عمان ـ «القدس العربي»: يتفق مؤرخو الآداب الأوروبية على أن أقدم شعر غنائي عرف في أوروبا هو الذي نظمه شعراء التروبادور في جنوب فرنسا، خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين. والسمات المحددة لهذا الشعر ثلاث: أنه يستخدم في تعبيره لغة لاتينية دارجة وهو شعر غنائي الطابع وناظموه أشخاص معروفون.
ويضم ما وصل إلينا من نظم شعراء التروبادور 2542 قصيدة من تأليف ثلاثمئة وخمسين شاعرا معروفين بأسمائهم، واللغة المستخدمة في هذا الشعر هي المعروفة باسم البروفنسالية، لغة دارجة محرفة عن اللاتينية، وإن كانت أرقى مستوى من لغة الكلام العادية، والشعر المنظوم بها يمتد من جنوب فرنسا ما بين المحيط الأطلنطي في الغرب والحدود الإيطالية في الشرق.
الشاعر الذي يدعى تروبادور هو الذي ينظم قصائده ويذيعها عن طريق الغناء لا القراءة، فهو شعر سماعي مرتبط منذ البداية بالموسيقى والغناء، ومن هنا يختلف ناظمه عن مفهوم «الشاعر» السابق الذي كان «يكتب» باللاتينية الفصيحة لكي يقرأ نظمه، فالتأليف بالنسبة للتروبادور هو الغناء، سواء أكان هو من يغنيه أم عهد به إلى من يؤديه بمصاحبة آلة موسيقية.
وينتمي شعراء التروبادور إلى طبقات اجتماعية متفاوتة، فمنهم ملوك وسادة إقطاعيون وأساقفة وقادة عسكريون ورجال ينتمون إلى الطبقة الوسطى وآخرون من عامة الشعب. ومن هنا وُجدت طائفتان من شعراء التروبادور، منهم من اتخذوا من نتاجهم الشعري الغنائي حرفة يتكسبون بها، وأخرى كانوا ينظمون تلك الغنائيات بالنسبة لهم حلية يتجملون بها.
كما تناول شعر التروبادور العديد من الموضوعات غير العاطفية، ومنها الموعظة الخلقية، ويوجه فيها الشاعر نقده العنيف لمفاسد المجتمع وما يشيع فيه من عادات سيئة. كما تناول الصراع السياسي في سطوره لوصف الأحداث التي تدور في أوروبا الغربية وصراع الملوك. وفي ما يتعلق ببنية القصيدة التروبادورية فإن الصيغة الشائعة فيها هي أن تتألف من خمس مقطوعات إلى سبع وإن تنتهي كل مقطوعة بقفل تتفق قوافيه مع قوافي المطلع. أما الدور وهو القسم الأول من المقطوعة فهو ينتهي بقواف أخرى مستقلة ولكن بنظام هندسي متبع في عدد من السطور وفي القوافي.
من أهم شعراء التروبادور الدوق جيوم دي بواتييه، ماركابرو، سيركامون وجوفري روديل.
شعر نساء التروبادور
منذ نهاية القرن الثاني عشر بدأ بعض النساء في جنوب فرنسا الكتابة في مجال شعر التروبادور، الذي تميز بأسلوب نقي ومباشر فرض نفسه في المجتمعات الراقية، وبذلك تكونت إحدى الظاهرات الأدبية في تلك الفترة وأطلق عليها «نساء التروبادور». وتميز هذا الشعر بتقديمه مع الموسيقى فأقبلت على سماعه الطبقات العليا، وأصبح بمثابة المركز في ثقافة بلاط النساء الراقيات والمغرمات بالشعر والقصة وآداب الحكايات ونشأة قصص الفروسية والمغامرات. كما ساهم العديد من العوامل في تطور نشأة هذا الأدب، كون وضع المرأة في جنوب فرنسا أكثر مرونة منه في الشمال، فهي تتمتع بشيء من الحرية، والنساء يرثن نصيب الرجال نفسه، ويقمن بإدارة أملاكهن بدون أي رقابة، حتى بعد الزواج. بينما في الشمال كانت المرأة في وضع لا تحسد عليه، إذ أن مسألة الأخلاق ما زالت تمارس بشكل سلبي من حيث احتقار المرأة والوصاية عليها والدور الوحيد الذي تقوم به هو إنجاب الأطفال، والذكور منهم خاصة.
ومن هنا بدأت حركة نسائية تطالب ببعض الحقوق من خلال شعر التروبادور الذي انتشر بشكل سريع في الجنوب وانتقل إلى شمال إيطاليا، وعكس ظاهرة أدبية لا تعبر فقط عن أسلوب المرأة الفرنسية وتميزه عن الرجل، بل أيضا تعكس نوعا أدبيا خلقته المرأة بنفسها.
