أمريكا والقضية الفلسطينية

حجم الخط
0

بعد أن حصل التغير في ميزان القوى الدولي لصالح الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية، واصبحت أمريكا الدولة الأولى في التصنيف العالمي، بدأت تمسك بكافة ملفات القضايا الدولية وسعت لحل تلك القضايا وفق رؤيتها ومصالحها. ومن تلك القضايا ملف القضية الفلسطينية وهو انشاء واقامة دولة اسرائيل على اراضي فلسطين، فعملت على اخذ ملف هذه القضية من الدول الاستعمارية القديمة، التي تمت ازاحتها من مواقعها الدولية المتقدمة، لاسيما بريطانيا، التي كانت تمسك بجل خيوط الأزمات والقضايا الدولية ومنها القضية الفلسطينية، فبريطانيا هي التي اطلقت وعد بلفور وهي التي أوجدت دولة اسرائيل على ارض الواقع .
كانت النظرة الأمريكية لحل القضية الفلسطينية تتمثل في تعميم القضية من قضـــية فلسطينـــية لقضية الشرق الأوســط، وصارت تتحدث عن السلام وايجاد دولة فلسطينــية، وكانت تبغي من كل ذلك أن تكون هذه الــدولة فاصلا بين اسرائيل والدول العربية الأخرى، لتحجيم اسرائيل من التمدد الى اراضي الدول الأخرى.
بعد أن رأت التفلت الاسرائيلي من الحلول والمخططات والمشاريع التي طرحتها، وسعت أمريكا لإرهاق المنطقة بالحروب والأزمات والمشاكل ليندفع الجميع للارتماء في حضنها، وبالتالي تحل هذه المشكلة وفق رؤيتها ومصالحها، الا أن المخططات الأمريكية لم تر النور، لانشغال أمريكا بقضايا دولية جسيمة، لاسيما صراعها الدولي مع الاتحاد السوفييتي وبعض الدول الأوروبية، وخلال هذا الانشغال المرهق تجمد ملف قضية الشرق الأوسط، استغلت اسرائيل حالة الانشغال هذه فتمددت وتوسعت. بعد انهيار المعسكر الشرقي (الاشتراكي ) وكتلته وتفكك اتحاده الى دول ضعيفة تنتظر المعونات من المؤسسات الدولية، وفقدان الدول الاوروبية الفاعلة دوليا للكثير من مستعمراتها وتراجعها دوليا، سعت أمريكا لتحريك عجلة حل القضية من جديد فتلقفت الاتفـــاق الفلسطيني الاسرائيلي الذي تم الاتفاق عليـــه في اوسلو، وعلى أساسه وجدت السلطة الفلسطينية، لكـــن العـــجلة توقفـــت لانشغال أمريكا بما سمته محاربة الإرهاب، وهو قضية اولى واهم واكبر بالنسبة لها من القضية الفلسطيــنية، فكان احتلال العراق وافغانستان وتشـــعب انتشار القوات الأمريكية في الكثير من مناطق العــالم هذا الانشغال في الحرب الجـــديدة اســـتغلـــته اسرائيل فأطلقت يدها في الأراضــي الفلســـطينية التي احتلــتـــها في يونيو 1967 فانتشرت المســـتوطــنـات في كل زاويـــة من اراضي الضفة والقدس، وشقت الطرق الالتــفافية، ما أدى الـــى تمزيـــق مدن الضــــفة عن بعضـــها وتحولت الى كانتــونات، وصار ايجاد دولة فلسطينـــية مترابطة الأوصال امرا مستحيلا واصيــبت فكرة ايجاد هذه الدولة في مقتل. أمريكا ادركت هذا الواقع وما آلت اليه فكرة إيجاد دولة فلسطينية على اراضي عام 1967 حتى لا تظهر بمظهر العاجز الفاشل لحلها لهذا الملف، وحتى تبقى خيوط اللعبة في يدها وحدها كانت بين الفينة والأخرى تطرح مبادرات وخرائط طرق في واقعها لا تتعدى اللقاءات الودية غير المثمرة ، فاستمر الحال حتى تجلل العالم بقضايا دولية كبرى، أبرزها الربيع العربي والأزمات الاقتصادية المتتالية التي ضربت العالم فانكفأت أمريكا للاهتمام بهذه الملفات الطارئة والشائكة واهملت القضية الفلسطينية، وبذلك ظهـــر الموت السريري للسلام، ولحل هذه القضية وظهرت اسرائيل على الحقيقة برفضها إيجاد دولة فلسطينية قابلة للحياة، وانها لا تقــــبل اكثر من سلطة امنية ممزقة ومقطعة الاطراف. بهذا الواقــــع اصبحت السلطة بدون سلطة ولا تملك من أمر الحل شيئا فأمريكا منشغلة بقضايا اكبر واهم من هذه القضية، حسب تصورها واسرائيل تلتهم الإراضي صباح مساء.
السلطة حتى لا تفقـــد مبررات وجودها من وجهة نظرها، اصبحت تسعى لتدويل القضية وهي تدرك تــمــــاما الــــموقف الأمريكي الفاعل والمؤثر في افشال توجـــــهاتها، لكنها تصر على التوجه للمؤسسات الدولية حتى تظهر انها لا تعدم سبل حل للقضية ولا تصبح فكرة المطالبة بحلهــــا فكرة جماهيرية.
الواقع والامور والمواقف الدولية والاسرائيلية يدللان وبشكل قاطع على أن ايجاد حل للقضية الفلسطينية اكثر مما حاصل (سلطة تحت الاحتلال) هو ضرب من الخيال وفكرة مستحيلة، أي أن النظرة الأمريكية لحل القضية ماتت واصبحت من التاريخ، فإسرائيل تلتهم اراضي الضفة والقدس صباح مساء وتبني المستوطنات التي اصبحت تحيط بمدن الضفة والقدس إحاطة السوار بالمعصم. أمام هذا الحال والواقع لا بد من إعادة القضية الفلسطينية الى عمقها العربي والاسلامي.

٭ كاتب فلسطيني

عطية الجبارين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية