لا مناص من القول للذاهبين إلى «الاتجاه المعاكس» إنهم يزجّون بأنفسهم في صراع ديكة مرير، في حلبة معدّة لجمهور مولع بالإثارة، برفقة معدّ برنامج يتوقف نجاحه على المهارة في إثارة الغبار، وعلى مقدار النتف وعدد الجروح وكمية الدماء المهدورة على أرض الحلبة. إذاً ليس من حق المشاركين بعد ذلك الشكوى من أن ظهورهم لم يكن مُرْضِياً لهم، لهذا السبب أو ذاك.
في حلقته الماضية تناول «الاتجاه المعاكس» المعارك الناشبة في الشمال السوري، مع متحاورين سوريين هما الإعلامي أحمد كامل (في استوديو الدوحة) والمحامي عمران منصور (عبر الأقمار من باريس).
سلفاً بدت الكفة مائلة لصالح الاستوديو، فهناك غالباً ما تكون السيطرة والتحكم والصوت الأقوى، فما بالك إن كان مقدم البرنامج فيصل القاسم مرجِّحاً أيضاً في انحيازه (غير المهني بالطبع) لزميله في الاستوديو. هكذا بدا منصور محشوراً في مظلومية لا نهائية، أنه لا يعطى حقه في الكلام. لكن لا ندري إن كان هذا كافياً لتبرير الظهور المربَك لمنصور، وإن كان قال ما قال تحت وطأة الظرف الصعب الذي يتعرّض له أهله وناسه في الشمال السوري.
عرفنا السوري عمران منصور في إطلالات تلفزيونية عديدة كصوت كرديّ معتدل، أزعجَ الأحزاب الكردية وأثار حنقهم وشتائمهم قبل أن يزعج عموم السوريين. لكنه بدا هذه المرة في وضع مشفق تماماً. كان الغضب والارتباك طاغيين على أدائه، أطلقَ عبارات وضعتْه في موقف المقاتل المتطرف. لم يتصرف هذه المرة كسوري كردي، إنما ككردي وحسب، وكانت تلك سقطته الكبيرة.
هذا ما تدل عليه عبارات من نوع «الثورة السورية كانت ثورة حق، وكانت من أجل الحرية، الآن أصبحت ثورة ضد الشعب الكردي فقط»، و»مجبرون على التحالف مع الشيطان لحماية وجودنا». أو «إذا تركناكم راح تيجوا على مناطقنا وما تخلّوا حجر على حجر». أو عبارات يقولها، وهو المحامي، من دون أي حساسية لمنسوب الشتيمة فيها: «شوف السلطان الإردوغاني يستعمل العرب والمعارضة ككلاب صيد في عفرين».
كذلك يقول منصور «لولا تواجد أمريكا في المنطقة لكنّا ذبحنا بالسكاكين كشعب كردي»، ناسياً أن انسحاب أمريكا من دورها في مواجهة التدخل الروسي الإيراني الميليشوي على الضفة الأخرى قد تسبّب فعلاً بذبح آلاف السوريين.
أين تعلمتَ «التحالف مع الشيطان»؟ لماذا؟ ألم يمت الناس في بلادك، عرباً وكرداً وسواهم، من أجل العدل والكرامة، كيف تستوي هذه القيم برفقة الشياطين؟!
تالياً، بعد مشاهدته الحلقة، يبدو أن المحامي السوري شعر، هو نفسه، بكمّ الارتباك في ظهوره، ولذلك كتب (على صفحته في فيسبوك) يقول إن الحلقة لم تكن مباشرة على الهواء بل مسجلة قبل ثلاث ساعات من البث، وأن البرنامج حذف شتائم أحمد كامل «مما أظهره كضيف هادىء وأظهرني في قمة غضبي»، رغم أنه يؤكد أن الحذف
كان بالاتفاق معه بعد أن هدد برفع دعوى قضائية (مع ذلك حفلت الحلقة بشتائم أخرى مقذعة). ويبدو أن شعور عمران بتطرفه الزائد هو ما دفعه إلى التأكيد: «لست محامياً عن أي جهة، أنا رجل مستقل ولست منتمياً لأي جهة سياسية».
مؤسف أن صديقنا الكردي لم يظهر ما لديه تحت وطأة الغضب والانفعال، إذ إن الأشياء التي أطلقها تبدو راسخة في قناعاته لا مجرد زلات لسان. لكن قل لي بالله عليك، أين تعلمت، وأنت المحامي، «التحالف مع الشيطان»؟ لماذا؟ ألم يمت الناس في بلادك، عرباً وكرداً وسواهم، من أجل العدل والكرامة، كيف تستوي هذه القيم برفقة الشياطين؟!
تحليل دم
تسبّبت حلقة «الاتجاه المعاكس» الأخيرة حول عفرين بهجوم شرس من بعض الكرد على الإعلامي أحمد كامل، والذي غالباً ما يصعب الاتفاق معه، لكن أن يهاجمه البعض من زاوية أن الرجل «فلسطيني بلجيكي»، وبالتالي لا يحق له الحديث في الشأن السوري، فهذا ينطوي على نظرة شوفينية عصبية، من أناس كانوا ضحايا مثل هذه النظرة على الدوام.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، بل هناك من حاجج بالقول «تصور يقعد صومالي مثلاً ويقرر بالقضية الفلسطينية». (مما يشكو الصوماليون!).
أحمد كامل هو فلسطيني سوري من مواليد حلب، نشهد، مهما اختلفنا معه، أنه لم يبدُ مرة إلا سورياً خالصاً، كما بدا في حلقة «الاتجاه المعاكس». ليس بإمكان أحد أن ينزع الهوية عن هؤلاء الذين شاركوا السوريين، ليس بالهمّ وحده، بل بالتهجير والاعتقال والموت تحت التعذيب. سوريا جزء من تكوينهم، هذا ليس اختياراً تماماً، وما باليد حيلة بالأساس.
وبالمناسبة، الثورة الفلسطينية ضمّت بالفعل أناساً من كل أرجاء الأرض. كان بعضهم قيادياً في الصفوف الأولى، من دون أن نسمع عبارات تشبيح من هذا النوع.
ما يستحق الحياء
حقاً، «في البدء كان الكلمة». هذا ما يمكن أن يقوله المرء إزاء مشاهدة كليب غنائي جديد مشترك بين المغنية اللبنانية أميمة خليل والشاعر الفلسطيني مروان مخول حمل عنوان «نيو شام». فلا صوت أميمة العذب، الذي طالما أحببناه مع فرقة «الميادين»، ولا الموسيقى المرفقة، ولا خزعبلات التصوير والماكساج استطاعت أن تنقذ الكلام من كل هذه الرداءة.
إنها قصيدة لمروان مخول، وهو مقلد، «يلطش» من هنا وهناك. من محمود درويش وسميح القاسم. «يلطش» الأداء قبل القوافي. «يلطش» الكلام، ثم يفسده، ويصنع معارضات ساخرة هزيلة للغاية، كمعارضته لقصيدة درويش الشهيرة «على هذه الأرض ما يستحق الحياة»، إذ يقول، وتغني أميمة: «على هذه الأرض ما يستحق الحياء.
فلسطينُ كانت تسمّى فلسطينَ، صارت تسمّى قضيّتنا المرجأة».
الشعراء والمهتمون بالأدب والذواقة باتوا يعرفون على الأرجح حقيقة هذا الشاعر ، وبات على أميمة وفريقها الموسيقي أن يعرفوا ذلك. بات عليها أن تعرف أيضاً أن العمل رديء بالمجمل، ومن فرط هزاله صار يضرب على العصب.
كاتب فلسطيني سوري
راشد عيسى