لندن ـ «القدس العربي»: يرى محللون أن فكرة تجميد الحرب التي طرحها المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا تحظى بدعم واسع من مراكز البحث ووردت في عدد من التقارير منها ذلك الذي قدمه مركز الحوار الإنساني في جنيف حيث اطلعت صحيفة «الغارديان» على الدراسة التي ترى في الحلول المحلية «نموذجا لتقليص النزاع في سوريا» فهي كما تقول وسيلة لحل الأزمة من «الاسفل إلى أعلى».
وجاء في الدراسة ان اتفاقيات الهدنة قد تكون حلا مناسبا نظرا «لوجود العديد من جماعات التمرد، ذات المصالح والأجندات المختلفة، سواء كانت محلية ودولية، مما يعني صعوبة التوصل لاتفاق دولي».
ورغم تقبل البعض لفكرة دي ميستورا التي يرغب بتنفيذها أولا في مدينة حلب، إلا أن المعارضة بكل أطيافها ترفضها وتتعامل معها بشك. فقد حذر الكثيرون من أن اتفاقيات الهدنة السابقة كانت عبارة عن استسلام لم تفد إلا النظام وإن أعادت نوعا من الحياة الطبيعية للسكان السوريين المتعبين من الحرب.
ويعبر معدو الوثيقة عن أملهم توسع اتفاقيات الهدنة بحيث تنتشر «مثل بقع الحبر» في مناطق البلاد.
ويقول بلاك إن مقاربة مثل التي قدمها مركز الحوار الإنساني وردت في دراسة ليزيد صايغ من مركز كارنيغي الشرق الأوسط ودعا فيها لاتفاقيات هدنة «شاملة ومن طرف واحد، يتم تحقيقها بطريقة منفصلة ولكن متوازية».
وأشار بلاك لتقرير آخر أعدته المنظمة غير الحكومية «مدني» بالتعاون مع مدرسة لندن للاقتصاد التابعة لجامعة لندن وحللت سلسلة من اتفاقيات الهدنة المحلية، 35 اتفاقا وعددا من العوامل التي لعبت فيها من مثل الإفراج عن السجناء وناقشت الدراسة أن المبادرات المحلية ساهمت بحماية الأرواح. ويعتقد معدو الدراسة انه يجب دمج الاتفاقيات ضمن مدخل دبلوماسي «من أعلى لأسفل».
وتقول ريم تركماني التي أشرفت على إعداد التقرير «بعد ثلاث سنوات ونصف السنة مؤلمة، يحن السوريون للسلام». ويقول بلاك إن شروط الهدنة عادة ما تتأثر بالتأثير الخارجي والمصالح الراسخة في اقتصاد الحرب الذي خلق فرصا كبيرة لتحقيق الربح. فقد استخدمت الحكومة «الجوع أو الركوع» كاستراتيجية سمحت لها لفرض إرادتها على مناطق المعارضة. ففي البلدة القديمة في حمص بدأ المقاتلون التفاوض «عندما واجه السكان نقصا تاما في الخدمات الطبية ومنظور الموت جوعا حيث أجبرهم ضغط المدنيين على التفاوض» مع النظام. ويحذر باحثون من إمكانية استفادة الحكومة السورية من اتفاقيات الهدنة.
فبحسب إميل هوكايم من المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في لندن فاتفاقيات الهدنة هي «أسوأ اتفاقيات رغم نيتها الصادقة»، ورغم ذلك تحظى بدعم واسع من السوريين خاصة اللاجئين، وفي ضوء التركيز الدولي على داعش وتراجع الفرصة لعقد مؤتمر جديد في جنيف فلا توجد هناك حلول للأزمة السورية.
ويدعو دبلوماسيون لتحديد دور الأمم المتحدة والتلويح بفرض عقوبات حالة فشل واحد من الطرفين بالالتزام بشروط الهدنة.
وتعبر الدعوات والتقارير عن حالة الإجهاد التي وصلت إليها الحرب في سوريا، والتحول في مسار الانتفاضة الذي فرضه صعود تنظيم الدولة الإسلامية ـ داعش، وهذا التحول ليس مقصورا على اللاجئين أو الجماعات المقاتلة بل هناك بوادر قلق وتململ داخل الطائفة العلوية التي تشكل عصب النظام السوري.
العلويون يتساءلون
ففي تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» أشارت فيه إلى أن العلويين الذين يعتبرون قاعدة نظام الأسد يظهرون إشارات عدم رضا فيما بدأت آثار الحرب الأهلية تترك علاماتها عليهم. ويبدو هذا واضحا في النقد الذي يوجهه أبناء الطائفة العلوية للنظام عبر وسائل التواصل الإجتماعي.
ويقول محللون إن العلويين الذين يشكلون عصب أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية بدأوا يتجنبون الخدمة العسكرية الإجبارية.
وردت الأجهزة الأمنية بزيادة حملات الاعتقال مما عمق من الخلاف بين الطائفة والنظام. وفي الوقت الذي يرى البعض في تصاعد عملية النقد للنظام تهديدا له إلا أن آخرين يرى فيها تعبيرا عن حالة من التعب والإجهاد للطائفة التي تظل حيوية لبقاء النظام في السلطة.
وتنقل الصحيفة عن لؤي حسين، الناشط العلوي المقيم في دمشق «هناك علامات نفاد صبر بين العلويين لعدم قدرة النظام على وقف الحرب».
واعتقلت السلطات السورية حسين يوم الأربعاء وهو يحاول عبور الحدود السورية إلى لبنان. ويرد أندرو تابلر، من معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى الحساسيات الزائدة للبعد الديمغرافي، فالسنة في سوريا يتفوقون في العدد على العلويين وهو يقول إن «الناس بدأوا يكتشفون أن الحرب لن تنتهي قريبا ولا يمكن الخروج منها، وليس من خلال البعد الديمغرافي» «فهناك سنة كثر».
ولم يعلن العلويون عن دعم واضح للنظام لكنهم يخافون من زيادة النزعات الراديكالية داخل المعارضة والتي قد تمنعهم من التخلي عن النظام.
ورغم هذا فأعضاء الطائفة العلوية بدأوا ينفثون غضبهم وإحباطهم من النظام عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومن خلال التظاهرات. فقد خرجوا في تظاهرات احتجاجا على التفجير المزدوج الذي ضرب مدينة حمص وقتل فيهما 50 شخصا الشهر الماضي، وطالب المتظاهرون بعزل المحافظ لفشله بوقف الهجمات.
وفي مدينة طرطوس نظم المواطنون تجمعات احتجاجية ووزعوا ملصقات حثوا فيها الناس على الحديث عن تزايد أعداد القتلى من الجنود، واتهموا النظام بالتخلي عن الجنود في قاعدة الطبقة الجوية حيث قبض تنظيم داعش عليهم وأعدمهم.
وبحسب تقديرات المرصد السوري لحقوق الإنسان فعدد القتلى في صفوف القوات المسلحة يصل إلى 110.000 جندي.
ويقول ناصر النكاري، وهو ناشط علوي يقوم بالتنسيق مع الناشطين داخل سوريا إن تظاهرات طرطوس جاءت ايضا احتجاجا على اعتقال الرافضين للخدمة العسكرية الإلزامية. وشملت العمليات احتجاز عدد من العاملين في مستشفى باسل بطرطوس.
وتم اعتقال البعض عندما حضروا للمقابلات في شركة الكهرباء التي أعلنت عن وظائف شاغرة.
وكانت خدعة من الشركة لأن معظم المتقدمين هم من الرافضين للخدمة العسكرية. ويقول محللون وناشطون إن النظام كثف من عمليات الاعتقال في المناطق الخاضعة لسيطرته للرافضين للخدمة العسكرية او الانضمام للميليشيات المساعدة وهي قوات الدفاع الشعبي. وتقول تقارير أن هناك 5.000 رجل فشل في التسجيل لإداء الخدمة الإلزامية منذ كانون الثاني/ يناير هذا العام.
ويقول صايغ، الباحث في مركز كارنيغي الشرق الأوسط، إن المصادر المتعددة والأدلة المتوفرة من جانب النظام تشير إلى ان داعميه «يبحثون عن ملجأ، الخروج من سوريا والسفر للخارج». ويقول لؤي حسين إن العديد من أصدقائه العلويين بدأوا منذ العام الماضي بالرحيل إلى الدول العربية والأوروبية.
ويقول «يشعر العلويون أن عليهم اختيار جانب النظام مهما كانوا يمقتونه، وهو ما يدفعهم للرحيل». ومن يتحدى النظام من العلويين يواجه الاعتقال، ويقول ناشط إن عددا من العلويين اعتقلوا لأنهم فتحوا حوارا مع قادة قرية سنية، قرب مدينة اللاذقية.
ويرى جوشوا لانديز، الباحث في الشؤون السورية بجامعة أوكلاهوما إن النقد المتزايد للنظام داخل الطائفة العلوية يؤشر لتحول في التفكير وحول كيفية إنهاء الحرب، وتضم الخيارات التخلي عن القومية العربية التي يتبناها نظام الأسد وتقسيم سوريا لإنشاء كيان خاص بهم. فالعلويون يعرفون ان ليس باستطاعتهم هزيمة المعارضة وفي نفس الوقت لا يريدون الموت بأعداد متزايدة.
وفكرة البحث عن كيان ليست منحصرة بالعلويين، بل هي أوضح مع الأكراد الذين يرغبون بالحصول على مكافأة لهم بالوقوف ضد داعش بتحقيق كيان مستقل لهم في مناطق شمال سوريا ويأملون بالحصول على دعم الولايات المتحدة.
كيان كردي مستقل
تحدثت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن قوة كردية من 30.000 مقاتل يتبعون نفس الجماعة التي تواجه قوات تنظيم الدولة الإسلامية – داعش في بلدة عين العرب/ كوباني أي الحماية الشعبية التي تلقى دعما من الولايات المتحدة.
وكتب مراسل الصحيفة من بلدة رأس العين، حيث تقدم هذه الميليشيا الكردية نفسها كقوة لمساعدة الولايات المتحدة وحلفائها لصد هجمات داعش وإخراجه من المناطق الكردية مقابل الحصول على حصة من أرض سوريا لتحقيق حلمهم بالاستقلال.
وتقول الصحيفة إن مشكلة الترتيبات مع الأكراد والتي تواجه واشنطن هي أن هذه القوة هي فرع من جماعة تصنفها واشنطن بالإرهابية، أي حزب العمال الكردستاني، بي كي كي، الذي يتزعمه عبدالله أوجلان، السجين لدى تركيا منذ 15 عاما. ونقلت الصحيفة عن حسين كوتشر، أحد قيادات الحماية الشعبية الكردية التابعة لحزب الاتحاد الكردستاني «نحن مستعدون للتعاون مع أي شخص يحترم شعبنا ويقبلنا كما نحن». وقال إن قواته تقوم «ببناء نظام جديد في داخل النظام القديم». ويقول قادة الحماية الشعبية والقادة السياسيون إنهم راغبون بالانضمام للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد الدولة الإسلامية مقابل اعتراف ودعم واشنطن لمنطقة الحكم الذاتي التي أعلن عنها الأكراد في شمال سوريا.
وأنشأ الأكراد في منطقتهم محاكم وأصدروا قوانين واستغلوا عائدات النفط في المناطق التي يعيش فيها العرب، مسلمون ومسيحيون.
ويقول كوتشر وقادة بارزون في قوات الحماية الشعبية إن رجال الاستخبارات الأمريكية داخل سوريا يتبادلون المعلومات الاستخباراتية مع المقاتلين والتي تساعد في تنسيق الغارات ضد تنظيم الدولة الإسلامية في شمال – شرق سوريا قريب الحدود مع العراق وكذا قرب البلدات والقرى القريبة من الحدود التركية – السورية.
وكان الطائرات الأمريكية قد ضربت مواقع لداعش في جنوب وجنوب – غرب رأس العين. ويقول قادة الحماية الشعبية إن الغارات الأمريكية ساعدت قواتهم على التقدم ضد مواقع داعش. وبحسب مسؤول بارز في الخارجية الأمريكية فمن مصلحة الولايات المتحدة توسيع الجهود المشتركة مع قوات الحماية الشعبية ضد تنظيم داعش.
وأثنى المسؤول على كفاءة المقاتلين الأكراد ولكنه قال إن التعاون لن يربط بموضوع الاعتراف بالحكم الذاتي في المناطق التي تديرها قوات الحماية الشعبية. وقال المسؤول «نأمل أن يعمل الجميع في سوريا من أجل مشروع وطني موحد». وترى الصحيفة ان عقد تحالفات مع الأكراد في سوريا سيوفر على الولايات المتحدة والدول المتحالفة معها عبء نشر قوات برية لقتال داعش ومع ذلك فالعلاقات مع الحماية الشعبية تحمل في طياتها تحديات ومخاطر.
وينبع أهم تحد من علاقة أكراد سوريا بالبي كي كي المصنفة بالإرهابي في تركيا وأمريكا، وشن حربا طويلة مع الحكومة التركية منذ عام 1978. وألقت المخابرات الأمريكية والقوات التركية القبض على أوجلان عام 1999 وفي سجنه يمارس تأثيرا قويا على أكراد سوريا وتركيا. فشعار قوات الحماية الشعبية هو «لا حياة بدون قائد» أي أوجلان. ومن هنا يقول كوتشر إن الهدف النهائي لقوات الحماية الشعبية هو إنشاء منطقة حكم ذاتي في شمال سوريا تقوم على نفس النموذج الذي يدعو إليه أوجلان.
وأقام الأكراد في سوريا محاكم شعبية قامت في الشهر الماضي بسن قانون للزواج المدني يمنع تعدد الزوجات. وتواجه الولايات المتحدة تحديا يتمثل في معارضة تركيا التي تعتبر المقاتلين الأكراد في عين العرب إرهابيين مثل مقاتلي داعش، فيما تعارض دول أخرى في حلف الناتو فكرة دعم الحماية الشعبية الكردية.
ووافقت أنقرة بعد ضغوط أمريكية على السماح بمرور مقاتلين من البيشمركة العراقيين عبر أراضيها لمساعدة المقاتلين في عين العرب/ كوباني ضد هجمات داعش.
ساعدتنا الغارات
ويقول الأكراد إن الغارات الجوية الأمريكية ساعدتهم على التقدم في مناطق داخل عين العرب/كوباني. وفي مقابلة مع القائد العسكري لـ«بي كي كي» نشرتها صحيفة «إندبندنت» يوم الثلاثاء قال فيها جميل بايك إن قوات الحماية الشعبية تقدمت في داخل مبنى البلدية.
وتعهد بمنع سقوط البلدة بيد داعش. وأكد على وجود تنسيق بين قوات الحماية الشعبية والأمريكيين.
ورغم تأكيده أن الحماية الشعبية لا تتلقى الأوامر منه إلا أنه قال إنها مثل غيرها من الميليشيات العسكرية تتبع للمنظمة العسكرية التابعة للبي كي كي وتتبع السياسة العامة لها.
ويؤكد المتحدث باسم الحماية الشعبية، ريدور خليل وقادة الحماية وجود علاقة مع «بي كي كي». وقاتل أكراد سوريا مع حزب العمال الكردستاني منذ الثمانينات من القرن الماضي حيث قتل منهم حوالي 5.000 شخص، ومعظم قادة الحماية الشعبية يعتبرون من المحاربين الذين قاتلوا في حرب «بي كي كي» ضد الدولة التركية.
وتواجه الولايات المتحدة تحدياً آخر غير تركيا وهي الجماعات السورية المعارضة لنظام الأسد فكلها تقريبا تعارض التعاون الأمريكي مع أكراد سوريا نظر لشكها بوجود علاقة بينهم وبين النظام السوري لبشار الأسد.
فبعد انسحاب القوات السورية من المناطق الكردية في بداية الانتفاضة تم الاتفاق على تجنب المواجهات المسلحة بين القوات السورية والمقاتلين الأكراد، وخاض هؤلاء بدلا عن ذلك معارك ضد المعارضة السورية في أكثر من مناسبة رغم ما جرى الحديث عنه من تشكيل تحالف بين الأكراد والمعارضة السورية تحت «بركان الفرات» في ريف حلب لمواجهة تنظيم داعش.
إبراهيم درويش