقاومة مدنية شعبية على أقل تقدير؟

أفكار ترامب لحل النزاع العربي ـ الإسرائيلي تتجاوز «حل الدولتين» إلى ترحيل الفلسطينيين إلى الدول المجاورة

رائد صالحة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية