القاهرة ـ «القدس العربي» من محمد عبد الرحيم: هناك بعض الأماكن التي تمتلك مظاهر ثقافية خاصة، تتمثل في ملبس ومأكل وطقوس وعادات وطبيعة حياة، وأولا وأخيرا سلوك البشر الذين ينتمون إلى هذا المكان أو ذاك. لذلك لا يخفى ما تمتلكه بلاد النوبة (أرض الذهب) كما جرت تسميتها، من مظاهر تبدو بعيدة عن عين وطباع المدن المصرية، خاصة القاهرة، التي أصبحت لا تمتلك أي مظهر يميزها، اللهم إلا الضجيج والزحام والمشاحنات اليومية. وحتى الآن لم ينس النوبي تراثه وطقوسه، رغم ذهاب الأرض التي لن تعود، إلا أن ذلك لم يمنع الذاكرة من أن تكون أكثر حدة ووعيا ويقظة، لاستمرار ما كان، والتغني به ليل نهار وإعادة إنتاج تفاصيله، كحالة من حالات الإحياء اليومي لتاريخ يقبض عليه أصحابه في قوة وحب.
اللافت أن الأجيال الجديدة من النوبيين يعاودون بدورهم تجسيد عالم أجدادهم، بدون مواربة، وفي حالة تأكيد مستمر لهذه الحياة بكل طقوسها وطبيعتها، وهو ما يؤكد قوة الذاكرة التي أصبحت متوارثة بدورها. وعن طبيعة هذه الحياة في بلاد النوبة يأتي «ملتقى أرض الذهب»، المقام في مركز سعد زغلول الثقافي في القاهرة، ليستعرض العديد من مظاهر الحياة النوبية، من خلال أشكال فنية مختلفة، كالتصوير والنحت، والمشغولات اليدوية، وأعمال الخزف، والتصوير الفوتوغرافي، من خلال رؤى أجيال مختلفة من فناني النوبة، سواء كانوا هواة أم محترفين.
الطبيعة
بداية من اللوحة وصولا إلى العمل الفني اليدوي ــ المشغولات والحلي وأعمال التطريز (الإبداعات النسائية) ــ لا يخلو أي عمل من مشهد لنهر النيل، سواء في شكله المباشر أو حتى المستوحى من النيل وتموجات مياهه، والبيئة النيلية بشكل عام، لنجد المركب الشراعي، والبيوت الملاصقة للنهر، أو جلسات الرجال أمام النهر، في أمسياتهم، والنساء وجرارهن (كما في أعمال الفنان سامي عبد الفتاح) كذلك في بعض اللقطات الفوتوغرافية الحديثة، نلاحظ اللون الأزرق ودرجاته المختلفة، وهو لون ماء النيل، الذي لم يغادر ذاكرة النوبي البصرية قط (كما في اللقطات الحديثة للفنان مصطفى عواض).
يبدو الأمر أيضا في الأعمال الفخارية، التي تشبه أرض النوبة، تمثلا للمادة الخام المستخدمة في العمل الفني (أعمال الفنانة سلوى رشدي). كذلك تبدو البنايات (البيوت) الكبيرة، ذات الطابق الواحد أو الطابقين على الأكثر، ومادة الخشب المستخدمة في أكثرها، يبدو ذلك في أشكال الأبواب القديمة وأقفالها الخشبية، وجميع قطع الأثاث رغم بساطتها، حتى تتناسب وارتفاع درجة الحرارة في هذه الأماكن.
الطقوس
وبالتبعية تفرض كل بيئة طقوسها على ساكنيها، من الفرح إلى الحزن، وتنتج وفقا لذلك أداءات مختلفة، ما بين رقص الرجال بزيهم المعهود.. الجلباب والعمامة البيضاء، أو غناء النساء في المناسبات المختلفة، وهنا نلاحظ أن الديانة مهما كانت نشأتها بعيدة عن هذه البيئة، إلا أنه يتم تطويعها في سهولة، حتى تتحدث بلسان أصحابها ــ مظاهر الزواج على سبيل المثال أو طقوس رحلات الحج ــ (أعمال كل من الفنان عبد الفتاح البدري، والفنان جلال الحسيني).
الناس
ويصبح الفاعل دوما هو المتأثر بهذه الروح الحضارية، التي يعيشها ويحياها، فيأتي تمجيد الشخوص، فالفن النوبي لا يقتصر على اللقطات الصماء للبيئة أو طبيعة المكان. ولكن يبدو الاحتفاء الشديد بمدى تكاتف هذا المجتمع، فمن القليل جدا أن نجد لوحة تمثل بورتريها (أعمال الفنانة ضحى مصطفى)، بل أغلب اللوحات وحتى اللقطات الفوتوغرافية تمثل مجموعات، سواء من الرجال أو النساء (أعمال كل من الفنانين إيهاب لطفي، أحمد عبد الجواد، ومصطفى عواض). ولنا في النهاية عقد مقارنة بسيطة بين الفوتوغرافيا والتصوير، كيف يبدو هؤلاء في الحقيقة وكيف يعيشون أو يعانون بمعنى أدق، فما بين اللوحات وخيالها الجامح وبين الفوتوغرافيا وما تفرضه من حِس وقائعي يبدو الفارق الكبير، خاصة في لقطتي، الأطفال وهم يلعبون لعبة السيجة، أو تجمّع للعديد من النساء، وهي لقطات تبدو قديمة ــ للأسف لم تُكتب تواريخ هذه اللقطات ــ يبدو ذلك من جلابيب الصِبية المقلمة، وملابس النساء المزخرفة.
ولكن على أي حال، يبدو المعرض وكأنه فرصة للعيش والتجوّل ولو قليلا بين وجوه وتفاصيل الحياة النوبية، ومن خلال عدة أجيال من فنانيها، حتى لو تراوحت هذه الأعمال ما بين العمل الذي يعكس روحا صادقة، أو يحمل الكثير من حالة الادعاء، كتسويق عالم غريب أمام عيني سائح أجنبي.