ألمانيا… الانعزال والشعبوية

حجم الخط
0

عندما تتضعضع إحدى الدول المستقرة في العالم، فإن الأعمدة تهتز. فقد فشلت أنغيلا ميركل أمس رسميا في محاولتها تشكيل حكومة، فردت ألمانيا بالصدمة. نحن في وضع غير مسبوق في التاريخ السياسي، قال وولتر شتاينماير، وقصد سبعين سنة من الديمقراطية في ألمانيا الغربية. ففي أيام جمهورية فايمر كانت أوضاع سياسية كهذه، تتعلق بالتفتت في الساحة السياسية، موضوعا كثير التواتر.
ألمانيا 2017 ليست الجمهورية الضعيفة التي كانت في 1932، ولا حتى قريبة منها. كما أن التشبيه بين حزب اليمين المتطرف والشعبوي الـ AFD والنازيين ليس تشبيها ذا قيمة حقيقية. ولكن روابط الوحدة الألمانية بعد سقوط الكتلة الشرقية آخذة في التفكك.
مقلقة على نحو خاص حقيقة أن الساحة السياسية الألمانية فقدت توازنات داخلية في فترة استقرار اقتصادي نسبي؛ لم تكن حاجة لركود أو هبوط طويلين من أجل صعود الشعبوية الخطيرة. فالمسؤول عن انهيار محادثات الائتلاف، أكثر من أي حزب آخر، هو الحزب الليبرالي ـ حزب يميني مركزي يعمل على أفكار السوق الحرة ومؤتمن ظاهرا على استقرار ألماني كلاسيكي. ولكن هو بالذات من فجر المحادثات مع الأحزاب المحافظة ومع الخُضُر.
ماذا يحصل هنا؟ تمر على ألمانيا مسيرة تحدث في الديمقراطيات في كل العالم، ولا توجد حصانة ذات مغزى لأية دولة. فصعود الشبكات الاجتماعية، الضغوط المتعاظمة للأسواق العالمية على التقاليد المحلية، النفوذ الكلاسيكي للعولمة مثل الهجرة الجماعية، الخوف من انعدام الأمن الشخصي والشرعية المتزايدة لرفض الأجانب ـ كل هذه تُغيّر بشكل عميق الساحات السياسية.
هذه المسيرة لا تؤدي فقط إلى صعود زعماء وأحزاب شعبويين مثل ترامب أو الـ AFD، بل أيضا تدفع الأطراف الأخرى في الساحات السياسية إلى التمترس في مواقفها، والتوجه إلى القاعدة الداخلية في أحزابها والابتعاد عن القاسم المشترك الأوسع. هذا يحصل في اليسار، في اليمين وفي الوسط. هذا هو عصر الانعزالية والعزلة، وليس إلى التوجه للجميع. فمثل هذا القاسم المشترك لا يؤدي إلى اللقاء ولا ينال العطف في الشبكات الاجتماعية، سواء كان ذلك للخير أم للشر. أما نهج المسؤولية السياسية فهو ببساطة ليس جذابا بما يكفي في واقع الثقافة الحالية. فالهوامش تمزق الوسط في كل مكان وصعود عمانويل مكرون في فرنسا هو في هذه المرحلة الاستثناء الذي لا يدل على القاعدة.
نحن نلاحظ ظواهر مشابهة في إسرائيل أيضا بالطبع. فأمس غرد جدعون ساعر في أنه سيتنافس على رئاسة الليكود بعد نتنياهو، وذلك لأن «الخطر الوحيد على حكم المعسكر الوطني وطريقه ليس لبيد وليس غباي، بل حصريا خطر النزول إلى الهوامش». يقدم ساعر هنا تقديرا يحتاج إلى إثبات: فنتنياهو اختار في الانتخابات السابقة النزول إلى الهوامش، ومن هناك جمع مقاعد نفتالي بينيت. من تلك اللحظة نجد أن رئيس الوزراء يركز على القاعدة في الليكود: يركز على قاعدة البيت اليهودي، بل ربما يمينه. وأظهرت بضعة استطلاعات مؤخرا ـ ربما ـ بداية ميل ابتعاد عن الليكود نتيجة لذلك. ولكن هذه نتائج أولية، ولا سيما استطلاعات ـ مع كل ما ينطوي على ذلك من معنى.
هل، بتعبير آخر، سيتحرك بندول السياسة العالمية (وضمنها الإسرائيلية) ليعود إلى مركزية رسمية مسؤولة؟ في أمريكا ينظرون إلى انتخابات 2018 مؤشرا محتملا على اتجاه البندول: بين الحزب الجمهوري الذي أصبح ترامبيا وإرادة الجمهور الأمريكي لتقييد هذا التغيير. في حالة ألمانيا سيكون المؤشر هو مكانة ميركل وفي فرنسا مكانة مكرون، الذي تعرض مؤخرا لعدة ضربات قاسية في الرأي العام. هنا، عندنا، يجب أن ننظر بالطبع إلى نتنياهو؛ ليس فقط على ضعفه أو قوته، بل اللغة التي يختارها. إذا تحرك مؤشر نتنياهو الحساس به عائدا إلى الوسط، فسنعرف أن البندول الشعبوي توقف.

يديعوت ـ 21/11/2017

ألمانيا… الانعزال والشعبوية

نداف ايال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية