أمام ملفات الكرد والناتو وإيران: طرق أردوغان الوعرة

حجم الخط
2

لم تكن مسألة إعادة تطبيع العلاقات مع روسيا أمراً سهلا بالنسبة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان المعروف عنه مواقفه الانفعالية التي لا تهدأ إلا بعد مرور وقت طويل كما حدث في خلافه الأخير مع إسرائيل. في مقابل ذلك لا شك أن روسيا قوة كبيرة وثمة أمور دفعت أردوغان إلى وضع الملح على الجرح، وتقديم اعتذارات متكررة بعد اسقاط الطائرة الروسية في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، مروراً بتهديدات متكررة، انتقالاُ إلى عدول أردوغان عن التحدي والبدء بالتقرب من جديد عبر رسائل لبوتين آخرها كان تقديمه تعازيه وتعاطفه لأسرة الطيار الروسي الذي قُتل، وذلك كما صرح الكرملين في حزيران/يونيو الماضي. نتيجة ذلك وابتداءً من حزيران/يونيو الماضي بدأت المفاوضات بين الجانبين بعد سجالات سياسية لمدة سبعة أشهر، وانتهت بزيارة أردوغان لبطرسبورغ الروسية، ومن ثم لقاء الرئيسين على هامش قمة العشرين في الصين، وأخيراً رد بوتين لزيارة أردوغان الاثنين الماضي بزيارة اسطنبول.
قبل زيارة أردوغان لروسيا كانت هناك بوادر ايجابية أيضاً من قبل بوتين في مسار تطبيع العلاقات حين بادر إلى  دعم أردوغان دون أن يفعل ما فعلته أوروبا وأمريكا في انتقاده لحملة الاعتقالات التي شنها عقب انقلاب 15 تموز/يوليو الماضي.
لا شك أن ثمة أمورا اقتصادية تربط بين كل من روسيا وتركيا كمشروعي تركستريم لنقل الغاز الطبيعي عبر البحر الأسود، ومفاعل أكويو النووي الذي تشرف الوكالة الفيدرالية للطاقة النووية الروسية روزاتوم على انشائه، والتعاون الجديد في مجال الفضاء وهي الصفقة الروسية الأبرز لتركيا، حيث أعلن بوتين خلال زيارته لاسطنبول عن بناء محطة فضاء تركية، ناهيك عن السياحة ومسألة الصادرات التركية، لكن تطورات الملف السوري هي التي دفعت أردوغان إلى الإسراع في تحسين العلاقات لاسيما الجانب الكردي منها.
بعد الجهود الدبلوماسية الكبيرة التي بُذلت لإصلاح العلاقة بين روسيا وتركيا ضمن التطورات الصعبة التي يشهدها الملف السوري، والتي كان أحد تداعياتها الخلاف بين البلدين، فإن الأرضية لئلا تعود العلاقة إلى ما شهدته من توتر وتصعيد ليست متينة، لأن الظرف الذي أحدث الشرخ وهو الملف السوري لا يزال حتى الآن دون حل عسكري أو سياسي، وما يجمع بين البلدين الآن هو اتفاق على عداء مضمر تجاه أمريكا في الدرجة الأولى. هذا ما يقودنا إلى القول أن العلاقة التي دخلت في مراحل متوترة من الممكن أن تشهد لاحقاً أيضاً توترات جديدة.
ما دفع ببوتين إلى قبول يد أردوغان الممدودة للمصافحة هو بناء حلفاء جدد ضد أمريكا لاسيما مع حالة اليأس التي وصل إليها الأخير من أمريكا فيما يتعلق بالمنطقة الآمنة شمال سوريا، وتقدم القوات الكردية التي تدعمها أمريكا في محاربة تنظيم «الدولة» من جهة وربط مدنهم على الشريط الحدودي مع تركيا مع بعضها من جهة أخرى. حيث أيقن الرئيس التركي أن الأمريكيين ماضون إلى الأمام في دعم الكرد، ويجب إيجاد ما يوقف مسعاهم، لأن هذا المشروع لو تحقق فإنه لن يعود للوراء، وهذا ما سيمنح ما يزيد عن 25 مليون كردي في تركيا خطا خلفيا داعما في تحقيق مطالبهم السياسية التي بسببها قامت العديد من الثورات الكردية منذ مطلع القرن العشرين دون أن تحل تركيا قضيتهم.
كان أردوغان مصراً على السير في الطريق الروسي حتى وإن كانت التكلفة على حساب تحالفها مع عدو أمريكا وتواجدها ضمن الناتو وسعيها في الانضمام للاتحاد الأوروبي أو على حساب تقديم خطى في طريق تحسين العلاقة مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد، حيث صرحت تركيا على لسان رئيسها ورئيس وزرائها ووزير خارجيتها بأنهم يسعون إلى هذا وحيث صرح الرئيس السوري بشار الأسد مؤخراً في أنهم يأملون أن تقوم روسيا بتغيير سياسة تركيا تجاه سوريا.
ربما تنفس أردوغان الصعداء مع إنطلاق عملية «درع الفرات» في آب/أغسطس الماضي على الرغم من الانتقادات الروسية الحادة لها في البداية والرضا الأمريكي الاضطراري تجاهها، والتي تحولت لاحقاً إلى محور للتنسيق بين الجانبين كما صرح بذلك أردوغان عقب زيارة بوتين لاسطنبول، وتحولت إلى محور خلاف بين أمريكا وتركيا حيث صرحت تركيا أنها لم تشارك قوات التحالف الدولي ولو مرة في أي غارة ضد تنظيم «الدولة» في مدينة جرابلس بالإضافة إلى اتهام أمريكا بالاستمرار في عدم تنفيذ وعودها فيما يتعلق بانسحاب قوات سوريا الديمقراطية التي تشكل وحدات حماية الشعب الكردية عمودها الفقري من مدينة منبج، ناهيك عن الاضطرار في مشروع تغيير مسار خطة «درع الفرات» من مدينة منبج باتجاه الباب بعد اقتناع تركيا بأن ما قامت به أمريكا من إعطاء تأكيدات في انسحاب القوات الكردية من منبج واستبدالهم بالمجلس العسكري للمدينة ليست إلا موضوعاً تم فيه استبدال الأسماء.
من غير الممكن أن تساهم العلاقة التركية الروسية التي تحولت الآن إلى جيدة في جعل أمريكا تقبل بالمنطقة الآمنة شمال سوريا وهو ما تسعى تركيا إليه كهدف من حملة «درع الفرات» التي تقودها في سوريا بالإضافة إلى إعادة الجيش الحر إلى ساحة المعركة وجعله ورقة تفاوضية مهمة في يدها، حيث أن الكرد الذين قاتلوا إلى جانب أمريكا وتمكنوا من الحفاظ على قرب كبير مع روسيا ستكون لهم كلمتهم في النهاية في تحديد مستقبل العلاقة مع روسيا إن استمرت في ترك الأمور بيد قوات «درع الفرات» أو قبلت بفرض منطقة آمنة. من جهة أخرى فإن أمريكا التي تختزل اليوم تواجدها في الساحة السورية عبر قوات سوريا الديمقراطية لن تبقى مكتوفة الأيدي بعد الانتخابات الرئاسية تجاه التحالف التركي الروسي وستكون لها كلمتها الحاسمة في أن تقوم هي أيضاً بدعم تلك القوات ولاسيما الكرد وهذا ما أعلن عنه حتى الآن كلٌ من المرشحين لهذه الانتخابات دونالد ترامب وهيلاري كلينتون.
أردوغان اليوم حسم أمره في سوريا واختار الطريق الذي يمنحه القوة لمواجهة تطلعات الكرد في سوريا وهو الأمر الأهم بالنسبة له، كذلك فإن الطريق الذي اختاره أردوغان سيمنعه من أن يتعامل مجدداً مع ملفات الشرق الأوسط وأوروبا، وهذا يقتضي أن يصير أردوغان أكثر من السابق عدواً لأمريكا وأوروبا ومتبنياً لقضية شبه جزيرة القرم ويدفع ضريبة ملفات روسية أخرى لا علاقة له بها. لو نجح أردوغان في تقبل هذا كله فهل سينجح في تقبل سياسة إيران في العراق وهي حليفة روسيا العتيدة منذ سنوات، إيران التي تعادي حلفاء تركيا في العراق وبدأت في تحريضهم على الوجود التركي فيها إلى درجة إعلان الحرب؟

أمام ملفات الكرد والناتو وإيران: طرق أردوغان الوعرة

كرم يوسف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية