أمريكا تنتهج سياسة «أفضل الخيارات السيئة» مع بوتين: واشنطن تخوض معركة دبلوماسية لجلب موسكو نحو «تحول سياسي» في سوريا

حجم الخط
2

واشنطن ـ «القدس العربي»: وصف البيت الأبيض أحدث مناقشات بين الرئيس الأمريكي باراك أوباما ونظيره الروسي فلادميير بوتين حول سوريا بانها «عملية وصريحة» تهدف إلى إحداث تحول سياسي داخل البلاد الغارقة في حرب أهلية. وفي تصريح مثير للاهتمام، أشاد المتحدث الرسمي للإدارة الأمريكية جوش ارنست، بالدور البناء لروسيا في عملية التوصل إلى حل سياسي في سوريا رغم الاختلافات الواضحة بين الجانبين في المعركة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» إذ اشتكت واشنطن، مرارا من «ازدواجية المعايير» التي ينتهجها الكرملين في تحديد الإرهابيين في إشارة إلى استهداف الجماعات السورية المعارضة التي تدعمها الولايات المتحدة.
الولايات المتحدة أدركت، أيضا، بعد مرور أكثر من مئة يوم على التدخل العسكري الروسي في سوريا نجاح بوتين في تحقيق هدفه المركزي بالحفاظ على استقرار نظام بشار الأسد بتكاليف منخفضة نسبيا رغم التعليقات المتكررة من أوباما وكبار مساعديه حول «عدم حكمة العملية الروسية « وفشلها في نهاية المطاف، وهي تصريحات تتعارض بشكل متغرطس مع الإستنتاج السليم الذي خرج به الخبراء حول نجاح موسكو حتى الآن في مغامرتها في سوريا.
وقد أدانت إدارة أوباما مرارا الدور الروسي في سوريا حيث أصدرت وزارة الخارجية بيانات متوالية حول زيادة سقوط ضحايا من المدنيين بسبب العمليات العسكرية الروسية، وانتقدت واشنطن، أيضا «الهجمات العشوائية» التي شنتها الطائرات الروسية لأنها كما جاء في أكثر من بيان قد شردت أكثر من 100 ألف نسمة، ولكن، بعيدا عن الحرب الكلامية في الشأن السوري، تشير الدلائل إلى تقبل أمريكي لدور روسي في الأزمة السورية.
وكنموذج على هذا، سيلتقي وزير الخارجية الأمريكي جون كيري مع نظيره الروسي سيرغي لافروف في زيوريخ بعد أيام لمناقشة الصراع السوري بناء على تعليمات من أوباما وبوتين بعد محادثتهما الهاتفية الأخيرة. ورغم حرص الخارجية الأمريكية مرة أخرى على التنديد بالهجمات على المدنيين من قبل روسيا وقوات النظام السوري إلا ان تركيز كيري قبل الاجتماع المذكور كان منصبا على دعوة روسيا للضغط على حلفائها في سوريا للسماح بمرور المساعدات الإنسانية للشعب السوري ولا سيما في الأماكن المحاصرة والتي يصعب الوصول إليها.
وفي الواقع، برزت روسيا كشريك دبلوماسي وأمنى للولايات المتحدة في سوريا على الرغم من معارضة إدارة أوباما لدعم موسكو للرئيس السوري بشار الأسد، ويشمل هذا التعاون حتى الآن على الاتصالات الدبلوماسية والعسكرية والاستخبارية العادية كما تطور التعاون إلى حد التوصل لتنفيذ عملية دقيقة لمنع الاشتباك فوق الأجواء السورية لتجنب سوء فهم كارثي، وهنالك اعتقاد بين عدد غير قليل من مسؤولي الإدارة الأمريكية بأن العمل مع روسيا هو»أفضل الخيارات السيئة» مع آمال واسعة في واشنطن بان بوتين سيدعم الجهود الأمريكية للتفاوض على وقف إطلاق النار. ووفقا لتوضيح من مسؤول بارز في الإدارة الأمريكية فإن هناك اعتقاد ان موسكو ستكون بلا شك جزءا من أي حل سياسي في سوريا على الرغم من الشكوك المحيطة بالنوايا الروسية بدليل درجة الاتصالات القائمة حاليا بين الطرفين.
ووفقا لاعترافات رسمية من واشنطن وموسكو فإن العقبات الرئيسية التي تحول دون تركيب آلية سلام في سوريا تتمثل في غياب التماسك وتباين المصالح بين الجهات المعنية وخاصة بين الولايات المتحدة وروسيا، وفي نهاية المطاف، لا يمكن التوصل لحل دبلوماسي شامل في سوريا دون اتفاق أمريكي ـ روسي يخضع لتنازلات من الطرفين ولكن المشكلة تكمن في اعتقاد كلا من واشنطن وموسكو بإمتلاك خيارات إضافية قد تقلب موازين اللعبة الحالية، والحل سيظهر بالتأكيد عندما يدرك الجميع ان هذه الخيارات غير مفيدة على المدى الطويل إذا تم استثمار المحادثات الحالية بشكل جيد للتوصل إلى حل سياسي. وبلا شك فإن إشارة بوتين إلى أنه قد يمنح اللجوء السياسي للأسد تعتبر خطوة تقترب من موقف الولايات المتحدة ناهيك عن الإشارات المتكررة لوشنطن حول احترام موقع موسكو في أي حل سياسي قريب في سوريا.
وزير الدفاع الأمريكي اشتون كارتر كان أكثر حسما في انتقاد الدور الروسي في سوريا حيث قال، في وقت سابق من الشهر الحالي، ان الولايات المتحدة لا ترتبط قطعيا مع روسيا في الصراع الدائر ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا مؤكدا ان التصرفات الأخيرة لموسكو قد صبت البنزين على الحرب الأهلية، وفي إشارة واضحة للغياب الروسي المتعمد في اجتماع مقبل يهدف إلى بناء تحالف أكبر ضد الجماعة المتطرفة، أوضح كارتر ان بإمكان الروس الدخول في التحالف إذا كانوا يسيرون في طريق استراتيجي صحيح ولكنهم حضروا إلى سوريا بزعم محاربة تنظيم الدولة بينما كانوا في الواقع يدعمون نظام الأسد. وفي الواقع، تصاعدات الاتهامات الدولية بأن الضربات الجوية الروسية استهدفت المدنيين والمدارس في مناطق لا تسيطر عليها جماعة «الدولة الإسلامية» وهكذا، يتم النظر إلى هذه الإجراءات من قبل المجتمع الدولي على أنها لا تستهدف محاربة الإرهاب بل دعم حكومة مستبدة. وحسب وجهة نظر صريحة لكارتر فإن الأسد هو سبب الحرب الأهلية التي تغذي تنظيم «الدولة» وحتى لو زعم الروس أنهم يحاربون التنظيم فإنهم على حد تعبير كارتر يصبون البنزين على الحرب الدائرة. وخلص كارتر إلى القول ان هذا هو خطأ الاستراتيجية الروسية ولذا لا يمكن القول ان الولايات المتحدة تشاركهم. ومن الواضح ان وزارة الدفاع الأمريكية تتحرك في اتجاه مغاير لدبلوماسية أوباما وكيري، فهي تدرس حاليا مخططات لتجهيز وتدريب جماعات مسلحة لمحاربة قوات النظام في شمال سوريا بناء على طلب من تركيا وهو أمر بالتأكيد يتعارض مع هدف موسكو المركزي في الحفاظ على نظام الأسد.

رائد صالحة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية