أكتشف العلماء البريطانيون عام 1350 في كلية مرتون التابعة لجامعة أوكسفورد البريطانية بالاشتراك مع عالم فرنسي في باريس، نظرية مرتون لمتوسط السرعة البالغة الأهمية في الرياضيات، وذلك نتيجة لدراسة مستفيضة قاموا بها حول حركة الأجسام بالنسبة للزمن، وشملت استعمال نماذج هندسية لحل المعادلات الرياضية، سميت بالرسم البياني الذي يعتبر الآن من البديهيات في علم الرياضيات.
وفي الحقيقة فقد كان اكتشافا عظيما آنذاك، وقد سميت هذه المجموعة من العلماء البريطانيين بـ»رياضيي مرتون» وكان هذا سابقة مثلت تطورا مهما تلاه مباشرة اكتشاف نظرية التفاضل والتكامل على يد العالم الألماني لايبنتز (1646 – 1716) والعالم البريطاني إسحق نيوتن (1642 – 1726) التي مثلت إنجازا جعل مكتشفيه خاصة نيوتن من أبرز الشخصيات العلمية في التاريخ، وأصبحا رمز العبقرية العلمية. وكان المؤرخون على توافق تام في ما قلناه أعلاه معتبريه من أهم الحقائق التاريخية الدالة على تفوق أوروبا علميا، واستمر الحال على هذا المنوال حتى كانون الثاني/ يناير 2016 عندما نشرت الصحف الغربية الرئيسية ومنها جريدة «نيويورك تايمز» الأمريكية الشهيرة خبرا احتل المكان الأبرز في القسم العلمي منها ومثلها مواقع الإنترنت المختصة بالعلوم مثل Science Journal وLivescience. وكان الخبر هو أن هناك من سبق البريطانيين والفرنسيين في هذا الاكتشاف بأربعة عشر قرنا على الأقل، ولم يكن ذلك في أوروبا، بل في وادي الرافدين وبالتحديد في بابل.
وقد بدأت القصة في أواخر القرن التاسع عشر عندما قام المتحف البريطاني بجمع أكبر عدد ممكن من الألواح المكتوبة بالخط المسماري من آثار بابل والوركاء في وادي الرافدين، ولم تتم أبدا دراسة جميع هذه الألواح، نظرا لعددها الكبير وقلة الخبراء اللازمين لدراستها، ولكن في خمسينيات القرن العشرين اكتشف العلماء بعد دراسة بعض الألواح بأن البابليين كانوا قادرين على حساب مساحة شبه المنحرف وتجزأته إلى أشباه منحرف متساوية المساحة، وقد استعملت هذه الطريقة لحساب مساحة الأراضي حوالي 1800 قبل الميلاد، واكتشف العلماء أيضا أن البابليين قاموا باستعمال الأسلوب نفسه في دراساتهم الفلكية، ولكن هؤلاء العلماء كانوا في حيرة من أمرهم نظرا لقلة التفاصيل المذكورة في الألواح، إلا أن تطورا مهما حدث في بداية عام 2015 فقد زار أحدهم البروفسور أوسيندريجفر، من جامعة هومبولدت الألمانية وعرض عليه صورا فوتوغرافية لألواح من المتحف البريطاني، وكان لإحداها وقع الصاعقة على البروفيسور لأن هذا اللوح كان يشرح رسما بيانيا يبين سرعة حركة كوكب المشتري، مقابل الزمن لحساب المسافة التي يقطعها المشتري في مساره بالدرجات، أي أن البابليين نجحوا في استعمال نموذج هندسي في حل مسألة رياضية وبشكل مطابق لما قام به العلماء عام 1350 وللأسف فإن السجلات البابلية لم تبين أهمية حساب هذه المسافة بالنسبة للبابليين، وقد كتب هذا اللوح الموضحة صورته أعلاه، وهو مربع الشكل يبلغ طول ضلعه حوالي أربعة سنتمترات، بين عام ثلاثمئة وخمسين قبل الميلاد وخمسين قبل الميلاد، أي قبل ان يتوصل العلماء البريطانيون والفرنسيون الى الاكتشاف نفسه بأكثر من أربعة عشر قرنا.
والسؤال التالي هو لماذا كان المشتري بهذه الأهمية بالنسبة للبابليين والجواب هو أن المشتري كان يمثل بالنسبة لهم الإله الرئيسي لبابل، وهو الإله مردوخ. وقد راقب الكهنة البابليون الكواكب والنجوم لقرون عديدة وسجلوا مواقعها بدقة على ألواح احتفظوا بها لتدرس من قبل أجيال متعاقبة من الكهنة البابليين، وقبلهم كهنة السومريين والآشوريين، الذين حققوا اكتشافات مذهلة في الرياضيات. ومن المؤكد أن هذه المراقبة لم تكن بالعملية السهلة، أما عملية تدوينها وتبويب وحفظ السجلات فقد كانت عملية بالغة الصعوبة، ويدل هذا على ثقافة رسخت مفاهيم العمل الدؤوب والانضباط في أوساط الكهنة آنذاك. ويدل هذا على أن الكهنة البابليين كانوا على وشك اكتشاف نظرية التفاضل والتكامل، بل إن العلماء الحاليين اعتبروا أن ما قام به البابليون كان مقدمة لنظرية التفاضل والتكامل.
وكان الإسكندر المقدوني قد احتل بابل وآشور حوالي عام 331 ق.م. وأمر بترجمة جميع العلوم البابلية إلى اللغة اليونانية، ونتيجة لذلك غير اليونانيون التقويم اليوناني، بعد احتلال بابل بثمانية أشهر. ومن المعروف أن أغلبية، إن لم يكن جميع الإنجازات اليونانية في الرياضيات، كانت مأخوذة في الأصل من وادي الرافدين، فقد عرف اليونانيون وادي الرافدين قبل الإسكندر بوقت طويل، حيث كان احتكاكهم الأول مع الآشوريين قبل البابليين، فتسنت لهم فرص كثيرة لتعلم ما أنجزه وادي الرافدين في مختلف العلوم. ومع ذلك فإنهم لم يستطيعوا أبدا أن يوازوهم في الرياضيات والطب ومفهوم الدولة والقضاء، فقد كان بإمكان علماء وادي الرافدين آنذاك توقع الخسوف والكسوف وعرفوا نظرية فيثاغورس قبل اليونانيين بوقت طويل. وتدعي بعض المصادر إن الإسكندر المقدوني أمر بإعدام الكاهن والعالم البابلي الكبير كيدينو الذي كان يعتبر، إلى جانب نابو ريمانو، أعظم علماء عصره في الرياضيات والفلك وقد ذكر اليونانيون والرومان الكثير من اكتشافاته الذي كان أحدها حساب طول السنة الشمسية، وكان مقدار خطئه 4 دقائق و32,65 ثانية وهو أصغر من خطأ حساب طول السنة الذي قام به العالم النمساوي أبولزر عام 1887.
كاتب عراقي
زيد خلدون جميل