ألمانيا تستعرض عضلاتها أمام أمريكا

حجم الخط
0

المناوشات الكلامية بين برلين وواشنطن ليست أمرا عابرا، والازمة التي تتطور قد تمنح المانيا فرصة تحقيق حلم قديم وهو الانفصال أخيرا عن الأمريكيين والتحول إلى قيادة الاتحاد الاوروبي وقوة عظمى في الوسط بين الغرب والشرق، دون اعتمادها على واشنطن أو موسكو، بل لديها خط خاص بها.
يجب التمييز بين اقوال المستشارة انغيلا ميركل التي قالت إن اوروبا لم تعد تحتمل الاعتماد على الآخرين (أي على الولايات المتحدة) مثلما في السابق، وأنه يجب أخذ مصيرها في أيديها، وبين التصريحات المبالغ فيها لوزير خارجية المانيا زغمار غبرئيل، التي جاء فيها أنه على ضوء سلوك دونالد ترامب «تحول الغرب إلى اصغر». في الوقت الذي تقوم فيه ميركل بتقليص طموح قيادة المانيا لاوروبا، فان غبرئيل الذي عبر أمام الجميع في زيارته الاخيرة لإسرائيل عن رغبة المانيا في أن تصبح «بوصلة الاخلاق للعالم الديمقراطي»، يقوم بتوسيع حدود قيادة المانيا للغرب. ومن الآن ليست الولايات المتحدة هي التي تقوم العالم الحر، بل المانيا.
الى أي حد تتعلق المانيا بالغرب. استعراض تاريخ سريع لـ 200 سنة الاخيرة سيبين أن الصلة بين المانيا والغرب والافكار التي يمثلها الغرب ـ الديمقراطية البرلمانية، الليبرالية، الرأسمالية ـ ليست قوية بشكل خاص. ايضا المانيا الموحدة منذ 27 سنة تعتبر مثالا على الغربية الناجحة والمتطورة. على مدى التاريخ وضعت المانيا نفسها ـ في مراحل تطور القومية المختلفة ـ كخصم لافكار الغرب ومبادئه. ورفضت المانيا «الغربية» حسب النموذج الفرنسي أو البريطاني الذي لا يناسب طابعها ومكانتها الجيواستراتيجية في قلب القارة الأوروبية. منذ عهد بسمارك «مستشار الحديد» الذي وحد المانيا في نهاية القرن التاسع عشر، وضعت المانيا لنفسها سياسة «اللاغربية»، التي تجد تعبيرها بشكل واضح في الحربين العالميتين. وقد اعتبرت المانيا في حينه نفسها وتعتبر نفسها الآن قوة عظمى تقود اوروبا دون أي اعتماد على بريطانيا أو الولايات المتحدة.
في نهاية الحرب العالمية الثانية وجدت المانيا الغربية نفسها ملتزمة بالتحالف مع القوى العظمى من الغرب وليس انطلاقا من رغبة ذاتية. العلاقة القريبة مع الولايات المتحدة سمحت لها باعادة بناء نفسها من الدمار واعمار قوتها الاقتصادية والتوحد من جديد فيما بعد. لكن غالبية الشعب الالماني لم يشعر بأنه يرتبط بالولايات المتحدة ـ لو عرفان بالجميل على انقاذ المانيا من نفسها. المظاهرات الاكبر التي حدثت في المانيا كانت ضد الولايات المتحدة.
وفي الايام التي كان فيها التواجد العسكري الأمريكي في المانيا الغربية يسعى إلى منع الاتحاد السوفييتي من تحقيق برامج احتلال اخرى. العداء لأمريكا لم يكن مجرد ظاهرة شرق المانية شيوعية، بل كان منتشرا في غربها ايضا، في اوساط اليسار واليمين. ومع توحيد المانيا من جديد اصبح هذا شعور الماني عام.
هذه الطريقة تسير إلى جانب اللاسامية وعداء إسرائيل. وليس صدفة أن المان كثيرين يعتبرون أن الولايات المتحدة هي نتيجة اقوال وافعال اليهود. الغرب بشكل عام، بأفكاره، يعتبر في الرأي العام الالماني عمل يهودي. من هنا يمكن فهم الرفض الغريزي للغرب.
وها نحن أمام تناقض: المانيا التي لا تؤمن بالغرب فعليا، تقدم نفسها على أنها تتحدث باسم الغرب وتقوده. هل يمكن التعامل مع هذا بجدية؟ بشكل لا يقل عن الادعاء بأن الاتحاد الاوروبي يدافع عن الديمقراطية في العالم (لم يُطلب من شعوب اوروبا التعبير عن مواقفهم حول سؤال فتح الحدود أمام الاجانب واللاجئين).
من المؤسف أنه في ظل قيادة ميركل، التي هي الاكثر قربا من أمريكا والاكثر ليبرالية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ـ تنشأ ازمة خطيرة إلى هذا الحد مع الولايات المتحدة. على ضوء التحديات الكبيرة التي تواجه الغرب، وعلى رأسها محاربة الإسلام المتطرف، فان التعاون بين برلين وبروكسل وموسكو وواشنطن هو الامر المطلوب. ويتحمل ترامب جزء من المسؤولية عن الازمة الحالية، لكن مثلما أن ادارته تريد تحقيق المصالح الأمريكية، فان ميركل لا يمكنها تجاهل الظروف التي تمنحها وتمنح المانيا القدرة على تحقيق المصالح الالمانية وتحقيق الحلم القديم: التحول إلى قوة عظمى دولية في الوسط.

إسرائيل اليوم 1/6/2017

ألمانيا تستعرض عضلاتها أمام أمريكا
المفارقة هي أن الأزمة بين برلين وواشنطن نشأت في ظل وجود انغيلا ميركل الأقرب لها
الداد باك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية