اسطنبول ـ «القدس العربي»: تضاربت مواقف الأحزاب الكُرديّة السوريّة بين موالٍ ومعارضٍ للتدخل الروسي العسكري في سوريا قبل أن تنسحب القوات الروسية بشكل جزئي من سوريا خلال الأسبوع الماضي. فالمجلس الوطني الكُردي والذي يضم عشرات الأحزاب الكُرديّة السوريّة، كان يرفض التدخل العسكري الروسي، في حين أن بعض شخصياته كانت توافق على التدخل التركي والّذي يدعو لإنشاء منطقة عازلة في الشمال السوري دون أن يتم تحديد مصير هذه المنطقة إلى الآن، على الرغم من المخاوف التركية من سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي على مدن وبلدات كردية سورية جديدة بعد تقدم كبير، أحرزته قوات سوريا الديمقراطية شمال مدينة حلب، وهي قوة عسكرية سورية مدعومة أمريكياً وروسياً في الوقت ذاته، وتضم مختلف المكونات السورية من الكُرد والعرب والتركمان وغيرهم. ويمكننا وصف تلك القوات بالذراع العسكري لقوات التحالف الدولي الّذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية في حربها ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، وكذلك لروسيا التي تشنّ غارات جوية ضد فصائل عسكرية إسلامية راديكالية في سوريا ومنها مساندة مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية في معاركهم ضد جبهة النصرة «ذراع تنظيم القاعدة في سوريا»، ما يعني إمكانية حدوث تغييرات سياسية وعسكرية على الساحة الكردية السورية بعد الإنسحاب الروسي الجزئي هذا.
بالتأكيد ستكون للانسحاب الروسي المفاجئ هذا، ترتيبات أخرى، قد تكون في إطار الحل السياسي في سوريا، فالكُرد بمختلف تياراتهم السياسية، يطالبون منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية في سوريا منتصف آذار/مارس 2011 بالفيدرالية.
وكانت وحدات حماية الشعب الكردية الـ (YPG) نفت وجود أي تنسيق بينها وبين القوات الروسية، وصرحت لوسائل الإعلام أنها مستعدة للتعاون ضمن التحالف الدولي مع أي طرف يحارب الإرهاب الّذي يمثله تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة وكذلك الفصائل العسكرية الأخرى في سوريا المصنفة كإرهابية حسب الأمم المتحدة، إضافة للفصائل العسكرية المختلفة التي تقوم بمهاجمتها.
وأبدت الوحدات الكردية، استعدادها للتنسيق مع روسيا شريطة أن تضمن الأخيرة إقرار النظام السوري بحقوق الكُرد في سوريا وفقاً للدستور، وألّا تشمل المبادرة الروسية هذه خطة إعادة تأهيل النظام السوري.
ويهدف الانسحاب الروسي العسكري إلى تخفيف وجود القوات الجوية الروسية في سوريا، فهي ستبقى في ميناء طرطوس وقاعدة حميميم الجوية بمحافظة اللاذقية، بالإضافة لقاعدتها البحرية، وقد يكون أمر الإنسحاب بمثابة معركة إعلامية، ليظهر فيها أن نظام الأسد يستطيع مواصلة الحرب بنفسهِ، ناهيك إن ترسانة الصواريخ التي نصبتها روسيا بُعيد إسقاط السوخوي من قبل الدولة التركية، ما تزال تحمّي الحدود السورية التركية. ولا تخفي الوحدات الكردية إنها جزء من التحالف الدولي الّذي تقوده أمريكا، ولعلَّ زيارة برينت ماكفورت مبعوث الرئيس الأمريكي باراك أوباما مدينة كوباني منذ أشهر، كانت بمثابة رسالة لبعض الأطراف التي تتخوّف من الصعود الكردي في سوريا بحجج كثيرة منها الاتهامات الموجّهة لتلك الوحدات بارتباطها بالنظام السوري، كما إن القواعد العسكرية الأمريكية في بلدة رميلان ومدينة كوباني، تُعدان جزءاً من الدعم الّذي تتلقاه قوات سوريا الديمقراطية من الكونغرس الأمريكي، والّذي تزامن مع اقتراب مشروع التدريب العسكري المشترك للمعارضة السورية المعتدلة في تلك المناطق، بالإضافة لمخطط تحرير بعض المدن والبلدات السورية الأخرى من مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية والتي ستعلن قريباً بحسب مصادر كُرديّة أكدت لـ «القدس العربي» إن «تلك المناطق التي ستبدأ الحملة العسكرية فيها لتحريرها من تنظيم الدولة، ستكون في منطقة غرب نهر الفرات» ما يعني إن الانسحاب الروسي الجزئي لا يشكل خطراً على تقدم تلك القوات الكرديّة في ظل الدعم الأمريكي المتواصل لها.
وقال سينهانوك ديبو مستشار الرئاسة المشتركة في حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي لـ «القدس العربي» إنّ «القرار المفاجئ بالإنسحاب الجزئي المعلن للقوات الروسية من سوريا، كمفهوم أو بداية إجرائية، يصب في ايجاد حلٍ سلمي وأعتقد إنه سيكون خادماً لهذه المسألة».
وأضاف «وتم اتخاذ هذا القرار بالتنسيق مع الأمريكان، باعتبارهما الراعيين الرئيسيين للملف السوري ومسؤولي مجموعة دعم سوريا».
وأوضح « لسنا أبرز حلفاء الروس بقدر ما نحن شركاء لمن يجد نفسه محارباً للإرهاب، وقد رأينا إن التصريحات الأمريكية التي تقر أن وحدات حماية الشعب والكُرد هم شركاء وحلفاء للولايات المتحدة الأمريكية، والأمر نفسه ينطبق على الروس وكل منْ هو معني بمحاربة الإرهاب فهو حليف لقوات سوريا الديمقراطية».
ورداً على سؤالٍ لـ «القدس العربي» حول تأثير الانسحاب الروسي الجزئي من سوريا على الساحة الكردية سياسياً وعسكرياً، أشار ديبو إلى أنّ «الوجود الروسي منذ خمسة أشهر في سوريا لم يكن من أجل القضية الكردية، ولذلك فأن انسحابه الجزئي ليس له تأثير كبير. فالإدارة الذاتية معلنة منذ نحو ثلاث سنوات وناجحة في إدارة المكوّنات السورية قبل التدخل الروسي».
وتابع «لن يكون لهذا الانسحاب تأثير عسكري وسياسي مباشر على الكُرد، لاسيما وإن قوات سوريا الديمقراطية، قد قطعت شوطاً كبيراً في تحرير مناطق عدّة، ووجود تلك القوات في مناطقها هي حاجة مجتمعية ملحّة بهدف مساعدة أهالي تلك المناطق».
ورافقت انسحاب القوات الروسية، تحضيرات كردية لمؤتمر عُقد في بلدة رميلان في محافظة الحسكة وأعلن فيه عن النظام الفيدرالي في شمال وشمال شرق سوريا بحسب مصادر كُردية أكدت مشاركة نحو 22 حزباً سياسياَ في ذلك المؤتمر أبرزها حركة المجتمع الديمقراطي، إلى جانب مشاركة ممثلي الإدارات الذاتية في كوباني وعفرين والجزيرة ومنبج والشدادي وجرابلس، لتشمل مختلف المكونات السورية من الكرد والعرب والآشوريين والتركمان والسريان وغيرهم، بالإضافة لمشاركة من فصائل عسكرية منها وحدات حماية الشعب والمرأة وكذلك قوات سوريا الديمقراطية، في وقتٍ أشارت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) إلى أنّ إعلان الكرد السوريين عن الفيدرالية هي قضية سياسية داخلية ولن تؤثر على عملياتها ضد تنظيم الدولة في سوريا. وكانت روسيا أعلنت في وقت سابق عن تأييدها للفدرالية في سوريا، الأمر الّذي تفسره جهات سورية معارضة كالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية بانفصال الكُرد عن الدولة السورية في كيانٍ مستقل وهو الموقف الذي يطابق موقف الحكومتين السورية والتركية من النظام الفدرالي في سوريا.
جوان سوز