لا نريد أن نحمل الوزر كله لسامح شكري وزير الخارجية المصري، ولا أن نضرب الذيل ونترك الرأس، فشكري مجرد موظف يتلقى الأوامر، والجريمة التي ارتكبها لا تخصه وحده، بل هي جريمة الذين أرسلوا من قبله ومن بعده. وكل «تطبيع» مع كيان الاغتصاب الإسرائيلي «جريمة» حتى لا نقول أكثر، اللهم ما كان مضطرا إليه على طريقة أكل الميتة ولحم الخنزير.
ومصر لم تكن مضطرة إلى إرسال سامح شكري للقاء رأس الاحتلال ومجرم الحرب بنيامين نتنياهو، وليست من مصلحة مصريه كبيرة أو صغيرة في ارتكاب الجرم المشهود.
وذهاب شكرى إلى مهمة لقاء دافئ مع نتنياهو، توجته الدعاية الإسرائيلية بنشر صور صداقة عائلية حميمة بين شكري ونتنياهو، وهما يشاهدان معا مباراة فرنسا والبرتغال في نهائي «يورو 2016 «، بينما كان المستوطنون اليهود يقتحمون المسجد الأقصى المبارك في اليوم ذاتها، وهو ما لم يجرؤ سامح شكري على الإشارة إليه ولا إدانته بحرف في المؤتمر الصحافي الذي جمعه مع نتنياهو، واكتفى بإدانة «الإرهاب العربي» على الطريقة التي تريح أعصاب صديقه نتنياهو، وهو ما يتفق بالضبط مع وجهة نظر كيان الاغتصاب والإرهاب الإسرائيلي، فهذه « الإسرائيل» تصف المقاومة والكفاح الفلسطيني بالإرهاب، وكما كانت مشاهدة مباراة كروية علامة دبلوماسية على دفء صناعي في علاقات القاهرة وتل أبيب، فقد كانت إدانة شكري لما سماه «الإرهاب» تحية عظيمة لإسرائيل، وإشادة ضمنية بقهرها لكفاح الشعب الفلسطيني، ودوسا على قداسة دم مئة ألف شهيد وجريح مصري في الحروب مع كيان الاغتصاب الإسرائيلي، وإلى حد بدت معه القصة كلها «هلفطة» و»جليطة» دبلوماسية مخزية، تستبقي لنا أكاليل العار، بينما تمنح الإرهابي نتنياهو أكاليل الغار، فلم يتصرف شكري أبدا كمصري ولا كعربي، وفضل الحديث باللغة الإنكليزية في مؤتمره الصحافي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، فيما تحدث نتنياهو باللغة العبرية رغم إجادته الفائقة للحديث بالإنكليزية، كان نتنياهو صادقا مع نفسه وكيانه العدواني الاغتصابي، بينما كان شكري كذوبا مدعيا مهدرا لقيمة البلد العظيم الذي يتحدث باسمه، فاللغة الرسميه لمصر – بنص دستورها – هي العربية الفصحى، وقد هرب شكري إلى الانكليزية لسبب مشهور غاية في بساطته، فالرجل لا يجيد لغة مصر الوطنية، ولا يستطيع النطق بجمله عربية واحدة سليمة نحويا، وهذه مصيبة كبار المسؤولين عندنا هذه الأيام، والقاسم المشترك الأعظم بينهم، فهم لا يكتفون بركاكة السياسة، بل يضيفون إليها ركاكة اللغة، وبصورة تقزم مكانة مصر، التي تظل «عربية» رغم أنوفهم جميعا، وتظل رافضة لأي تطبيع أهلي أو رسمي، والشعب المصري هو الذي أحرق سفارة إسرائيل في مشهد عنفوان وطني لا ينسى.
وعبثا تحاول أن تفهم سرا أو سببا مشروعا للزيارة المريبة، ودواعي التحضير لمؤتمر محتمل في «شرم الشيخ»، يجمع الرئيس المصري وملك الأردن والرئيس الفلسطيني في لقاء سلام مع نتنياهو، وهو ما يذكرك بما جرى مرارا من قبل في عهد المخلوع مبارك، فقد لوثوا سمعة «شرم الشيخ»، وغطوا جرائمهم بإطلاق صفة «مدينة السلام» على المنتجع السياحي بالغ الروعة، وفي العشر سنوات الأخيرة قبل سقوطه بثورة الشعب المصري، كان مبارك يجعل من شرم الشيخ محلا لإقامته المفضلة، وكما كانت دائما موئلا للقاءات متكررة من أواسط التسعينيات، تجمع الأطراف ذاتها المدعوة في المرة المخطط لها الآن، مضافا إليها حضور الرعاة الأمريكيين والأوروبيين من أصدقاء إسرائيل، وكانت العناوين هي ذاتها تقريبا، كلام تافه ركيك عن تنشيط المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وحملات مشتركة ضد ما سموه بالإرهاب، وكان يقصد به وقتها معنى صريحا مباشرا، ينصرف إلى لصق صفة الإرهاب بالمقاومة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية، فلم يكن إرهاب «داعش» قد ظهر بعد، وهم يريدون هذه المرة خلط الأوراق، وجعل المقاومة الفلسطينية فرعا من إرهاب «داعش»، ودعم مزاعم نتنياهو عن «الإرهاب الإسلامي» ذي الوجوه المتعددة، وعن قيادة إسرائيل للحرب ضد الإرهاب، الذي يضاف إليه هذه المرة – فوق العادة – دور المنظمات الشيعية التي تدعمها إيران، وعلى رأسها «حزب الله» أكبر قوة مخيفة لإسرائيل في المشرق العربي المحطم، وكل ذلك ما يفسر غبطة نتنياهو وترحيبه الغامر بالمساعي المصرية الراهنة، التي تأتي مترافقة مع توحش نفوذ جماعة مبارك الاقتصادية والأمنية في الداخل المصري، وتحظى بتعاطف صامت ودعم مالي من دول خليجية كبرى، تريد أن تورط السياسة المصرية في الإثم العلني، وأن تجعل لها مهمة إقامة جسور الوصل والمحبة مع إسرائيل، وفي سياق بناء «تحالف سني» ضد إيران الشيعية، وكأن إسرائيل اليهودية تحولت فجأة إلى دولة سنية، وكأن نتنياهو صار زعيما للسنة العرب (!)، يقود الأطراف المفترض تحالفها، من أنقرة إلى القاهرة وعواصم الخليج، وهو ما لا توافق عليه السياسة المصرية الرسمية الراهنة يقينا، وإن كانت تتورط في بعض أدواره الفرعية، وبفوائض مضافة من السذاجة والأمية السياسية، وتتصور أنها تبحث لمصر عن دور، وعن اختراق جديد فيما يسمى عملية السلام، وعن تعريب أو تعميم لما يسمى معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، وكأننا بصدد «سادات جديد»، ومع بؤس الغاية المرجوة، فإن الوسائل أكثر بؤسا وأعظم ضلالا، ولا تقرأ ما جرى في تقلبات الدور المصري، فقد خلقت مصر ـ بالتاريخ والجغرافيا والثقافة ـ لدور قيادة طبيعي في أمتها العربية، ولم تخلق أبدا لأدوار وساطة وسمسرة سياسية، انتهت بها إلى قاع القاع، وهو ما جرى بالضبط عبر أربعين سنة من الانحطاط التاريخي، أعقبت عقد معاهدة العار المعروفة باسم اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية، التي لم تحرر سيناء إلا على نحو صوري، يحارب جيش مصر العظيم الآن لتحويله إلى حقيقة، ويحرر سيناء بالدم في الحرب ضد جماعات التكفير والقتل والتفجير، التي لم يكن لها أن تستوطن شرق سيناء، لولا قيود نزع السلاح المفروضة بمقتضى المعاهدة هذه المشؤومة، وهو الدرس الظاهر في معناه، فليس من إمكانية لاستعادة دور مصر بدون التحرر التدريجي من قيود المعاهدة المعروفة إعلاميا باسم «كامب ديفيد»، وبدون فك قيود نظام «المعونة الامريكية» الضامنة لمعاهدة العار، فلم تحدث الطفرة في تسليح وتعظيم قوة الجيش المصري، وتطوير صناعاته الحربية، لم تحدث الطفرة الكبرى إلا بعد تفكيك الاحتكار الأمريكي لتسليح الجيش المصري، وحرص واشنطن على إضعاف جيشنا، مقابل تأكيد التفوق العسكري والتكنولوجي للجيش الإسرائيلي، ولم تعد مصر إلى فتح ملف المشروع النووي السلمي، إلا بعد تقليص التبعية الموروثة للأمريكيين، وكانت تلك كلها – مع غيرها – أمارات على التحرك في الاتجاه الصحيح، وأيا كانت الوسائل «البراغماتية» المتبعة لتحقيقها، وهو ما يتعارض بالجملة مع العودة لاستنساخ العار الذي ذهب بمبارك إلى مزبلة التاريخ، واستنساخ أدوار «وساطة» مبارك بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وكأن مصر بلد من كوكب آخر، وليست طرفا مباشرا في قصة الصراع التى بدأت باحتلال فلسطين، والتى جعلت قضية فلسطين في صميم القضية الوطنية المصرية، وقد لا نكون الآن في وارد الكلام عن حرب مصرية جديدة مع إسرائيل، ولسبب بسيط جدا، هو أن مصر تخوض الحرب بالفعل لاستكمال عملية تحرير سيناء فعليا لا صوريا، ونشر قوات الجيش المصري حتى حافة الحدود التاريخية مع فلسطين المحتلة، والمقاومة الفلسطينية هي خط دفاع أمامي عن العمق المصري، والصراع على الأرض المقدسة لن ينتهي الآن، ولا في المدى المنظور، ولا حتى بإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية كما تقول الدعاية البائسة، ثم أن نتنياهو وأشباهه، لا مانع عندهم من استئناف التفاوض لمجرد كسب الوقت، ولكنهم لا يقبلون حتى بإقامة هذه الدويلة الهزيلة، رغم أن توسيع معاهدة السلام إياها جرى مرارا بالفعل، وولدت معاهدة العار أشباهها، من «وادى عربة» الأردنية إلى «أوسلو» الفلسطينية، التي توالت بعدها جولات مفاوضات ثنائية فلسطينية إسرائيلية، وعلى مدى أكثر من عشرين سنة، وبدون نتيجة تذكر غير تهويد القدس واستيطان الضفة الغربية، ولن تؤدي ما يسمونه المبادرة المصرية الجديدة، إلا إلى ضياع جديد يضاف إلى الضياع القديم المتصل، فهي أشبه بالتحرك والمشي في الحذاء القديم نفسه، يكسب منها نتنياهو المزيد من «أكاليل الغار» المنتصر في غزوات التطبيع، ولا تستبقي لنا سوى أكاليل العار.
٭ كاتب مصري
عبد الحليم قنديل