إسطنبول ـ »القدس العربي»: بموجب اتفاق اللاجئين الذي وُقع بين تركيا والاتحاد الأوروبي آذار/مارس الماضي، كان يتوجب على الاتحاد الأوروبي تطبيق تعهده برفع تأشيرة دخول المواطنين الأتراك إلى الاتحاد شهر تشرين الأول/أكتوبر الحالي، إلا أن جميع المعطيات الحالية لا تصب في صالح إمكانية تطبيق هذا التعهد في موعده، وهو الأمر الذي يعيد إلى الواجهة التهديد التركي بنسف الاتفاق وإغراق أوروبا بمئات آلاف اللاجئين الجدد.
وما يزيد من صعوبة الوضع، أن استحقاق رفع تأشيرة دخول المواطنين الأتراك يأتي بالتزامن مع تفاقم الأزمة الداخلية في الاتحاد وصعود التيارات المعادية للاجئين في ظل فشل تطبيق اتفاقية توزيع اللاجئين بين دول الاتحاد، والذي كان آخر فصوله الاستفتاء الشعبي الذي جرى، الأحد، في المجر والمتوقع أن يصوت فيه نسبة كبيرة من أكثر من 8 مليون مواطن يشاركون فيه لصالح رفض قبول خطة توزيع اللاجئين الأوروبية.
وتقول المفوضية الأوروبية إن تركيا لم تنفذ المعايير الـ72 كاملة والتي يتم بموجبها رفع التأشيرة عن دخول مواطنيها لدول الاتحاد، وعددت المفوضية المعايير السبعة المتبقية في آخر تقرير لها قبل أيام وهي: «جواز سفر إلكتروني، واتخاذ تدابير لمكافحة الفساد، وإبرام اتفاق التعاون العملياتي مع الشرطة الأوروبية (يوروبول)، وتنظيم قانون مكافحة الإرهاب بما يتناسب مع المعايير الأوروبية، إضافة إلى وقبول وتطبيق تنظيم حماية البيانات الشخصية وفقا للمعايير الأوروبية، وإقامة تعاون فعال مع جميع دول الاتحاد الأوروبي في قضايا تتعلق بالجريمة، وتنفيذ كامل بنود اتفاقية إعادة قبول اللاجئين المبرمة بين الاتحاد وتركيا».
هذه الشروط السبعة تتصدرها قضية تغيير قانون مكافحة الإرهاب في تركيا ليتناسب مع القوانين الأوروبية وهو ما أعلنت تركيا رفضه بقوة وشدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على أن بلاده التي تواجه تهديدات إرهابية متنامية من الداخل والخارج لا يمكنها ولن تقوم بتغيير القانون.
ووقعت تركيا والاتحاد الأوروبي في آذار/ مارس الماضي في العاصمة البلجيكية بروكسل اتفاق يهدف لمكافحة الهجرة غير الشرعية وتهريب البشر، حيث تقوم أنقرة بموجب الاتفاق، باستقبال المهاجرين الواصلين إلى جزر يونانية ممن تأكد انطلاقهم من تركيا.
وإعادة المهاجرين غير السوريين إلى بلدانهم، بينما سيجري إيواء السوريين المعادين في مخيمات ضمن تركيا، وإرسال لاجئ سوري مسجل لديها إلى بلدان الاتحاد الأوروبي مقابل كل سوري معاد إليها.
والسبت، قال أردوغان في خطاب له أمام البرلمان: «من المفترض أن تكون الوعود التي قطعها الاتحاد الأوروبي، برفع تأشيرة لدخول عن مواطنينا، قد دخلت حيز التطبيق الشهر الحالي، إلا أننا نرى أنهم يعملون على وضع شروط كقانون مكافحة الإرهاب. أقولها بصراحة، الموقف الأوروبي هذا بمثابة إعلان عدم الالتزام بوعوده تجاه تركيا».
وفي السياق ذاته، قال وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، الخميس، إن بلاده اقترحت على الاتحاد الأوروبي وضع خارطة طريق واضحة وتتضمن جدولا زمنيا محددا لتنفيذ الاتفاقيات الخاصة بـ»إعادة قبول المهاجرين»، و«منع الهجرة غير الشرعية»، و»إلغاء تأشيرة الدخول إلى الاتحاد عن المواطنين الأتراك»، مضيفاً: «ننتظر الآن رداً من الاتحاد الأوروبي، ونريد تنفيذ الاتفاقيات الثلاثة المرتبطة ببعضها البعض. أما أن نطبقها كلها أو أن نتركها كلها على جنب. إذا كانت لدينا اتفاقية، ينبغي علينا تنفيذها، وإذا لم نقم بتنفيذها فسنتركها».
هذا التهديد لم يكن الأول حيث تهدد تركيا منذ أشهر بنسف الاتفاق ما يعني عودة تدفق اللاجئين من السواحل التركية إلى الجزر اليونانية ومنها إلى دول الاتحاد الأوروبي، وسط تقديرات بوجود عشرات آلاف اللاجئين الذين ينتظرون في تركيا أي تراجع في الإجراءات الأمنية لركوب البحر، بينما تقدر وسائل إعلام تركية أن مئات آلاف اللاجئين سيصلون أوروبا في موجة هجرة جديدة في حال انهيار الاتفاق.
رئيس وزراء النمسا، كريستيان كيرن، حذر من أن «أي فشل (محتمل) لاتفاق الهجرة غير الشرعية شأنه أن يهدد بقاء مشروع الاتحاد»، داعيا في الوقت نفسه إلى عقد اتفاقات مشابهة مع دول أخرى مثل مصر وليبيا وتونس، بينما تعهد نيكولا ساركوزي، الرئيس الفرنسي السابق ومرشح اليمين للانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2017، بقطع مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي وإقناع بريطانيا للبقاء تحت مظلة الاتحاد.
لكن وعلى الرغم من اعتراف الاتحاد بأهمية الاتفاقية مع تركيا، يُجمع مراقبون على أنه لن ينفذ تعهده برفع تأشيرة الدخول عن المواطنين الأتراك الشهر الحالي أو حتى في الأشهر القريبة المقبلة، لا سيما عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في البلاد واتهام أوروبا لتركيا بالقيام بإجراءات تعسفية وتراجع مستوى الحريات العامة.
في المقابل، لا يبدو من السهل على أنقرة تنفيذ تهديداتها بنسف الاتفاق، وهو الأمر الذي سيعني انهيار كامل للعلاقات بين تركيا وجميع دول الاتحاد بالتزامن مع تراجع متواصل في العلاقات التركية الأمريكية التي يتُوقع لها أن تتأزم بشكل أكبر خلال الفترة المقبلة على خلفية رفض واشنطن تسليم فتح الله غولن المتهم بقيادة محاولة الانقلاب الفاشلة، وهي معطيات تدفع صناع القرار في أنقرة إلى التفكير مرتين قبل الإقدام على أي خطوة ستؤدي إلى نسف العلاقات مع الاتحاد الأوروبي.
وفي ظل هذه المعطيات، ربما تلجأ الحكومة التركية إلى الحصول على تنازلات أوروبية في جوانب أخرى مقابل الاستمرار بتطبيق اتفاق اللاجئين وعدم رفع التأشيرة عن الأتراك، أبرزها مطالبة الاتحاد الأوروبي بدعم أوسع لعملية درع الفرات التي تهدف إلى إقامة منطقة آمنة في شمال سوريا، حيث بلغت مساحة المناطق المحررة حسب إحصائية رئاسة الأركان التركية، الأحد، قرابة 960 كيلومتر.
ورغم التهديدات التركية، أعادت السلطات اليونانية 70 مهاجرًا غير شرعي من جزيرة (لسبوس) إلى تركيا، في إطار الاتفاق الأوروبي التركي، ليصل بذلك عدد من أُعيدوا إلى تركيا بموجب الاتفاق إلى 578 مهاجر.
وبعد يوم من ضبط فرق خفر السواحل التركية 132 أجنبيًا في ولايتي إزمير وبالكيسير غربي البلاد، أثناء محاولتهم التوجه إلى اليونان، أوقف السلطات 25 مهاجرًا غير شرعي، في ولاية بورصة، شمال غربي البلاد، كانوا ينوون التوجه إلى اليونان عبر البحر. في المقابل صادقت المفوضية الأوروبية، الأربعاء الماضي، على تقديم دعم مباشر إلى وزارتي الصحة والتعليم التركيتين بقيمة 600 مليون يورو، لرعاية اللاجئين السوريين.
وفي إطار المخاوف الأوروبية المتزايدة، حذر الرئيس المقدوني جورجي إيفانوف، قبل أيام، من أن «أوروبا تقف وجها لوجه أمام موجة لاجئين جديدة»، مؤكدا أن أعدادا كبيرة من اللاجئين تقدر بـ 20 مليون، ستسعى للوصول إلى القارة العجوز خلال السنوات المقبلة من آسيا وأفريقيا.
وأمس، صوت الناخبون المجريون، في استفتاء شعبي، بشأن قبول ألف و294 لاجئاً، في إطار خطة توزيع اللاجئين، التي أقرها الاتحاد الأوروبي، على أعضائه. حيث بلغ عدد الناخبين المسجلين أكثر من 8 ملايين، ويطرح الاستفتاء سؤال: «هل توافق على فرض الاتحاد الأوروبي توطينا إلزاميا للمواطنين غير المجريين في المجر دون موافقة البرلمان؟»، وسط توقعات كبيرة بدعم الناخبين لموقف الحكومة الرافض للخطة الأوروبية لتقاسم أعباء 160 ألف اللاجئ، قرر الاتحاد توطينهم في البلدان الأعضاء فيه.
ولم تقترح بودابست حتى اليوم استقبال لاجئين، وستعتبر نفسها في حال فوز «لا» في حل نهائيا من أي التزام بالمساهمة في المجهود الأوروبي لتوزيع المهاجرين الذين يصلون إلى القارة. لكن المفوضية الأوروبية تؤكد أن الاستفتاء ليس له أي تأثير قانوني على الالتزامات المتخذة.
وبقيت خطة توزيع 160 ألف طالب لجوء بين الدول الأعضاء الـ 28 التي أقرت قبل سنة، حبرا على ورق، وقد أعيد فقط «توزيع» آلاف الأشخاص. لكن المسئولين الأوروبيين يتخوفون من أن يوجه الاستفتاء المجري ضربة جديدة إلى اتحاد أوروبي تعرض حتى الآن لمجموعة متتالية من الصدمات، من أزمة الهجرة إلى خروج بريطانيا.
وأمس، قالت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي إن بلادها ستبدأ في تحريك العملية الرسمية لمغادرة الاتحاد الأوروبي قبل نهاية مارس/ آذار عام 2017. وذكرت ماي أيضا أنها ستطلب من البرلمان إلغاء قانون الاتحاد الأوروبي، وهو الإجراء الذي يجعل القانون البريطاني تابع لقانون الاتحاد الأوروبي.
إسماعيل جمال