ألمانيا فقط

حجم الخط
0

إلى تل ابيب يصل لاجئون سوريون يبحثون عن طعام معروف ورخيص. هذا ما تقوله الشائعات. لكن في المرتين اللتين مررت فيهما هناك في الاسبوع الاخير لم أرَ أي لاجيء للعلاج.
الى محل شاورما «بار»، الذي صاحبه لاجيء فلسطيني من مواليد سوريا، وهو يعيش في بلغراد منذ سنوات، يصل اللاجئون عند الظهيرة، ويأكلون هناك الفلافل الشهية. أحد الطباخين هو ر. من أريحا، وهو يتعلم الهندسة الميكانيكية في صربيا. وبدل العودة إلى البيت في العطلة الصيفية فانه يقوم بصنع ساندويشات الفلافل من اجل نفقاته.
في يوم الخميس الماضي م. و ع. وط. من مخيم اليرموك للاجئين اكتفوا بالخبز واللبنة التي اشتروها من دكان صغير بالقرب من محطة الحافلات المركزية. محطة بلا اسم، وبعض الشباب في المدينة يطلقون عليها اسم «محطة اللاجئين». مرة في الاسبوع يوزعون هناك الشاي والقليل من الحلويات على اللاجئين، ويطلبون من المواطنين الصربيين اظهار التضامن. ويجلس اللاجئون خلال اليوم على العشب الاخضر والكراسي تحت الاشجار: مجموعات، معظمهم من الرجال والقليل من الاطفال والنساء. ينامون، يتحدثون، يدخنون وينظرون بصمت إلى المحليين الذين يمرون عليهم. حروب الشرق الاوسط التي حولتهم في السنتين الاخيرتين إلى جزء من المشهد اللاحربي ليوغسلافيا سابقا، تطاردهم.
خلال ساعات النهار يظهر لاجئون في محطات اخرى وفي المتاحف الباردة وبجانب مطاعم الاكل الحلال الباكستانية. وهم يعرفون الابتعاد عن الشوارع النظيفة التي فيها المحلات باهظة الثمن. في يوم الثلاثاء عزفت فتاتان صربيتان على الكمان على طرفي شارع الامير ميخائيل، وفرقة موسيقية شعبية نافستهما لتحظى بآذان وجيوب عابري السبيل. وقد نزل شرطيان إلى مدخل مظلم لحانوت مغلق حيث هناك شابان يميل لونهما إلى السمرة، ضائعان ويعتذران. الشرطيان قاما بفحص أوراقهما الثبوتية. سوريان؟ عراقيان؟ فلسطينيان؟ لاجئان من كوسوفو؟ لقد بقي السؤال مفتوحا لأن الشرطة بقيت طويلا لتفحص وتحقق بحركات جسدية تهديدية.
تقرير «هيومن رايتس ووتش» منذ بداية العام انتقد الشرطة الصربية بسبب معاملتها للاجئين. وقد رفض ممثلو السلطات في صربيا الالتقاء مع محققي المنظمة. لكن حسب تقدير س. وهو شاب صربي يشارك في مبادرة «شاي بدون حدود»، فان ضغط الشرطة على اللاجئين تقلص في الاشهر الاخيرة، على الأقل في بلغراد، وعلى الأقل خلال ساعات النهار. تقوم الشرطة فقط بابعادهم عن الساحات العامة مع قدوم الليل، واحيانا تداهم النزل الصغيرة التي يسكنون فيها (10 يورو لليلة لمن لديه أوراق ثبوتية، و20 يورو لمن ليس لديه أوراق). «الاوراق الثبوتية» هي أوراق من الشرطة بأن فلان طلب اللجوء السياسي، وعلى صاحب الأوراق أن يصل خلال 72 ساعة إلى معسكر يوضع فيه طالبو اللجوء بشكل مؤقت، أو يغادر. نحو الربع فقط من أصل 200 ألف شخص ممن طلبوا، حصلوا على اللجوء في صربيا في العام الماضي. الاغلبية تطمح إلى الوصول إلى غرب اوروبا، بالذات ألمانيا. فهناك حسب رأيهم فرص ايجاد العمل والاستقرار أكبر.
ألمانيا هي ايضا هدف للفلسطينيين م. وع. وط. لقد اخترت التحدث معهم قبل التعرف على لهجتهم الفلسطينية. جلسوا على العشب الاخضر مع زوجين عراقيين مع بنتين وولد. الشباب الفلسطينيون الثلاثة في أواخر العشرينيات من اعمارهم، وقد تعرفوا على بعضهم في تركيا حيث هربوا اليها في بداية العام. وهناك التقوا مع الزوجين العراقيين. «لقد ساعدوني بالمال وبالتشجيع وبالعلاقات، ولولاهما لما استطعنا أن نتدبر أمرنا»، قالوا. «مللنا». قال الأب العراقي، «ما نفعله هو من اجل الاولاد فقط».
لم يكن أحد يرغب في الحديث مطولا عما حدث: تنظيم الدولة، التهريبات، البقشيش، المخاوف، لامبالاة السكان أو رحمتهم. في تلك الليلة كان عليهم أن يجدوا مكانا في حافلة تنقلهم إلى حدود هنغاريا للعبور اليها. كانوا في السفارة الفلسطينية في أنقرة، طلبوا المساعدة من دولة فلسطين من اجل البقاء قليلا في تركيا. «تعالوا لا نخدع أنفسنا»، قال لهم الشخص في السفارة، «نحن لسنا دولة». ومن تركيا استمروا إلى اليونان، ومنها إلى مقدونيا ـ هناك يحظر على اللاجئين السفر في المواصلات العامة. وقد ذهبوا سيرا على الأقدام مدة 30 ساعة، وعبروا الحدود، ومن هناك استقلوا القطار إلى بلغراد: في الليل هي مليئة فقط باللاجئين.
عائلاتهم من يافا، عكا وطبرية. ط. (لديه أقارب في جنين)، يقول إنه حاول ست مرات العودة إلى فلسطين عن طريق الجولان. «رأيت العدو الاسرائيلي أمامي»، قال، «لكن النظام السوري لم يسمح لي بعبور الحدود». م. وهو مهندس، يقول إنه لا يريد العودة إلى فلسطين. «صحيح أن هذه ارضنا لكني ولدت في سوريا، وأنا أريد العودة إلى هناك». فهو مقتنع أن اسرائيل ستطرد في النهاية جميع الفلسطينيين. وحينما قلت إن هذا غير صحيح وإن الفلسطينيين لن يسمحوا بحدوث ذلك أجاب: «هل اعتقد أحد قبل ثلاث سنوات أن يحدث في سوريا ما يحدث الآن؟». لقد وعدني بأن يتصل معي من خلال الفايبر حينما يتاح له ذلك.

هآرتس 5/7/2015

عميره هاس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية