أمريكا تحاول ترميم علاقاتها مع مصر على أنقاض منازل فقراء «المنطقة العازلة»

حجم الخط
0

واشنطن – «القدس العربي»: الموقف الأمريكي من إقامة منطقة عازلة في رفح واضح جدا ويتلخص في أن لمصر الحق في اتخاذ الخطوات اللازمة للحفاظ على الأمن مع تفهم للتهديدات التى تواجه القاهرة من سيناء على حد تعبير الناطقة بلسان وزارة الخارجية الأمريكية التي أضافت أن الولايات المتحدة تشجع الحكومة المصرية على الأخذ بعين الاعتبار وضعية اللاجئين.
الإدارةالأمريكية أكدت مرارا أنها تدعم الجهود المصرية الرامية إلى اتخاذ خطوات وصفتها بأنها تاتيللدفاع عن حدودها ولهذا السبب قدمت طائرات الأباتشي وحاولت، أيضا، تجاهل انتقادات مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بأن مصر أساءت أو أهملت حقوق الإنسان لسكان المناطق المعنية بالقول إن الولايات المتحدة تعتقد أنه ينبغي على الحكومة المصرية ان تكون قادرة على إتخاذ قرارات بشأن الأمن.
وتصر واشنطن منذ فترة طويلة على أن مصر حليف رئيسي في الحرب ضد الجماعات الجهادية، وعلى الرغم من قطع بعض المساعدات عن القاهرة العام الماضي وسط مخاوف حول انتهاكات حقوق الإنسانإلا أن إدارة اأوباما أرسلت مروحيات أباتشي خصيصا للمساعدة في تأمين سيناء. وأوضحت الناطقة ان الحكومة المصرية تعمل من خلال خطة وان واشنطن تواصل جهودها الرامية إلى اتخاذ خطوات للدفاع عن حدودها، فيما قال كثير من المحللين ان الولايات المتحدة كانت تعلم مسبقا بالمخطط المصري بخصوص المنطقة العازلة قبل حادثة قتل الجنود.
السياسة الخارجية الأمريكية تجاه مصر ظهرت مرتبكة بعض الشيء منذ الإطاحة بالرئيس الأسبق حسني مبارك، ولكن، كما يقول الخبراء،فإن موقف واشنطن من تطورات سيناء أظهر بما لا يدع مجالا للشك العودة للموقف التقليدي التاريخي وهو أن مصلحة الولايات المتحدة تقوم على حاجتها لمصر كشريك أمني استراتيجي وشريك لإسرائيل، وتناست الولايات المتحدة مخاوفها الأصلية بأن مصر ذاهبة إلى مرحلة من عدم الاستقرار المستمر بسبب عدم وجود عملية سياسية مفتوحة وبالتالي تأجيج التطرف وتهديد المصالح الأمريكية في نهاية المطاف.
التحليلات الإعلامية الأمريكية لا تبتعد كثيرا عن الموقف الرسمي لواشنطن فيما يتعلق بضرورة القضاء على الجماعات الإسلامية المسلحة في شبه جزيرة سيناء كجزء من الحرب الكونية ضد الإرهاب وحماية أمنإسرائيل، ولكنها لم تتجاهل كفاح مئات الآلاف من فقراء المنطقة من أجل البقاء على قيد الحياة ضد احتمالات صعبة لا تصدق ورغم ارتفاع مستويات الفقر والأمية في مصر بدرجات استثنائية إلا أن ظروف الحياة أكثر سوءا في سيناء. وهكذا أصبحت أرض سيناء جامحة لا يمكن التحكم فيها وتعج بتجار المخدرات والخاطفين وتحولت إلى ساحة للعنف وأخبار القتل والإعتقالات والتعذيب وسلسلة من انتهاكات حقوق الإنسان.
وشددت القصص الإخبارية الإعلاميةالأمريكية على البعد الإنساني لتهجير أهالي رفح من منازلهم ولكنها لم تذرف دمعة واحدة على التزايد المتوقع لمعاناة أهالي غزة جراء إنشاء المنطقة العازلة التي ستعمل بالفعل على خنق القطاع بطريقة أبشع من الحصار الإسرائيلي، ولكنها في الوقت نفسهلم تتهور بإتهام حركة المقاومة الإسلامية «حماس» بدعم عمليات للجماعات المتشددة ضد الدولة المصرية رغم الحاح الكثير من المسؤولين والعسكريين في مصر على إلقاء اللوم على حماس. وعلى النقيض من ذلككشفت وسائل إعلام أمريكية النقاب عن كثير من مغالطات الإعلام المصري حول هذه المسألة بما في ذلك قصة إتهام قائد من حركة القسام بالتسلل قبل أيام عبر الأنفاق للمشاركة في هجوم على مصر رغم انه استشهد في شهر اغسطس/آب الماضي اثناء العدوان الإسرائيلي على غزة.
ويتخوف الخبراء بشكل عام من ان العقاب المفروض على المجتمعات الحدودية قد يذكي التمرد على المدى الطويل، ومن المرجح ان لا يخمد الغضب الحبيس في نفوس الأهالي رغم الوعود بتعويضهم بمنازل تبعد عشرات الأميال عن موطنهم الأصلي.
ويقرأ المحللون الأمريكيون إنشاء المنطقة العازلة كجزء من عملية عسكرية ضخمة للنظام المصري تتضمن انتشار وحدات قوات العمليات الخاصة بدعم من الجيش والأمن المركزي في مهمة لتدمير معاقل «أنصار بيت المقدس» والميليشيات الإسلامية الأخرى، ولم يتم تحديد حجم هذه الوحدات ولكنها قامت على الفور بتكثيف الأمن ونقاط التفتيش في جميع أنحاء شبه جزيرة سيناء، كما أصدر الرئيس المصري توجيهات للجيش للإنضمام إلى قوات الأمن في حماية المرافق الحيوية. وقد تبين فيما بعد مشاركة هذه الوحدات في عمليات عنيفة تم على إثرها قتل 10 على الأقل من المقاتلين الإسلامين في شمال سيناء. وعلى مدار الأيام الماضية انضمت هذه القوات إلى العمليات الجارية في رفح والعريش والشيخ.
ويؤكد المحللون الأمريكيون أن الجيش المصري يدرس إنشاء قناة على طول الحدود مع قطاع غزة من المتوقع حفرها بحلول عام 2016. ومن المفترض ان تكون القناة بعمق 20 مترا وبعرض مماثل.وقد أدى هذا المشروع إلىإجلاء أكثر من 10 آلاف مواطن وتدمير أكثر من 800 منزل على طول الحدود.وفي المرحلة الأولى تم إخلاء السكان الذين يعيشون في مدينة رفح المقسمة، وكان من الواضح ان مصادرة الممتلكات تتم بالقوة في حالة عدم مغادرة الأهالي بطريقة ودية.
وتدور شكوك بين الخبراء حول نتائج الحملة العسكرية المصرية ضد الجماعات الإسلامية في سيناء وقالوا بأن الجهاديين تكيفوا مع العمليات العسكرية الجارية وتجنبوا بشكل عام الحملات الأمنية ووصلوا إلى القاهرة ودلتا النيل فيما رأى بعضهم ان النهج الحالي لن يهزم جماعة «أنصار بيت المقدس».
من جهتهم يعتقد محللون اقتصاديون ان عدم استقرار سيناء سيظل عقبة أمام استعادة قطاع الطاقة لعافيته حيث أصبحت خطوط أنابيب الغاز الطبيعي أهدافا سهلة للجماعات المسلحة الحريصة على السيطرة على المنطقة أو إرسال رسائل إلى القاهرة. وكانت خطوط الغاز التي تربط المنتج المصري باتفاقيات مع إسرائيل والاردن قدتوقفت ما أدى إلى فقدان الملايين من الايرادات.ويرى هولاء ان التقارير الأخيرة ترسم وضعا مقلقا للمنطقة وليست هنالك ضمانة لإستعادة السيطرة. ومن الواضح ان القضايا الأمنية هي الأكثر إلحاحا بتأثيراتها الكبيرة في قطاعات إنتاج الطاقة والتصدير، وبدون بيئة مستقرة، يقول الخبراء، فإن البنية التحتية الحيوية ستبقى هدفا مفضلا للجماعات المسلحة.
ولمصر تاريخ طويل من تحديات الطاقة، إذ وجدت نفسها معزولة اقتصاديا مما أدى إلى تخفيض الاحتياطات الأجنبية ومحاولات بائسة لمواجهة المدفوعات. وعلى الرغم من الجهود الرسمية لسحب مزيد من الديون من شركات أجنبية إلا ان مصر ما زالت مدينة بحوالي 5.9 مليار دولار، كما عانت صادرات الغاز من زيادة الاستهلاك المحلي خلال أشهر الصيف الحارة وانخفضت مستويات الإنتاج منذ انهيار نظام حسني مبارك.
ويرى المحللون هنا ان التطورات الأخيرة في سيناء ستزيد من ابتعاد المشاركة الأجنبية بسبب حالة عدم اليقين السياسي والقلق بشأن الديون.أما إذا فشلت العملية العسكرية الأخيرة أو امتدت لفترة طويلة فإن من شأن ذلك انهيار قطاع الطاقة بشكل كامل، ناهيك عن ابتعاد شركات التنقيب عن البترول عن المغامرة في مصر رغم تحرك الحكومة وتقديمها الكثير من التنازلات في اتفاقيات التنقيب بما في ذلك منح الفرص في قناة السويس والصحراء والبحر المتوسط ودلتا النيل.

رائد صالحة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية