كان الأمر يتعلّق بالهدية التي رأى دُن جوان، ملك البرتغال والجرابيين، إرسالها إلى ابن عمه الأرشيدوق ماكسيميليانو حاكم إسبانيا، الذي سيصبح لاحقـــا إمبراطور النمســــا. قـــال الملك لزوجته في الدقائق التي تسبق النوم إن الهدية التي قدّمها للأرشيدوق من أربع سنوات، لمناسبة زواجه، لم تكن لائقة بما يكفي. الآن عليه أن يرسل له شيئا ذا قيمة ولافتا للانتباه.
فكّر في القربان المقدّس، لكنه عدل عن ذلك بعد أن انتبه إلى أن الأرشيدوق ابن عمه كان قريبا إلى البروتستنتيين. إذن ماذا؟ سأل الملك زوجته التي بلحظة إلهام ذكرت له سالومون الفيل كهدية لا بد ستلقى الترحاب. وقد أُحضر الفيل معه قيّاله، الهندي سوبهرو، إلى باحة القصر للتحقّق من حسن مظهرهما. كان جلد الفيل سميكا وخشنا، وثمة بقع توزّعت في أنحاء جسمه، لكن رغم ذلك أٌّقرّ ما كان اتُفق عليه بعد إرسال مبعوثين لسؤال الأرشيدوق إن كانت هذه الهدية تعجبه. وقد أعلن موافقته، من فيينا، بل رغبته في أن يأتي إلى بلد «الوليد» ليتسلّمه من هناك بنفسه.
رواية جوزيه ساراماغو تسرد تفاصيل رحلة الفيل الشاقة من البرتغال إلى بلد الوليد فإلى إسبانيا فإيطاليا ومن هناك، عبورا بجبال الألب الباردة، إلى النمسا. كان على تلك الرحلة التي تقلبت بين حرارة الطقس غير المحتملة وبرودته التي تكسر العظام، أن يراعي مسيرها، رغم ذلك، البروتوكول الملكي أو الإمبراطوري. في القسم الأول من الرحلة، وصولا حتى إسبانيا، جرى توزيع من رافقوا الفيل تبعا لترتيب عملي يتقدّم فيه الفيل القافلة، لتتلوه فرقة الحرس ثم سائسو الثيران، التي تجر المؤن ثم فرقة الخيالة إلخ. كان ذلك الجزء من الرحلة شاقا، إذ تبين بعد أيام من انطلاقها أن حمولة المؤن تحتاج إلى ثورين آخرين. وقد أمكن تأمينهما، لا السطو عليهما، من قرية مرت بها القافلة، إذ كانت تسود البرتغال شرعة الاعتراف بحق البشر في ما يملكونه. وهذا ما أدى، في أي حال، إلى أن تعبر القافلة كل هذه المسافات من دون أن تواجه عصابات متعدّية أو أعداء أو قطاع طرق.
فقط الطقس ووعورة الطريق، هما ما كان على القافلة الاحتساب له، أما البشر فكانوا مضيافين مرحّبين على طول الطريق. حتى فرقتا الجيشين، النمساوي والبرتغالي، اللتان كان عليهما أن تظهرا مستفزّة إحداهما الأخرى، عندما التقيا في النقطة المتفق عليها في بلد الوليد، لم يعمدا إلى ذلك، بل إن النمساويين، الأقوى من البرتغاليين والأكثر عددا، آثروا المهادنة، بما حمّلهم وزر تهمة الإسراع إلى إعلان الانهزام.
كانت تلك هي المرة الأولى التي أتيح فيها لأوروبا أن تشاهد فيلا، ومن هنا ربما كانت الرحلة الطويلة بين البلدان أهمّ من الوصول إلى مستقرّها. لم تكن شعوب تلك البلدان قد عرفت حيوانا بهذا الحجم، ناهيك عن ضخامة قوائمه، وفوق ذلك الخرطوم الذي كان يلتقط الطعام ويقذفه بتلك السرعة إلى الأسنان التي لا تظهر أبدا للمتفرّجين. حتى الفيّال الهندي سوبهرو كان يشعر بالزهو وهو يجلس في ذلك المكان العالي، على رقبة الفيل، ناسيا لساعة أو ساعتين أنه مقيم أو متنقل في بلاد ليست هي بلاده. أما فرقة الخيالة البرتغالية وقائدها فقد أتيح لهم أن ينعموا بنصر من دون حتى أن يخرجوا سيوفهم من أغمادها.
لكن قس كنيسة سانت أنطونيو في بادوا أراد أن يفيد من مرور القافلة في كفاحه ضد البروستانتينية. لم يتأخّر في استدعاء سوبهرو (وكان هذا ما يزال محتفظا باسمه، ذاك الذي أجبره الأرشيدوق على تغييره إلى فريتس، كما غيّر اسم الفيل من سالومون إلى سليمان) وطلب منه أن يعلّم الفيل، في غضون ساعتين أو ثلاث ساعات، كيف يركع وإن على قائمة واحدة في ساحة الكنيسة. أما إن فشل الفيال في ذلك فسيعلنه القس محتاجا للتوبة، طالما أن الفيال الهندي كان قد عُمّد مسيحيا في البرتغال. وقد تحقّقت الأعجوبة الإلهية بجثوّ الفيل أمام الكنيسة، على قائمتين وليس على واحدة، محققة لكنيسة سانت أنطونيو ولراعيها شهرة بلغت بلدان أوروبا القريبة، حتى أن الفيل المقدّس، وقد كان مقدّسا أيضا في الهند، حسب ما صار يقول فيّاله، بلغ صيته النمسا قبل وصوله بأيام إليها.
وقد عزّز الفيل مكانة الأرشيدوق في فيينا، في اللحظة التي كاد أن يثير احتجاجا ضدّه. في اللحظة التي كان يخرج فيها الفيل مزيّنا بما يلائم ظهوره الأول في إحدى مدن النمسا، ركضت طفلة إليه، منفلتة من بين الجموع، فكادت قوائمه الضخمة تدوسها محوّلة الاحتفال إلى مقتلة. لكن الفيل، بحكمته التي أبداها يوم كنيسة سانت أنطونيو، حيث ركع مدركا بأن ذلك سينقذ سائسه، مدّ خرطومه لانتشال الطفلة قبل لحظة من سقوطها تحت قدميه. كان هذا نصرا آخر للأرشيدوق منقذ الطفولة، ومعرّف النمساويين، والأوروبيين عامة، أن الضخامة والقدرة لا تدفعان من يمتلكهما إلى أن يكون عنيفا وساحقا بالضرورة.
وعلى الأغلب كان ماكسيميليانو الأمبرطور المقبل قاصدا، بإحضار الفيل، إلى ما يتعدى مجرد التسلية والترفيه، فنجاح لقاءات واسنبرغ ومولدهورف يرجع لحضور حيوان كان لا يزال مجهولا في النمسا، «كأن ماكسيميليانو أخرجه من العدم ليكسب رضا رعاياه، بالإضافة لكون ذلك الحضور سببا لاستلهام فنانين وشعراء من كل مكان عبرته القافلة أو حلّت فيه، إذ سيظهر في لوحات ونقوش، في ميداليات تذكارية، في تدوينات الإنسانوي الشهير كاسبار بروشيس المهداة إلى مجلس بلدية لينز». ثم أن مؤرّخا من مدينة هول الساحلية اسمه فرانتس شويجر كتب: عاد ماكسيميليانو بزهو من إسبانيا محضرا معه فيلا فئرانيّ اللون، له أرجل طولها اثنا عشر مترا»، لكن الفيل، حسب ما قال جوزيه ساراماغو على لسانه، احتج على ذلك قائلا: ليس الفيل من له لون فئراني، بل الفأر له لون فيلي.
بعد عامين من انتهاء رحلته في سنة 1551 ميلادية، مات الفيل من دون أن يعرف سبب وفاته. «فضلا عن سلخه، قطعوا قائمتيه الأماميتين لاستخدامهما كأوعية عند مدخل القصر الأمبراطوري، كما لوضع العصيّ والعكاكيز والشمسيات وقبعات الصيف». لم ينفعه، حسب راوي رحلته، تحقيقه للأعجوبة أمام كنيسة سانت أنطونيو ولا إنقاذ الطفلة عند وصوله إلى النمسا، ولا تعزيزه لمكانة ماكسيميليانو تجاه أعدائه وحلفائه معا.
رواية جوزيه ساراماغو «مسيرة الفيل» صدرت بالعربية عن «منشورات الجمل» في 190 صفحة، ترجمة أحمد عبد اللطيف، 2018
٭ روائي لبناني
حسن داوود