أصدر قضاء البيرو أمرا دوليا باعتقال الرئيس الأسبق للبلاد أليخاندرو توليدو، وخصصت لاعتقاله منحة تقدر بـ30 ألف دولار. ويبدو الإجراء على شاكلة أفلام الكاوبوي، لكن هذه المرة يجب استقدامه حيا وليس «حيا أو ميتا» كما كان في هذه الأفلام.
هذا الإجراء ليس الأول من نوعه الذي يمس رئيسا من منطقة أمريكا اللاتينية، بل العديد من الرؤساء الحاليين والسابقين. ويكشف هذا التوجه إصرار الشعوب على محاكمة رؤسائها المتورطين في الفساد، رغم أن الديمقراطية فتية في المنطقة. ويعتبر قرار اعتقال توليدو صدمة لشعب البيرو، فالرئيس المتابع، الذي يوجد في الولايات المتحدة، يعتبر منعطفا في الحياة السياسية في هذا البلد، فهو السياسي الذي استطاع سنة 2001 إنهاء مرحلة الرئيس فوجي موري الذي فرض نظاما ديكتاتوريا تحت مظهر ديمقراطي، ويوجد الآن في السجن بسبب الفساد. وحمل توليدو شعار «محاربة الفساد»، ويعد الرئيس الذي وضع إجراءات لمكافحة هذه الظاهرة، وتأتي المفاجأة والمفارقة أنه هارب من العدالة في الولايات المتحدة بسبب الفساد. ولا يعتبر توليدو الوحيد، بل اللائحة، خاصة في هذه الأيام طويلة، حيث القضاء يلاحق أو سيلاحق عددا من رؤساء أمريكا اللاتينية، والسبب هو الفساد الذي عممته شركة بناء برازيلية عملاقة تسمى «أودبريشت»، قامت بتشييد طرق ومبان ضخمة في مختلف دول أمريكا اللاتينية، وكانت تقدم رشاوى لتضخيم فاتورة الكلفة المالية، ويحصل رئيس الدولة المعنية على مبالغ مالية في بنوك في مناطق حرة.
ويوجد في لائحة المشتبه فيهم رئيسا البيرو السابقان، كذلك أولانتا هومالا الذي حمل السلاح ضد الفساد، والرئيس آلان غارسيا ورئيس بنما الحالي خوان كارلوس فاليرا، ورئيس كولومبيا خوان مانويل سانتوس، وهناك شبهات حول الرئيس المكسيكي بينيا نييتو، فقد أعلنت النيابة العامة في المكسيك بدء التحقيقات لمعرفة من هو السياسي الذي استفاد من رشاوى هذه الشركة. أما لائحة المسؤولين الثانويين، أي ليسوا برؤساء بل وزراء ووكلاء الوزارات الذين استفادوا من الرشاوى فهي طويلة، فالأمر يتعلق بأكبر فضيحة سياسية -مالية تهز أمريكا اللاتينية. ولا تقتصر ملاحقة رؤساء دول أمريكا اللاتينية في ملف فساد «أودبريشت»، بل يمتد الى ملفات أخرى، فالرئيس البرازيلي السابق لولا دي سيلفا متابع بدوره في ملفات فساد في البرازيل، رغم أنه يعتبر السياسي الأكثر كاريزمية في البرازيل وأمريكا اللاتينية خلال العقدين السابقين. وستخضع رئيسة الأرجنتين السابقة كريستينا كيشنر للتحقيق خلال أبريل المقبل، بسبب التلاعب بصرف العملات لصالح رجال أعمال مقربين منها. ويلاحق قضاء دولة السلفادور الرئيس السابق إلياس أنتونيو ساكا، بتهمة الاغتناء والفساد. واللائحة طويلة ومرشحة للمزيد بسبب شبهات حول رؤساء حاليين مثل تامر في البرازيل وماكري في الأرجنتين.
وتعتبر محاكمة الرؤساء السابقين في منطقة أمريكا اللاتينية ظاهرة لافتة للنظر، بعدما كانت حتى الأمس القريب مقتصرة فقط على الدول الغربية، وبنوع من الاحتشام باستثناء إيطاليا وفرنسا، التي حاكمت رؤساءها السابقين مثل جاك شيراك ونيكولا ساركوزي، وتحقق مع مرشح الرئاسة الحالي فرانسوا فيون أو رئيس حكومة إيطاليا السابق سيلفيو بيرلوسكوني. ويحاول عدد من الرؤساء السابقين المتورطين في الفساد في أمريكا اللاتينية تبرير ذلك بالملاحقة السياسية، لكن هذا التبرير لم يعد يجدي كثيرا، بل بالمرة، أمام الرأي العام. ومن ضمن العوامل التي تفسر هذه الظاهرة التي تتقوى في أمريكا اللاتينية هناك:
في المقام الأول، ارتفاع الوعي السياسي لدى الشعوب، التي لم تعد تقبل رفع الحكام شعارات محاربة الفساد وينتهون متورطين. فمهما كانت درجة الخدمات التي قدمها أي رئيس وارتكب خطأ، فلن يتم التسامح معه. ولعل أبرز حالة في هذا الصدد هي حالة الرئيس البرازيلي السابق لولا دا سيلفا الذي حقق قفزة نوعية بالبرازيل إلى مصاف الدول 15 الأكثر قوة اقتصادية في العالم، ولكن تورطه النسبي في الفساد جعل الرأي العام لا يتسامح معه.
في المقام الثاني، وفي علاقة بالنقطة السابقة إدراك الشعوب بأن الديمقراطية تمت بالتضحية في مواجهة أنظمة عسكرية ارتكبت من الجرائم التي لا يمكن تصورها مثلما حدث في الأرجنتين وتشيلي والبرازيل، وأن المحافظة على الديمقراطية تتم عبر محاربة الفساد.
في المقام الثالث، استقلالية المؤسسة القضائية في عدد من الدول، وعلى رأسها البرازيل والبيرو والأرجنتين، حيث بدأ القضاء كل مرة يبتعد عن السياسيين، ويتحول الى سيف حاد ضد الفساد. وهذه الظاهرة الصحية التي تعيشها دول أمريكا اللاتينية تساعد المواطنين على التشبث بدولة المؤسسات والثقة في النظام الديمقراطي بشكل كبير للغاية، عملا بالمقولة الشهيرة «العدل أساس الحكم». وهكذا، أصبح كل مواطن يتحمل مسؤولية سياسية يخضع لأضواء الكشف عن الفساد، ماذا يمتلك وكيف أصبحت حساباته البنكية وعائلته بعد توليه المسؤولية الحكومية. وكانت منطقة أمريكا اللاتينية تعيش وضعا سياسيا ديكتاتوريا شبيها بالعالم العربي، وربما أكثر بكثير في بعض الدول، لكنها حققت خطوة مهمة جدا وهي إقرار الديمقراطية، ثم انتقلت الى إقرار التنمية الحقيقية، وأخيرا هي في طور تعزيز المؤسسات من خلال محاربة الفساد السياسي- المالي. ماذا لو طبقنا في العالم العربي الخطوات نفسها، بدون شك سيكون عدد من القادة العرب في السجون، ليس بتهمة تلقي رشاوى من مؤسسات كبرى فقط، بل بتهمة الاستحواذ على ممتلكات الشعوب والأوطان في العالم العربي – الأمازيغي. كل الفضائح المالية التي انفجرت مؤخرا من حسابات بنكية سرية في سويسرا وممتلكات مسجلة في بنما كانت أسماء الحكام العرب حاضرة، دون أن ننسى ذكرهم في مجلة «فوربس». الأساسي هناك تجربة تونس مع الرئيس زين العابدين بن علي، وستكون هناك تجارب أخرى، فالتاريخ طويل وذاكرته لا تنسى.
أمريكا اللاتينية تشكل نموذجا بشأن بناء الديمقراطية في وقت وجيز، هو حلم الشعوب العربية، وهو حلم كل فرد ومنهم صديقنا الراحل يوم الأحد الماضي عبد اللطيف حسني، المناضل والمثقف والناشر المستقل والمعتقل السياسي السابق الذي وهب حياته من أجل الانتقال الديمقراطي. لروحك الطاهرة نهدي هذا المقال.
كاتب مغربي من أسرة «القدس العربي»
د. حسين مجدوبي