ما يغري بقراءة كتاب «أمريكا»، بل بإعادة قراءته، هو أن كاتبه فرانز كافكا، لم يزر تلك البلاد أبدا. إنه كتاب من صنع المخيّلة إذن، وينبغي لذلك أن يكون كتاب نبوءة يصف ما سيكون عليه مستقبل ذلك العالم الجديد، الذي كأنه خلق من لا شيء، لكن هذا الخلق لم يكن قد اكتمل بعد، في سنة 1913، حين كتب كافكا الفصل الأوّل من كتابه ونشره منفصلا.
صحيح أن هناك أبنية مذهلة الارتفاع، كما يرد في سياق الوصف المستمر الذي لا ينقطع لما يصادفه الفتى كارل روسمان بطل الرواية، القادم من ألمانيا، لكن دائما هناك ما يدلّ على أننا في ورشة هائلة. كل شيء هو في طور بنائه أو تأسيسه، ذلك المنزل الهائل الضخامة الذي أُنزل فيه كارل، ثم لم يلبث أن طُرد منه، ما زالت فيه أقسام لم يُعرف بعد كيف ستكون هندستها. ثم أن البشر هناك، أولئك الذين يتعرّف إليهم ذلك الفتى، هم مثله قدموا للتوّ ليبحثوا عن عمل ما في هذه الورشة، وكلهم أيضا يسعون إلى تعلم الإنكليزية، جواز بقائهم في هذا العالم.
وعلى الرغم من أننا في زمن بداية أمريكا، أو في مرحلة ما من تلك البداية التي بوشر بها قبل نحو أربعة قرون، إلا أنّ كل ما يُبنى يتجاوز المعهود، في كل مكان في العالم، أو في أوروبا تخصيصا، تلك التي قدم منها كارل. ويبدأ ذلك من لحظة الوصول، من الباخرة «الضخمة إلى حد مخيف» التي أقلّته إلى هنا، والتي، هنا فقط عند الوصول، اكتشف أنها كذلك، حيث راح فيها «يشق طريقه في جهد، بين الحشد الهائل من المسافرين، هابطا الدرجات الحلزونية التي لا نهاية لها، وعبر ممرات لا حصر لمنعطفاتها». ومثل ذلك هو البيت الذي أُنزل فيه كارل، كذلك هو الفندق الذي عمل فيه حارسا لواحد من مصاعده الأربعين. ومثل ذلك «مسرح أوكلاهوما» الذي بدأ بتجميع الآلاف من المتقدمين للعمل ليكونوا موظّفي أقسامه التي لا حصر لها هي أيضا. وكذلك حين يطل كارل من الشرفة ليتبين الضجيج الذي يطلع من الشارع فيرى، أو يصف، المواكب الهائلة المؤيدة لمرشحي الانتخابات الكاريكاتيريين.
هكذا تتبدّى أمريكا في مخيّلة كافكا كيانا منفوخا إلى حدّ خرافيّ، أما تنظيم تلك الضخامة فيجري في آليات ساخرة ولا عقلانية. فالمقلب الآخر لتنظيم ذلك المشروع الهائل يُظهر البؤس الذي يقيم فيه أولئك الباحثون عن الفرص التي تتيحها أمريكا. وهو بؤس لا يستثير شفقة أو تعاطفا. فذلك الشاب الفرنسي، روبنسون، صديق كارل ثم عدوّه، لا تختـــلف طبائعـــه بين حـــدّي العداوة والصداقة.
حتى حين أنهكه المرض ظل عدائيا وكريها ومتربصا بأن يوقع بكارل. أما برونيلدا، تلك التي أُجبر روبنسون على أن يكون خادما لها وعبدا، وسيليه كارل في وظيفته هذه بسبب مرض صديقه/ عدوه، فيمكن أن تكون مثالا للتحكم وعدم القدرة على الحركة، كما على قبح الهيئة وإثارة الغريزة الجنسية في وقت واحد معا.
ذلك الفتى، كارل، أوقعته أمريكا في ما لم تنشئه عليه أوروبا. التدرج المنطقي في التفكير، والنتيجة التي تتمخض عن سبب أو أسباب، ذلك التدرج العقلي لا يُعمل به هنا، حيث لا يلبث كل شيء أن يظهر مخالفا لما كان يَعِد به. كما أن الأفعال وردود الأفعال لا تستوي في سياق طبيعيّ. وإذ تحدث الأشياء من دون مقدمات كافية، تعود فتنقلب إلى ضدّها من دون مبرّر لذلك. فها هو كارل يُستقبل بحفاوة بالغة في منزل خاله السيناتور، لكنه سريعا ما يُطرد منه كلّيا وإلى الأبد لأنه تأخر في سهرته عند صديق خاله. وفي الفندق، حيث عمل كارل صبيّ مصعد لشهرين، مُجدّا متفانيا في عمله، لم يجد أحدا هناك يرأف به لأنه ابتعد دقيقتين (بالتمام) عن مصعده، فلُعن وطرد إلى غير رجعة. *
فقط في المقطع الأول من صفحة الكتاب الأولى يلفتنا كافكا إلى أثر أمريكي فعلي هو تمثال الحرية حيث «كانت الذراع القابضة على السيف قد ارتفعت كأنها قد انفردت لتوها مرفوعة إلى الأعلى». سوى ذلك لا يحتوي الكتاب على شيء أو أثر من أمريكا. ما ولّد منه كافكا ذلك الفيض الهائل من الأوصاف والأحداث والشخصيات هو الأفكار وحدها، ما كان عُرف أو أشيع عن هذا البلد الجديد. كان على مخيلة كافكا أن تعمل بكل طاقتها لتستولد أثرا كتابيا بهذه الأهمية وهذا الحجم، وهو ربما استنفد تلك الطاقة كلّها قبل أن ينهي فصله الأخير «مسرح أوكلاهوما الطبيعي». لقد ترك الكتاب من دون نهاية، بل أن هذا الفصل الأخير، غير المكتمل، يبدو وكأنه أقحم في سياق الكتاب إذ هو يبدأ من حيث لم ينته شيء. كأن الكاتب سعى إلى تحويل المجرى العريض لأحداثه روايته فانعطف من السخرية السوداء، راغبا في إنهاء كتابه «بنوع من التوافق الشاعري الحزين مع الحياة»، كما كتب ماكس برود حافظ وصية كافكا وناشر أعماله بعد وفاته.
«أمريكا» ليس الكتاب الوحيد الذي تركه كافكا من دون نهاية. لكن ما يدفع إلى التساؤل هو إيقافه الكتاب وهو في أهم فصوله الكتابية، «فصل الذروة» كما يمكن أن نقول. لعل ذلك يستحق نقاشا طويلا لا أحسب أن القراء العرب للكتاب قد وقفوا عنده.
رواية «أمريكا» لفرانز كافكا صدرت طبعتها الألمانية الأولى عام 1927، بتأخر 13 سنة عن إنهاء كتابتها في 1914. في عام 1970 نقلها الدسوقي فهمي إلى العربية حيث صدرت عن «دار الهلال».
وقد أعيد إصدارها، بالترجمة ذاتها، عام 2007 عن «مكتبة الأسرة». وفي منتصف شهر حزيران/يونيو الفائت أعادت دار الهلال إصدارها من جديد، وأيضا بنصّها العربي الأول ذاته.
٭ روائي لبناني
حسن داوود