واشنطن ـ «القدس العربي»: صوت الشعب التركي في 7 حزيران/يونيو لانتخابات برلمانية جديدة فاجأت النتائج الجميع، حيث خسر حزب العدالة والتنمية أغلبيته البرلمانية للمرة الأولى منذ عام 2012 وسيضطر الآن للبحث عن شريك تحالف ليتمكن من البقاء في الحكومة لفترة آخرى. ومن ناحية أخرى، أصبحت أحزاب المعارضة الرئيسية التقليدية بما في ذلك حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية قادرة على تشكيل حكومة أقلية. أما مفاجأة الانتخابات فقد تمثلت في قدرة حزب الشعوب الكردي على عبور عتبة عالية جدا كحزب وليس كمجموعة من المرشحيين المستقلين.
الأمريكيون لم يتستروا على مشاعر الغبطة التي أصابتهم بعد ظهور النتائج حيث برزت عناوين وتعليقات أمريكية تقترح ان تركيا عادت إلى الديمقراطية بعد الانتخابات كنتيجة طبيعة. وقالوا ان الديمقراطية يمكن ان تكون عملية بطيئة ومحبطة وفي كثير من الأحيان تتطلب التغيير التدريجي وتهزها أحيانا اضطرابات ونكسات، وتبدو غالبا بصورة غير مثالية ولا تعمل بالسرعة نفسها في كل مكان وفي كل وقت ولكن هنالك شيئا مؤكدا هو ان الديمقراطية ستنتصر وتعمل.
أصابت صدمة ما حدث في تركيا العديد من المراقبين الأمريكيين ولكن خبراء مستودعات التفكير بما في ذلك المعهد الجمهوري الدولي اعترفوا بانه كانت هنالك الكثير من الاتجاهات الواضحة لبعض الوقت ولكن التغييرات الهائلة حدثت في غضون ساعات في يوم التصويت وهم يرون سببا بسيطا للخلط الكبير في الأوراق في وقت مناسب هو الديمقراطية.
يعترف المحللون الأمريكيون ان حزب العدالة والتنمية الذي هيمن على العالم السياسي في تركيا لفترة تتجاوز 13 سنة قد نفذ الاصلاحات الاقتصادية والهيكيلية بنجاح وحسن من نظام الرعاية الصحية وساعد على رفع مستوى معيشة الملايين من المواطنيين، والأهم من ذلك كله، انه أستمع إلى الناس ولم يكن هنالك التباس بين الحزب وناخبيه، وكان لقيادات الحزب طموحات جادة ولديهم القدرة على تفسير احتياجات اولئك الذين وضعوا ثقتهم بهم.
وهكذا كما يضيف الخبراء تحولت احتياجات الناس إلى سياسات قابلة للحياة، وفي المقابل منح الناخبون مكافأة للحزب في كل دورة انتخابية، وهذا في طبيعة الحال، المبدأ الرئيسي للديمقراطية السليمة، وجود علاقة مباشرة ودون انقطاع بين الناخبين وممثليهم، وهي علاقة يرى خبراء المعهد الجمهوري الدولي انها ستنعكس في الاقتراع العام. وفي النموذج التركي سلم غالبية الناس بنوايا حزب العدالة والتنمية من أجل مصلحة الشعب، إذن .. ماذا حدث؟
التفسير الأمريكي يجيب على علامات الاستفهام بالقول ان الأمور بدأت تتغير في تركيا منذ بداية العام الحالي حيث تغير التفاهم بين حزب العدالة والتنمية وناخبيه كما أفادت استطلاعات الرأي التي أجرتها مراكز الدراسات الأمريكية، حيث أشارت الاستطلاعات بوضوح إلى نتيجة واحدة هي ان التفاهم الضمني بين غالبية الناخبين الأتراك والمؤسسة السياسية قد بدأ يضعف، مثلا، قال 54 في المئة ان البلاد تسير في اتجاه خاطئ، وقال 48 في المئة ان الأوضاع الاقتصادية تبدو سيئة مقارنة بما كانت عليه قبل 5 سنوات، وأكد 60 في المئة ان الحكومة لم تحقق تقدما في حل القضايا الأكثر اقلاقا، ولكن الأهم من ذلك كله يكمن في حقيقة ان الغالبية العظمى من الناخبين اتفقوا مع أقوال المعارضة ان اقتراح الرئيس رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية لتغيير الدستور وتحويل تركيا من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي، سيقود البلاد إلى نموذج مفرط في المركزية والحكم السلطوي.
ووفقا لوجهة النظر الأمريكية غير الرسمية فقد بدأت الديمقراطية في تركيا تعاني وانعكس ذلك في الرأي العام وظهرت دعوات تؤكد على أهمية معالجة الثغرات في التفاهم بين المؤسسة السياسية والشعب، لان عدم معالجتها سيظهر على السطح عاجلا أو آجلا وهذه قاعدة بسيطة أخرى للديمقراطية.
ويقول السفير الأمريكي السابق مارك غرين رئيس المعهد الجمهوري ان تركيا برهنت في الانتخابات الأخيرة انها لم تفقد تركيزها على الديمقراطية الأساسية على الرغم من اختفاء بعض معالمها في العامين الماضيين. مضيفا ان التاريخ التركي سجل العديد من التدخلات العسكرية في العملية الديمقراطية ولكن تركيا أظهرت انه يمكن اجراء انتخابات نزيهة وحرة كما انتخب الشعب التركي حوالي 97 سيدة جديدة للجمعية الوطنية الكبرى في سابقة تاريخية، ناهيك عن الثراء العرقي والتنوع أكثر من أي وقت مضى.
ويستنغ غرين قال بوضوح ان الديمقراطية لم تختف من تركيا حيث قال الشعب كلمته بعد 13 سنة من حكم الحزب الواحد ولكنه توقع فترة طبيعية من عدم الاستقرار السياسي لان الأطراف تسعى إلى الوفاء بالموعد النهائي لتشكيل الحكومة والذي لا يتجاوز 45 يوما، وأشار غرين باحترام إلى اعتراف رجب طيب أردوغان بالضربة القوية ونتائج الانتخابات وقوله:»احترام امتنا هو فوق كل شيء آخر .. من المهم لجميع الأطراف السياسية اظهار الحساسية والمسؤولية اللازمة للحفاظ على الاستقرار ومناخ من الثقة في البلاد فضلا عن المكاسب الديمقراطية».
حاول الإعلام الأمريكي قراءة الانتخابات بهدوء بعد صخب النتائج حيث استنتجت صحيفة «يو اس ايه توداى» ان نتائج الانتخابات قد تقود إلى سلام مع الجماعات الكردية المتمردة، وقالت ان مدينة ديار بكر، وهي مدينة قديمة تقع في جنوب شرق تركيا، قد شهدت لأكثر من ثلاثة عقود معارك مستمرة بين الحكومة والمتمردين الأكراد ولكن الأعيرة النارية التي اطلقت في شوارع المدينة بعد الانتخابات كانت للاحتفال بحقبة جديدة من السلام، حيث فاز حزب الشعوب الكردي بـ80 مقعدا في البرلمان وتجاوز عتبة العشرة في المئة المطلوبة لدخول البرلمان.
ونقلت الصحيفة عن الزعماء الأكراد القول بانهم أقوى وهم في البرلمان وانهم سيستمرون في دعم التوصل لحل سلمي مهما كانت الظروف رغم القاء اللوم على أردوغان بتوقف المحادثات. أما في ديار بكر فقد احتفل السكان وكأن هنالك تسوية سلمية تمهد لنزول ابنائهم قريبا من مخابئهم في الجبال.
ورأت قناة «فوكس نيوز» ان نتائج الانتخابات التركية كانت بمثابة توبيخ مذهل للرئيس التركي الذي هيمن على الحياة السياسية لسنوات طويلة وان الناخبين الأتراك قرروا إنهاء حكم الأغلبية لحكومته أما المنتصر الأول من الانتخابات فكان بلا شك المحامي الكردي صاحب الشخصية الكارزمية صلاح الدين دميرتاش.
وقال ستيف فوربس رجل المال الدولي المعروف:»نعم هنالك الكثير للاحتفال من الانتخابات التركية». في حين اوضح فرانسيس ريتشاردوني، السفير الأمريكي السابق لدى تركيا والذى يرأس حاليا مركز المجلس الاطلسي ان قوة الديمقراطية التركية ومؤسساتها ومجتمعها المدني كانت مشجعة للغاية.
ووفقا لـ «فوكس نيوز» فقد تحول الأكراد من جماعة تقاتل إلى حزب ليبرالي يدافع عن حقوق المرأة والأقليات.
وحذر العديد من المحللين من التسرع في تفسير نتائج الانتخابات لان حرمان حزب العدالة والتنمية من الحصول على الأغلبية اللازمة للحكم سيدفعه من أجل تشكيل حكومة ائتلافية إلى التوصل لتحالف مع واحد من 3 أحزاب معارضة وإلا ستشهد تركيا انتخابات جديدة. ومع استبعاد زعماء المعارضة احتمال التحالف فان المستقبل السياسي التركي لا يزال غامضا كما ان عملية السلام لا تزال بعيدة المنال.
رائد صالحة