«أقلام وتجارب»: الكُتّاب… أحوال صعبة وحياة قاسية!

حجم الخط
0

■ حين نطالع كتابه «أقلام وتجارب» الصادر مؤخرا عن سلسلة كتاب الهلال في القاهرة، نجد عمار علي حسن يقول واصفا لنا كتابه هذا، إننا أمام كتاب يحوي ألوانا وأشكالا من الشهادات والمشاهدات والقراءات والتأملات والتصورات، التي توالت عنده مع الأيام، تفاعلا مع ما يجري في رحاب الأدب والمجتمع وانفعالا به.
في أقلام وتجارب سنطالع أسماء وآراء وأفكارا ومواقف تدور حول كتب ونماذج اجتماعية وعواطف إنسانية ووقائع وأحداث جرت، وجوائز أدبية وزعت، وتجارب عاشها أصحابها من أدباء وكُتّاب وإعلاميين وموسيقيين وفلاسفة ومفكرين وباحثين، وتركوها لنا. هنا يكتب عمار علي حسن عن مدارس نقدية تقتحم علينا نصوصنا، وأحوال صعبة لأدباء وكُتّاب كابدوا شظف العيش، وقسوة الحياة، ووجع المرض الذي يمتد إلى مجتمعات بأسْرها. كذلك نطالع في «أقلام وتجارب» حكايات مع الكتابة والقراءة، وتساؤلات عما جرى للجوائز الأدبية والعملية، خاصة نوبل. كما يتطرق لحجم الروايات التي تُكتب الآن وفن السرد الصحافي والكتابة الأدبية عن ثورة يناير/كانون الثاني.
عمار علي حسن، في كتابه، يتحدث عن الحكايات التي نمر بها وتصلح قصصا لكننا لا نكتبها، ونكتفي بالثرثرة عنها، ودواوين الشعر التي ننفعل بها وقد نقول عنها شيئا شفاهة، وقد نمسك بالقلم لندوّن انطباعاتنا عنها. في «أقلام وتجارب» نجد أيضا تراجم وتحليلا لآراء ومواقف نقاد وعلماء وأدباء وكتّاب كبار ليُرينا الكاتب كيف يعانق العلم الفن عند مصطفى سويف، وكيف كان محمد مندور ثائرا في التفكير والتعبير والتدبير، وكيف أن محمد حسنين هيكل يكتب التحليل السياسي بروح قصصية، وعشْق الترحال في الكتب والبلاد والمواقف والأحوال عند جورج طرابيشي، والعودة إلى الجذور لدى جمال الغيطاني.

مول كبير

كذلك يضعنا عمار علي حسن أمام حالات من الكتابة خارج التصنيف، والسير الذاتية للمؤسسات، والكتب التي تتحلى بروح سردية رغم أنها ليست قصصا ولا روايات ولا مسرحيات، والألعاب التي تتجلى أمامنا كنصوص وفي مطلعها كرة القدم ولغة الجسد في الحديث النبوي، لننطلق إلى رحاب المجتمع الواسع فنكتشف أن الدنيا ليست مولا كبيرا، وأن بيننا مجتمعات ذات احتياجات خاصة، وبيننا أشخاص يهربون على قوارب الموت سعيا وراء الرزق، ليموتوا في عرض البحار. هنا يؤكد الكاتب أننا لابد من أن نمتلك مشروعا عظيما حتى نصل في خاتمة المطاف إلى دولة السعادة.
لقد اختار الكاتب أن يكون عنوان كتابه «أقلام وتجارب» حتى يدرك القارئ، كلما أوغل راحلا بين السطور، أنه يعايش ما خطته أقلام من حروف وكلمات، وما رسمته تجارب من معالم في دروب الحياة الطويلة. عمار علي حسن يضع مقالاته التي ضمها هذا الكتاب في أربعة أبواب: من فيض الخاطر، وجوه وعلامات، سطور لافتة، بين الثقافة والمجتمع. هنا يطرح عمار علي حسن عدة أسئلة مهمة منها: هل صارت جائزة نوبل عصية على الفهم؟ وأين المشروع الثقافي؟ وكيف نعوّد أطفالنا على القراءة ؟

دولة السعادة

في مقاله الأخير الذي عنونه الكاتب بـ«دولة السعادة» يخبرنا أن كل البشر على وجه الأرض يسعون إلى تحقيق السعادة مهما كان اختلاف مذاهبهم وأعراقهم ومشاربهم ومبادئهم وغاياتهم ومقاصدهم، وقد تكون السعادة قصيرة الأمد أو طويلة، أي تتجدد باستمرار، حين يجد الفرد ما يحفزه على السعادة. هنا يحاول الكاتب أن يرصد التعريفات والتصورات التي حاول أصحابها أن يطلقوها على السعادة، فالمصريون القدماء كانوا يربطونها بالخصب والنماء الذي يصنعه النيل، والفيلسوف اليوناني أرسطو عرّفها بأنها المعنى والغرض من الحياة والهدف الكامل ونهاية الوجود الإنساني، وهي تكمن في الحكمة وليس من سعيد في الدنيا كالعاقل الحكيم. غير أن الشعور بالسعادة يختلف من فرد لآخر ومن فئة لأخرى، فهي الحصول على الثروة عند الفقراء، والامتثال للشفاء عند المرضى، واللقاء والوصال عند العشاق، والعودة للوطن عند الغرباء، وتحقيق الحرية عند السجناء، وهي عند المظلومين الإنصاف والعدل. الكتاب يذكر كذلك أن هناك دراسات مفادها أن السعادة تنتقل بالعدوى ضمن الأصدقاء أو أفراد الأسرة الواحدة، لكن ليس بين زملاء العمل. الكتاب يذكر أيضا أن الروائي الأمريكي واين داير فيشير يرى أن السعادة تنبع من الإنسان نفسه ونتيجة لطريقته في التفكير، ويقول إن كل شخص بداخله مفاتيح سعادته وعليه أن يبحث عنها جيدا، وألا يضيّع من عمره الكثير من الوقت. أما الدولة السعيدة فهي مسألة شغلت علماء الاجتماع والاقتصاد والنفس والسياسة، الذين صنّفوا الدول حسب سعادة مواطنيها إلى سعيدة وتعيسة وبينهما درجات تقترب من هذه وتلك.

الأدب هو الأبقى

في كتابه «أقلام وتجارب» يضع عمار علي حسن جزءا من سيرته الذاتية متحدثا عن نشأته في القرية وعلاقته بالمكتبة والقراءة، وعلاقته بأبيه الذي كان يردد على مسامعه مقاطع من سيرة بني هلال، وهما يكدحان معا في الحقل تحت الشمس الحارقة وعلاقته بالكتابة والكتّاب بعد ذلك. عمار يذكر أنه كتب ذات يوم موضوع تعبير وهو في المرحلة الابتدائية ولما ظن المعلم أنه قد يكون سرق هذا الموضوع من كاتب آخر حاول أن يعاقبه، لكن عمار قال له أمهلني الآن وسأكتب لك موضوعا آخر في مثل جودة هذا الموضوع، ولما تأكد المعلم أنه هو كاتب الموضوع، تنبأ له بمستقبل باهر في دنيا الكتابة. ولأن الكاتب ظن أن الأدب هو الأبقى فقد انحاز إليه بكل كيانه وأعطاه من وقته الكثير، بدون أن يتخلى عن دوره في الحياة العامة.
حين سأل أحد النقاد الكاتب لماذا يكتب روايات طويلة، أجابه أنه لم يقصد كتابة رواية طويلة، لكنه قانون تداعي الأحداث والمعاني وتعدد الأمكنة وامتداد زمن الرواية. كما يعتقد أن كل رواية تختار لغتها وبناءها أو شكلها وكذلك حجمها. وفي هذا السياق يرى عمار أن القارئ قد يجد صعوبة في قراءة رواية قصيرة الحجم لكنها معقدة أو غير مترابطة، أو لا يشعر بالمتعة وهو يطالعها، وقد تتيسر أمامه القراءة، رغم طول الرواية، إن كانت جيدة فنيّا وجذابة وممتعة، بل هناك من القراء من يتمنى، مع متعة النص الذي يطالعه، أن يمتد إلى ما لا نهاية. هنا أيضا يرى الكاتب أن أي كاتب لا يكتب من فراغ ولا للفراغ إنما لمن ينتظر أن يقرأوا سطوره، ولذا يظل لرأي هؤلاء ضرورة عند كل من يؤلف كتبا وينشرها، ليقف على ما فهموه مما كتب، وما كانوا ينتظرونه ولم يجدوه، وما يقترحونه ويمكن الاستفادة منه، في تغذية مرتدة يجب ألا تنتهي بين من يكتب ومن يقرأ. ومن هنا يحرص عمار على الجلوس إلى بعض القراء ليتناقش معهم حول كتاب أو رواية صدرت له، ليعرف ملاحظاتهم التي لن تخلو من إفادة وتساعد على إجادة لا يمكن نكرانها.

هل كان رائعا؟

في «أقلام وتجارب» يكتب عمار عن راحلين مثله مثل غيره مثلما كتب عن أحياء وعن كتبهم راصدا مسألة عدم اهتمام الكثيرين بالكُتاب إلا بعد رحيلهم قائلا: «صار أغلبنا لا يكتب عن أحد وبطريقة إيجابية إلا بعد موته، فما إن يموت كاتب أو أديب أو مفكر أو مصلح اجتماعي حتى تنهمر المقالات في كل الصحف عنه، تتغنى بما تركه من أثر، أو تغض الطرف عن مثالبه ونقائصه وعيوبه، تطبيقا لمقولة «اذكروا محاسن موتاكم»، بل إن بعضهم يبالغ في تقريظ الموتى حتى يكاد يشكك الناس في تصورهم عن الشخص الذي تم تأبينه، لتطرح مئات الأسئلة: هل كان فعلا بهذه الروعة ونحن لم نكن نعرف؟

٭ كاتب مصري

«أقلام وتجارب»: الكُتّاب… أحوال صعبة وحياة قاسية!

عاطف محمد عبد المجيد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية