إن سألت عن أكثر المناطق يأسا واكتظاظا في العالم يأتيك الجواب: غزة، وإن بحثت عن الفقر والعذاب والحصار الطويل فالجواب: غزة، فهذه البقعة الصغيرة من العالم التي حلم ياسر عرفات مرة أن يحولها إلى سنغافورة البحر المتوسط تمثل الكارثة الإنسانية في أعلى تجلياتها وهي في المقام نفسه تعبر عن كفاح الفلسطينيين ومواصلتهم المقاومة، في وقت أصبح فيه الحديث عن الكفاح مجرد عبث لأنه يتناقض مع «الواقع» على الأرض كما يقول الأمريكيون و «الحق بالعيش» مثلما سمعنا طوال الأسابيع الماضية أثناء الزيارة «الملكية لمحمد بن سلمان إلى أمريكا». إلا أن هذا لا يخفي حقيقة غزة وواقع الحروب التي عاشتها خلال عقد ونصف من الزمن، فقد أقيم الدمار على الدمار بدرجة أصبح منظور العيش في المنطقة محلا للجدل. ولكن سكانها الذين يعيشون بين الحطام والردم لم يتخلوا عن مقاومتهم لفك الحصار إن من خلال الأنفاق التي دمرها الجار المصري ليحكم الحصار ويغلق على الغزيين فرصة الخروج من معبر رفح أو الإسرائيليين الذين يستأسدون طوال الوقت يدمرون «البنى» العسكرية كما يقولون. وكما أثبتت الجمعتين الماضيتين، فالجندي الإسرائيلي يطلق الرصاص حسبما يريد رغم مزاعم وزير الدفاع أن جنوده يعرفون عدد الرصاص الذي أطلقوه على المحتجين الفلسطينيين مع أن الصور تكذبه. لكن إسرائيل تعرف دائما ان أصدقاءها الأمريكيين مستعدون للدفاع عنها ولهذا لا تضبط جنودها أو تحاول ضبطهم لأنها تعرف أن ما ستفعله محصن من العقاب. والشكر في هذا يعود إلى الأصدقاء في الغرب واليوم الأصدقاء العرب الجدد الذين باتوا يتبنون خطاب اليمين الغربي.
لوم الضحية
والمشكلة في هذا الخطاب أنه منغمس حتى أخمص قدميه بالدفاع عن إسرائيل وتأكيد ضلوع حماس في الاحتجاجات الأخيرة كذريعة سياسية للخروج من مأزقها، حيث لم يعد لديها أي خيارات كما أراد كاتب في معهد خليجي بواشنطن إقناعنا في مقال له نشره موقع «فورين بوليسي» (6/4/2018) لكنه مثل غيره الذين تصدوا لتحليل الاحتجاجات الفلسطينية فشلوا في قراءة أساس الموجة الجديدة والسلمية والتي جاءت نتاجا لجماعات العمل المدني والتنظيمات الأخرى لتنظيم «مسيرة العودة الكبرى» قرب السياج العاجل كمناسبة للكشف عن معاناة الغزيين والتذكير بالعودة والنكبة الكبرى ومرور سبعين عاما على الحدث الذي اختارته واشنطن مناسبة لنقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس. والقارئ لكل التقارير الغربية، بريطانية وأمريكية، يرى أن هناك اجماعا على سلمية التظاهرات. وبدا هذا واضحا من تغطيات صحف مثل «الغارديان» و«إندبندنت» في بريطانيا. وكتب في هذا السياق المعلق المعروف باتريك كوكبيرن عن النفاق الغربي عندما يتعلق بإسرائيل. وقال إن التظاهرات سلمية وبدأت الفكرة في وسائل إعلام غزة المطبوعة والألكترونية ودعمتها حماس كالبقية لاحقا.
أسباب
وتساءل كوكبيرن في مقالته بـ «إندبندنت» (6/4/2018) عن سبب انفجار الوضع والرد الإسرائيلي الأعنف. مشيرا أن لا شيء جديدا في التظاهرات الفلسطينية عن فقد الأرض والرد العسكري القاسي عليها. وربما كانت هناك أسباب منها غضب الفلسطينيين على نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وهو ما كشف عن دعم أمريكي غير مشروط لإسرائيل وتجاهل كامل لآمال الفلسطينيين بالحصول على تنازلات ودعم أمريكي. وحسب الإعلام الإسرائيلي، فالدعم الأمريكي القوي هو الذي دفع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للرد العنيف على غزة بدون الخوف من ردة فعل أمريكية على قتل الفلسطينيين. وكما كتب المعلق في صحيفة «واشنطن بوست» (2/4/2018) إيشان ثارور، فلم يعبر نتنياهو عن ندم أو تعاطف مع القتلى الفلسطينيين. وحتى الآن لم تواجه إسرائيل إلا نقدا قليلا من الإعلام الدولي الذي لم يعبر عن اهتمام «بقصة غزة» أو تبنى بسعادة الرواية الإسرائيلية. ويقول كوكبيرن ان اللغة المستخدمة تنم عن ميل لإسرائيل، فقد وصفت هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» الأحداث في تقرير لها يوم 31 آذار (مارس) بـ «المواجهات» على افتراض أن ما جرى كان بين طرفين متساويين بالقوة. وقام المسؤول في إدارة ترامب ديفيد كيز، بتعنيف شبكة «سي أن أن» على استخدامها «احتجاجات» لوصف الأحداث وأن ما حدث عنف هندسته حركة حماس. ويقارن الكاتب بين صمت المؤسسات الغربية على ما يجري في غزة وصراخها العالي بشأن الغوطة الشرقية. ويرد على كلام كيز بالتأكيد على سلمية المسيرات وأنها نتاج حركة شعبية وهي الوسيلة الوحيدة التي لا تزال متوفرة لدى الفلسطينيين للتعبير عن غضبهم وإحباطهم من قادتهم وغياب الأصدقاء المؤثرين لقضيتهم. كما أن المشاركين فيها يشعرون بالغضب على استمرار الإنقسام بين حركتي حماس وفتح. ولدى الفلسطينيين الأعداد للخروج بالتظاهرات التي تجد إسرائيل صعوبة للتعامل معها مقارنة مع المواجهات العسكرية.
البعد الديموغرافي
تثبت مسيرات العودة وأحداث الغوطة الشرقية أن حصار المدن والتجمعات المدنية لا يمكن إبعاده عن انتباه الرأي العام العالمي في عصر الإنترنت و «الواي فاي» ففي الوقت الذي كان الجيش الإسرائيلي يغرد فيه أن جنوده لم يطلقوا النار إلا على من اقترب من السياج، كانت لقطات الفيديو تنقل صورا لقناصة إسرائيليين يطلقون النار على ظهور المتظاهرين العزل. مما اضطر الجيش لاحقا لحذف اللقطات. وهناك بعد في المسيرات الغزية ويمكن ربطه بالسجن الكبير الذي وصل على ما يبدو لدرجة الغليان، ففي هذا السجن هناك مليوني شخص ولا يمكن الحفاظ على الوضع كما هو ولوقت طويل. وناقش بول بيلار، المحلل في مجلة «ناشونال إنترست» (3/4/2018) وأشار في مقالته للدراسة التي قدمها الإدارة المدنية الإسرائيلية للضفة الغربية عن تقارب عدد السكان الفلسطينيين واليهود في الضفة وإسرائيل وغزة، حيث قال إن العدد 6.5 مليون فيما وضعت إحصائيات العدد بـ 6.9 فلسطيني مقابل 6.5 مليون يهودي. مشيرا إلى الحقيقة الديموغرافية هذه هي أساس للثلاثية المستحيلة: من المستحيل أن تكون إسرائيل يهودية وديمقراطية وتسيطر على كل الأراضي من البحر إلى النهر. فبإمكان إسرائيل أن تكون اثنتين من الثلاثة ولكن ليس الثلاثة جميعا ولذلك عليها التخلي عن واحدة من الثلاثة. وواضح أن الحكومة اليمينية الحالية قررت التخلي عن الديمقراطية كما يقول. مع أن الحقيقة المتعلقة بالثلاثية المستحيلة وما يترتب عليها من تبني نظام أبارتهايد بدلا من الحقوق السياسية المتساوية للجميع وهو الذي يثقل فكر العديد من الإسرائيليين الآخرين. وهنا تأتي غزة بالمعادلة، فإن كان فصل الرقم 1.8 مليون نسمة في غزة عن المعادلة فإن التفاوت الديموغرافي لا يبدو واضحا، فستبقى هناك أغلبية يهودية في المناطق الأخرى التي تسيطر عليها إسرائيل لبعض الوقت. ومثل هذا الفصل في المعادلة ليس مؤلما لإسرائيل. فكونها مكتظة ووضعها مأساوي لا يريدها أحد سوى الفلسلطينيين العرب. وربما يرغب معظم الإسرائيليون في رؤية مصر تسيطر على غزة كما كانت تفعل قبل حرب 1967، ولكن مصر لا تريد ذلك أيضا. ويرى أن أحداث الجمعة الأولى التي قتل فيها عدد كبير من الفلسطينيين كانت ستدعى في ظروف الاحتجاج ضد سياسات التمييز العنصري «مذبحة». ويؤكد أن أحداث غزة الأخيرة تبرز أن «محاولات إسرائيل عزل قطاع غزة ليس فقط عن أراضيها ولكن أيضا عن ضمائرنا وعن عالم القضايا السياسية الحية والجراح المتقيحة فلن تنجح. فـ 1.8 مليون شخص يائس وبائس لا يمكن اخفاؤهم من الوجود بجدران. هذا اليأس ظهر في بعض الروايات المنقولة عن شباب قالوا إنهم يفضلون الموت وهم يتظاهرون على الاستمرار بالعيش في حالة من اليأس. بعضهم أبدى غضبه من حماس، ولكن عشرات الآلاف وجهوا احتجاجهم ضد إسرائيل وليس حماس. وفي المحصلة ليست هذه مشكلة حماس، فلو افترضنا أن حماس اختفت غدا فغالبا ما تحمل راية المقاومة مجموعة أكثر تطرفا. كما أن 1.8 مليون ليسوا مجرد رقم في معادلة.. إنهم بشر يشعرون بالألم ولديهم طموحات.. ولا يمكن أن يختفوا بالتمني».
احترام السلمية
وبدون الاعتراف بهذا الواقع فإن إسرائيل تجري وراء الكارثة في غزة حسب افتتاحية «نيويورك تايمز» (2/4/2018) التي أشارت إلى الظروف الإنسانية ونسبة البطالة (40٪) وغياب الوقود والصرف الصحي والمياه الصالحة للشرب وفوق كل هذا فنسبة 60٪ من سكان القطاع هم من الشباب «وفي ظل هذه الظروف فمن غير المستغرب أن تنفجر الإحباطات هذه على شكل احتجاجات». وفي الوقت الذي تعترف فيه الصحيفة بحق إسرائيل الدفاع عن نفسها إلا أنها «ملزمة باحترام الاحتجاجات السلمية وعدم استخدام الذخيرة الحية ضدا المتظاهرين العزل، وكان رد إسرائيل كما هو واضح مفرطا وهو ما أشارت إليه منظمات حقوق الإنسان». وأكدت الصحيفة أن احدا من المتظاهرين لم يحاول اختراق السياج الذي عملت إسرائيل بجهد على حمايته وتدعيمه لمنع مقاتلي حماس التسلل من خلاله. وقالت إن هناك حاجة لتحقيق مستقل في الأحداث إلا أن أمريكا عرقلت قرارا بهذا الشأن، فلا دونالد ترامب أو نتنياهو مهتم بحل الدولتين والذي سيعطي الفلسطينيين وطنهم ويحل مشاكل الحدود والأمن. ويزعم ترامب أنه يريد السلام في وقت توسعت إسرائيل في عهد نتنياهو في المناطق التي سيبني عليها الفلسطينيون أرضهم. وفاقم ترامب التوتر بإعلان القدس عاصمة لإسرائيل. وقالت إن الاحتجاجات المخطط لها حتى 15 أيار (مايو) إحياء لذكرى النكبة قد تقود إلى نكبة جديدة طالما ظل الوضع الإنساني في غزة على ما هو وبدون خطوات لضبط تصرفات الطرفين، الفلسطيني وظهور عملية سلام ذات وزن ومصداقية.
مصممون
وفي النهاية فمسيرات العودة هي إصرار أهل القطاع، ومعظمهم من أبناء وأحفاد اللاجئين، على إثارة انتباه العالم لمأساتهم. وكما تقول مجلة «إيكونوميست» (5/4/2018): «بعد سبعة أعوام من الإضطرابات في العالم العربي، لم تعد قضية الفلسطينيين على الأجندة الدولية، فإدارة الرئيس دونالد ترامب تقف وبحزم مع إسرائيل. وكان الشجب الدولي بعد القتل على الحدود مكتوما، حتى العواصم العربية أصدرت بيانات باردة وفضل ولي العهد السعودي الذي يقوم بزيارة إلى أمريكا الحديث عن الشراكة مع إسرائيل».
إبراهيم درويش