أقلام الخشب الملوّنة

حجم الخط
3

في المغطس كنتُ
أنزل الماء بحذر.. وأبردُ
تسمّرتُ قليلا…
شعرت في لحظة.. أنّي إناء صغير يحمل أقلامَ خشبٍ ملوّنة
على رفّ مطليّ أحمر
في روضة أطفال
في حيّ أثرياء
خفت من نفسي… متى صرت أقلاما ملونة؟
وكيف تخشّبتُ وقلّم الأطفال طولي وشكلي
هل أدخلوا ساقي في مبراة
أم نهدي
أم سرّتي والهدهد الذي ينقر فوقها؟
تراجعتُ
لبستُ.. أرتعدُ… وجلست ألهث…
وقد صرتُ أقلاما في إناء:
ماذا سيفعل بي الأطفال؟
قد أسقط تحت الطاولات تبعثرني أقدامهم
يكنسني عامل الرّوضة
ويضعني في كيس أسودَ
وقد يجمعني في علبة ويعطيني هدية لصغاره
ماذا سأفعل في بيته لو عرفت زوجته أنّي أنثى؟
هل أهرب؟
وكيف سأعبر الطريق بشكلي الجديد؟
ستدهسني شاحنات كبيرة
وقد تشمّني الكلاب وتنبح حائرة بين رائحة لحم وشكل قلم
سأُنسى على حافّة المسلك الصّحي
لن ينتبه لي الرّاكضون والمشاة بأزياء رياضة.
في صباح بارد… ربّما ستمرّ آمرأة غائمة
تقذفني بنعلها ثم تأخذني
تكتب على حائط: «من خطف الشجرة وزرع جّرة مكانها؟»
تُمْضي
ثم تَمضي… وتكسرني نصفين متقايسين.

أنا لستُ بالبيت
ليس لي زائدة دوديّة
تورّمت… فأجروا عمليّة خطيرة.. ولم أمت.
وليس لي كليتان هادئتان
التّربة ناشطة فيهما
والحصى وراثة لا تنفع لطبع كتاب.
وليس لي حساب بنكي
عاطلة عن العمل،
كثيرا ما أحلم ببطاقة أدخلها في حائط وأسحب ما أريد
ليس لي لسان طويل
ألفهّ على الأفعى لأعصر سمّها
وأوثق به أقدام النساء المتطلّعات إلى من أحبّ.
ليس لي عصفور نادر في قفص
الطيور المحبوسة في حديد صغير باهظة جدا
والزقزقة تكلّف كثيرا.
ليس لي آسطوانات نادرة
كان أبي مولعا بالطرب ولكني في يوم جبان
دون علمه رميت الأقراص في كيس
ونمت.
ليس لي أضراس عقل
نزعها الطبيب كلّها فشكتّها زوجة الشيطان في عقد
ورقصت بها «الطنغو»
منذ مدة عبرت نهرا دافقا
ففقدت ساقي
تجمعت حولها تماسيح قسّمتها قطعا وشبعت الأسماك أيضا
ليس لي صنوبرة على مقاس ساقي الباقية
وكان ينبغي أن أسير بعكازة لأكمل المسافة
لكن عازف العود طيّب
صنع لي من خشبه أعوادا وقال أنفخي فيها
نفخت فصارت سيقانا
أعرت واحدا لكينكاس هدير الماء
وعدّلت عودا لساقي
ماريا كلارا تغني له
وأغني لك كماريا كالاس
ليس لي صوت جميل
لكني أمام البحار… سأنقص
وأرقص مع كينكاس

الغرفة الباردة

لم أنمْ
لم أحلمْ
لم يوقظني منبّه ساعة
ولا لمسات خفيفة على كتفيّ
الغرفة باردة كوجهِ ميّت
والضّوء الشّاحب المندفع من نافذة شرقية.. يسدّ رمقي
قلقي ليس ضئيلا
أشعر بأتربة فوق ركبتيّ
كأنّ على سرّتي مؤونة تسوّست
كأنّ شعري مربوط بخشب رأس السّرير
كأن حيطان الجيران تهاوت
وبانت من تحتها مقابر
كأنيّ أعيد خلق جسدي
كأني أضاعف عددي
وأعصر فيه الليمون وملحا خامْ،
الركامْ يعثرني ولا أسقط
أثب….
أزحف….
أعرف أن بطني ينزف
لكني أحب أن أغير مكاني.
أنا لم أنم
لا يعجبني صوت النار تضطرمْ
لا أحب الحارس في رأسي
وأضِيق بالشعر.
أفكّ أقراطي
أعكّر قيراطي
أنتزع الخاتم من لحمي
أنحدر برأسي أسفل الحوض
كمَن يمضمض فمه بعد غسل أسنان غاضب.
لم أعرف لماذا يصل اللّيل للكون
ليس لي معه موعد
لكنه يأتي كل يوم
ويجبرني على غلق الأبواب والستائر
يجبرني على غلق عينيّ
وأنا لي عينان واسعتان وعدتهما بطيران أزليّ
الليل خفاش دمويّ
لا أحبه
وكان جديرا بي أن أتّفق مع الله على محوهِ.

صندوق المؤونة

لا أرغب في أن ألبس شيئا
لا أحتاج دفئا
ولاغبطة
ولأقفل باب
أضعت موعدا
ولن أستريح
نسيت الحائط خلف ظهري
وآلتويت كفاصلة هدّتها نقاط فرشَحتْ.
لا أرغب في قول شيء
لست حزينة
ولست منتشيهْ
أنا الآن ماشيهْ
أجرّ رأسي كفانوس خافت
يتدلّى.
الأطفال العائدون من زمن أبيض
رموْا عمود الكهرباء بحجر
فسقط وجهي
كيف لي أن ألوّن شفتيّ الرطبتين بقلم
والفانوس عائم في ضخّ الطريق الضيقة؟
لن ألبس ما فصّل الخيّاط الأخرس
سأمشي على أنقاض قماشه اللّؤلؤيّ
أنزلق.. أو أتعثّر لا أنتظر أحدا
ولا أمدّ يدي لضيف جالس في غرفتي يشرب من ساق السّرير.
لن أعوّل على بيتنا
ستائر الحرير لا تغَنِّي
وأنا أختلط مع آخرى وأضجّ بالطقوس.. أريد أن أصاب بالرّقص والحمّى.
سرق المنظّف البلديّ معطفي
ومات
لن ألبس شيئا… سأخرج بلا مسخ
لن أعبث بالحديقة
لن أشحذ فستانا
لن أغطّي ألسنة الملائكة التي جفّت فلعَقت وجهي
ونامت
لست عارية
لست مغطّاة
أنا أنفخ في صندوق المؤونة
وأسير بريش أبيض.

حادث فلكيّ لطائر خرافيّ

أنا لست هنا
ولا اختبئ في أي مكان قريب
لست جائعة
ولا متخمة
ولكنّي أتلوّى.. وقعتْ من طائر عينه فقطعَتْ شعري
وخسرتُ تمائمي المسدلة
وقعتْ منه ريشة الذيل الطويلة فبكى الغراب
وأيقظني من غفوة كادت توصلني.
كيف أمسخه أبيض لأعبر في نفق وأحمله في يدي فانوسا معكوسا؟
لا حكمة في اللون
اللّيل حيلة الإله
والصباح ملح ضحكتي،
قذفني حبل أمي فذرفني جبل القصيدة مرّتين
يدي ممدودة
والفلاح َيلْقُطُ منها حبّات تصير شجرا.

أنا لست هنا
لكن الكتابة كالزراعة تشوّش الغيب
وتبطئ وصولي.
وقعتُ من عين طائر
وانزلقتُ على كُحل آمرأة فمها فاغر
الطريق فارغ…
الألوان فيه غرف تقلّب بعضها بعضا
وتطرح ناقصها لأجمعه
لكني لست هنا
أعاكس جرّة الفخار في كفّ صانعها
وأسقط من يده محارا
يزحف للوردة في أصيص
لا تعرف اللغة الضّامرة امتلاء صدري بعطري
ولا يركب المعنى حَدْوَ اللون ليصل متني
أهاجر
أو أغيّر مقاسات الزمن الرّطب
أحاول أن أقترب من سواد رصين
أو بياض
يعلق بتلابيب حلقي
ألقي نظرة ورائي
فيأكلها الماعز الأحمر
ينبت الأخضر
أجلس فوقه كأني إسكافيّ مولع بتلميع الخطى
أكنس شَعري قطعَتْهُ عينُ طائر وقعتْ
ثم أردم بعضي
وَقَعَ من عين طائر
وطار بعضه بلا وجهة للوصولْ..

مديرة بيت محمود درويش/ جربة ـ تونس

أقلام الخشب الملوّنة

سنية الفرجاني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية