■ أرقام واحصاءات أمريكية أظهرت أن هجمات بطائرات «درونز» دون طيار نفذتها القوات الأمريكية في دول عربية أدت إلى مقتل ما بين 64 و116 مدنياً عن طريق الخطأ، إذ لم يكونوا هم الأهداف لكنهم قضوا بمحض الخطأ والصدفة في تلك الغارات، فضلاً عن أن 473 غارة جوية أمريكية على دول عربية (إضافة إلى باكستان) أدت إلى مقتل أكثر من 2500 مقاتل، أو من يعتقد الأمريكيون أنهم مقاتلون أعداء.
الأرقام والمعلومات التي نشرتها جريدة «واشنطن بوست» تشكل مفاجأة، ليس لأننا أمام مقتل 116 شخصا بريئا براءة مؤكدة، إضافة إلى 2500 شخص يتوقع أن يكون من بينهم أبرياء، كون الطائرات بدون طيار لا تستطيع في طبيعة الحال تمييز المقاتل عن غيره، وإنما المفاجأة تكمن في أن الولايات المتحدة تخوض حرباً صامتة على امتداد الخريطة العربية، وطائراتها تصطاد ما تشاء من الأهداف، ولا توجد لدى دولنا العربية أي سيادة على أراضيها ولا حماية لمواطنيها!
الأرقام ليست مفاجئة بكل تأكيد، لأن أي نظام عربي قتل من أبناء شعبه الأبرياء أكثر بكثير من أولئك الذين سقطوا في الغارات الأمريكية، كما أن الدم العربي يظل رخيصاً لدى العالم ما دام رخيصاً في السوق المحلي، أي أنه مستباح أصلاً من الأنظمة التي يتوجب أن تحميه، فكيف لا تستبيحه الطائرات الأمريكية، سواء تلك التي بدون طيار أو التي تزدحم بالطيارين والعسكريين على متنها؟
ليست المشكلة في عدد الذين قتلوا في الغارات الأمريكية، كما استعرضتهم «واشنطن بوست» باستهجان، لكن المشكلة في أن الولايات المتحدة تخوض حرباً عنيفة وصامتة في الوقت نفسه على امتداد العالم العربي، فالعدد المشار إليه من القتلى (2500 + 116) سقطوا في الغارات التي ضربت أهدافاً في كل من اليمن وليبيا والصومال وباكستان (ثلاث دول عربية) وهذه الدول مصنفة لدى الإدارة الأمريكية بأنها «ليست مناطق حرب» والقيام بعمليات عسكرية فيها يتوجب إجراءات استثنائية، أضف إلى ذلك «مناطق الحرب» وهنا نتحدث على الصعيد العربي عن: سوريا والعراق.
بعيداً عن تصنيفات إدارة أوباما التي لا تهمُّنا على اعتبار أنَّ الدمَ العربي واحد من المحيط إلى الخليج؛ فاننا أمام حرب أمريكية تستهدف خمس دول عربية، اثنتان منها معلنتان هما العراق وسوريا، وثلاث من تحت الطاولة هي اليمن وليبيا والصومال، وربما هناك ثمة أنشطة أمريكية أخرى في أماكن عربية لم يتم الكشف عنها حتى الآن.
السؤال الذي يبدو من حقنا اليوم أن نحصل له على إجابة هو، ماذا تفعل أمريكا في خمس دول عربية؟ وتحارب ضد من ومع من؟ ثم إذا كانت قد قتلت 116 مدنيا بريئاً أمام 2500 مقاتل غير بريء في ثلاث دول عربية لا تخوض فيها حرباً معلنة، فكم عدد ضحايا الحرب المعلنة، وكم من المدنيين الأبرياء قتلت أمريكا في كل من العراق وسوريا؟!
أما السؤال الآخر الذي يبدو أكثر إلحاحاً وأكثر إحراجاً، فهو: من أين تقلع المقاتلات الأمريكية؟ وأين تختبئ طائرات الـ»درونز» ما دامت ليبيا واليمن تبعدان عن أمريكا أكثر من 10 آلاف كيلو متر؟
بمعنى آخر: أليس ثمة أنظمة عربية مجاورة وقريبة تتواطأ مع الأمريكيين في حربهم وتستضيف طائراتهم الـ»درونز»؟ ثم هل علينا أن نستنتج الآن أن ثمة قواعد عسكرية سرية للولايات المتحدة تخوض منها حروبها في المنطقة؟ كل هذه الأسئلة مشروعة، والإجابات عليها ستنكشف يوماً ما، لكنّ التاريخ حينها لن يرحم.
٭ كاتب فلسطيني
محمد عايش