لندن – «القدس العربي»: نجح تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) في استخدام أحدث التقنيات في أفلامه وحملاته الدعائية والترويجية بما مكنه من استقطاب أعداد كبيرة من المقاتلين العرب والأجانب، في الوقت الذي يبدو فيه العالم عاجزاً عن مجابهة الطوفان الاعلامي الذي يقوم به التنظيم عبر الانترنت ووسائل الاتصال الحديثة، وصولاً الى استخدام الهواتف الذكية في نشر ما يريد من أفكار ومواد صوتية وفلمية وغير ذلك.
وقالت تقارير إعلامية في بريطانيا إن مقاتلي «داعش» الغربيين يقومون باستخدام ناجح للهواتف الذكية ووسائل الإتصال المختلفة عبرها من أجل ايصال رسائلهم وفيديوهاتهم الى أصدقائهم وجمهورهم داخل أوروبا بشكل خاص.
وأشار تقرير اطلعت عليه «القدس العربي» إلى أنه تم رصد العديد من الأنشطة لمقاتلين غادروا بريطانيا وانضموا الى «داعش» في سوريا، ومن بينهم الشبان الثلاثة الذين ظهروا في تسجيل فيديو مؤخراً يدعون فيه للهجرة الى «الدولة الإسلامية» والإنضمام الى «داعش» حيث تبين أنهم يحاولون استخدام تطبيق «واتس آب» من نشر أعداد كبيرة من الفيديوهات والمواد الترويجية لــ»داعش» داخل بريطانيا، حيث تحل هذه المواد على الهواتف الذكية النقالة للمستخدمين في بريطانيا، ولا توجد أي طريقة لمنع مرورها ووصولها الى المستخدم النهائي، كما لا توجد أصلاً وسائل قانونية تتيح للحكومة مراقبة هذا النوع من المراسلات الذي يمكن أن يكون فردياً ويمكن أن يتحول الى اتصال جماهيري.
ويقول الكثير من المراقبين والخبراء إن تنظيم «داعش» نجح في الاستفادة من وسائل الإتصال الحديثة وتطويعها لخدمته والترويج لأفكاره وعملياته العسكرية بما أتاح له إيصال وجهة نظره الى العالم، وأتاح له أيضاً استقطاب أعداد كبيرة من المقاتلين، سواء العرب أو الأجانب ممن تبنوا أفكاره، وافتتنوا بالفيديوهات والصور التي ينشرها، فضلاً عن أن الكثير من الصور والفيديوهات كانت ترمي الى بث الخوف والرعب في قلوب خصوم التنظيم، وخاصة صور وأفلام قطع الرؤوس التي تسببت بفرار عشرات الآلاف من السكان والجنود من بعض المناطق في العراق قبل أن يدخلها مقاتلو «داعش» وذلك خوفاً من إلقاء القبض عليهم من قبل التنظيم وقطع رؤوسهم.
أحدث وسائل المونتاج
وبحسب تقرير لجريدة «التايمز» البريطانية فان تنظيم «داعش» يستخدم أحدث تقنيات الصوت والصورة وعمليات المونتاج في إنتاج أفلام الفيديو التي يقوم ببثها عبر الانترنت، أو عبر الهواتف النقالة من أجل الترويج له ولعملياته.
ويقول التقرير إن الأسلوب الذي يستخدمه الداعشيون في إنتاج الأفلام هو ذاته المستخدم في «هوليوود» من أجل إنتاج أهم وأفخم وأرقى الأفلام العالمية، خاصة الأفلام التي تتضمن مشاهد عنيفة.
ويقوم أسلوب المونتاج الداعشي على بث مشاهد قصيرة ومتتابعة للعمليات التي يقوم بها التنظيم، مع إظهار صور المقاتلين على أنهم أبطال ومقاتلون أشداء في المعارك، على أن هذه المشاهد تترافق مع مؤثرات صوتية تتمثل في أناشيد دينية تحفز على القتال والإستشهاد في سبيل الله، وإيقاع أشد الألم في الخصم أو في الطرف الآخر.
وتستعرض «التايمز» سلسلة من الأفلام القصيرة التي بثتها «داعش» على الانترنت تحت عنوان (Let’s Go)، وهي أفلام تهدف لاستقطاب الشباب المقاتلين، وتستخدم تكنولوجيا فائقة الجودة والتطوير في الصوت والصورة والمونتاج، حيث تقول الصحيفة إن مدة كل فلم من هذه السلسلة خمسة دقائق فقط، لكنه يتضمن تحفيزاً عالياً على القتال ويتم فيه استخدام «أساليب هوليود» في المونتاج الذي يقوم على السرعة ودفع المشاهد يعيش مع الحدث مع قدر كبير من الاثارة.
ونقلت الصحيفة عن الباحث في المركز الدولي لدراسات التطرف شيراز ماهر قوله «إن داعش تمكن من إنتاج الفيديوهات الأفضل على الإطلاق، وبصورة متكررة منذ البداية، وليس فقط في الآونة الأخيرة».
وأضاف: «إنهم يستخدمون مواد فيلمية سريعة، وتترافق معها أناشيد دينية تحفيزية»، وهو الأسلوب الذي يستخدمه منتجو الأفلام في «هوليوود»، حيث يتم إنتاج أفلام العنف بأحدث الوسائل والطرق.
برامج تحرير فيديو احترافية
وقال مخرج تلفزيوني ومنتج فيديو متخصص لــ»القدس العربي» إن مقاتلي «داعش» يستخدمون أحدث برامج صناعة الأفلام في العالم لانتاج هذه المقاطع التي يتم بثها على الانترنت، لا سيما برنامجي «أفيد» و»فاينل كت برو» اللذان يتيحان كل هذه الإمكانات، وهي برامج مهنية لا يستطيع استخدامها إلا المحترفون.
ويقول المخرج الذي طلب عدم الإشارة الى اسمه إن المعرفة باستخدام هذه البرامج المتطورة لا تكفي بطبيعة الحال، وإنما يتطلب انتاج أفلام ذات معنى وتأثير أن يكون منتجوها على علم ودراية بمدارس وأساليب الإخراج السينمائي والتلفزيوني، إضافة الى أنه يتطلب عليهم أن يكونوا قد درسوا كيفية إيصال الرسائل السياسية المطلوبة عبر الأعمال الفنية، وكيفية استخدام الصورة بشكل ناجح، وكيفية استخدام المؤثرات الصوتية أيضاً.
ويمثل استخدام هذه التقنيات الحديثة من قبل «داعش» دليلاً على أن شريحة كبيرة ومهمة من المقاتلين في صفوفها هم من الحاصلين على أعلى الدرجات العلمية والمتعلمين والمثقفين، ممن لديهم القدرة على القيام بحملات دعائية منظمة لتوجيه الرأي العام وإغراء مقاتلين جدد للإنضمام الى صفوف التنظيم.
كما تتوفر لدى مقاتلي «داعش» خبرة كبيرة ودراية واسعة في استخدام الانترنت وكيفية استغلال شبكات التواصل الاجتماعي في تغيير الرأي العام وتوجيهه، وكيفية التعامل مع الجمهور من خلال الانترنت والهواتف النقالة.
وكانت تقارير أيضاً قد رصدت عمليات تواصل بين المقاتلين في سوريا وأنصارهم في الخارج تتم عبر المنتديات الالكترونية والصفحات العامة على «فيسبوك» فضلاً عن أن التوجيه الذي يتم منحه للمقاتلين الجديد القادمين من الخارج يتعلق دوماً بضرورة إصطحاب هاتف ذكي مزود بالانترنت والقدوم به الى «الدولة الإسلامية» في مؤشر بالغ الوضوح على الإهتمام بذلك.
محمد عايش