لقد كان شعر التروبادور في الغالب يتحدث عن الحب الذي اصطلح على تسميته الحب المثالي، أو المهذب، وهو يشبه الحب العذري في سمو تعبيره وإلحاحه على الحرمان من الحبيبة. كما ركزت شاعرة التروبادور على مظاهر سيطرة الرجل على المرأة في سبيل الوصول إلى ما يريده، وتميز بعكس صورة جماليات المرأة والرجل الراقي ذي الأسلوب المتحضر الذي يعتبر المرأة شريكا روحيا يلجأ إليها في كل الأوقات.
شاعرة التروبادور الإيطالية
لقد تميزت الشاعرة الإيطالية بتنوع مهاراتها وأصولها كما هو شعرها، فقد ضم هذا الشعر في إيطاليا نخبة نساء المجتمع، فقد كن من النساء النبيلات، المثقفات، العالمات، الجميلات، حسنات السمعة، الراقيات والطموحات.
كما أن نساء الطبقة الأرستقراطية كن مصدر إلهام للعديد من الشاعرات، من ناحية استقلالهن وتمتعهن بالكثير من الحقوق، ومن هنا تميز شعر التروبادور الإيطالي عن نظيره الفرنسي من حيث أن الأسباب الكامنة وراء كتابة هذه الأشعار عند المرأة مختلفة تماما عند الرجل، الذي تناول الشعر لأسباب عملية، بينما تناولته هي لأسباب شخصية، كما وتنوعت المضامين التي تناولتها الشاعرة الإيطالية في شعرها.
يمكن تقسيم الكتابات الشعرية إلى نوعين: مشهد العشاق والحوارات الشعرية، ويتحدث هذا الشعر عن الحب وهموم العشاق، الرغبة، الحاجة للصديق، الشخصية المتسلطة وذكرى الأيام الحميمية الغالية.
وعلى الرغم من أنه احترم شكل الشعر الراقي، الإ أنه لم يستخدم الصورة المجازية والمصطلحات التقليدية، إنما يصب في لغة مباشرة، من دون أدنى غموض وكأنه يكشف الحجاب عن مشاعرهم العميقة، بينما يطرح الرجال ممن خاضوا هذا العالم الشعري في شعرهم أسئلة حول الواقع، كما يعرض لواقع النساء وما وصلن إليه.
زوال الحب المهذب
لقد واجه شعر التروبادور مشكلة حقيقية تتعلق بالترجمة وفهم مضمون النص، إذ عند إلقاء الشعر بكلمات قوية وجريئة يفهمها المتلقي حرفيا، من دون استيعاب المضمون الحقيقي الهادف، فعندما تعبر الشاعرة عن رغبتها في وصل رجل آخر غير زوجها بكلمات قوية وبصوت عال، تعبر بذلك عن مشاعرها الدفينة بينما يتلقى المستمع ذلك بالكثير من الاستهجان، خصوصا عندما يأتي هذا الشعر وتلك الكلمات من سيدات الطبقة العليا.
كما بدأت الحملات الصليبية عام 1210، التي خرج بعدها الأدب بظاهرة جديدة غيرت من مفهوم الحب الحقيقي، ونتيجة لتلك الحملات فقدت المرأة الكثير من حقوقها التي سعت وراءها، كامتلاك العقارات والأراضي وإدارة الأملاك، كما أصبح الحب الراقي إحدى أساطير العالم القديم، إلا أن شعراء التروبادور اهتموا كثيرا بعملية حفظ وتوثيق الكتابات النسوية من شعر ونصوص أدبية، كون المرأة تغيرت وتطورت بفعل المساحة التي مُنحت لها في شعر التروبادور للتعبير عن نفسها، كما انضمت كتابات شعر التروبادور إلى مجال «كتابات الأنا» و»الأدب العاطفي» الذي يعبر عن مشاعر النفس الحميمة، وظهرت في المذكرات والسير الذاتية.
من أهم شاعرات التروبادور: الكونتيسة دو ديا، نا بيريس دو رومان، الماندا، ماريا دو فينتادورن، ايزابيلا، كارول جان، آنا تيبورس، كارسندا دو فوركالييه.
يمثل شعر التروبادور نافذة مفتوحة على نساء القرون الوسطى، وهذه النافذة تطل على الفترة ما بين 1150 – 1210، حيث أن كتاباتهن شكلت الإسهامات الأولى لما نسميه اليوم الأدب النسوي.
آيه الخوالدة