أمل واقعي

حجم الخط
0

إن روغل ألفر مُحق في تشخيصه بأن»الموقف الصهيوني الوحيد الذي يؤخذ في الحسبان» من ناحية عاموس شوكن، هو الذي ينص على أنه يجب على دولة إسرائيل «فعل كل شيء من اجل القضاء على سلطة الابرتهايد اللاصهيوني في المناطق» والسعي نحو الاتفاق مع الفلسطينيين. هذا الموقف ليس واقعيا («هآرتس»، 28/8). ولكن خلافا لرأي ألفر، ليس بالضرورة الاستنتاج بأن الموقف الصهيوني غير الواقعي لشوكن غير قابل للتطبيق.
إن اسباب عدم واقعية انهاء الاحتلال والاستيطان تكمن، قبل أي شيء، في حقيقة أن اغلبية الجمهور اليهودي في إسرائيل ليست شريكة (بل تحتقر) صرخة بقايا اليسار الإسرائيلي، الذين يُحذرون مرة تلو الأخرى من أن استمرار استعباد الشعب الفلسطيني يحمل في ثناياه كارثة وجودية لمستقبل الشعب اليهودي السياسي.
إن صهيونية شوكن غير الكولونيالية الصهيونية تُشبه الصهيونية السياسية في بداية طريقها. ومثلما أن الاصوات القليلة التي تعارض الاحتلال والمستوطنات في إسرائيل تثير ردود الفعل في اوساط الأغلبية التي تراوح بين الدهشة وبين الرفض، فان هذا ما حدث عندما توجه تيودور هرتسل بشكل أولي إلى اليهود من أبناء زمنه، وطلب الاشارة إلى الاخطار التي تنتظر اليهود في العالم المتنور، طالما أنه ليس لهم حل قومي سياسي. وقد كان الجواب في معظم الاحيان هز الكتف، بل ايضا التساؤل عن وضعه النفسي. وعلى الرغم من ذلك، ورغم أن هذا كان موقف الاقلية في اوساط اليهود لسنوات طويلة، فقد حققت الصهيونية السياسية انجازات ملفتة.
من الواضح أنه لا يمكن الاستخلاص من نجاح الصهيونية السياسية التاريخي، لا يمكن استخلاص أي شيء من نجاح شوكن في المستقبل. ولكن هناك على الأقل مجال لتقديم توصية للصهيونية التي تعارض الاحتلال وهي أن تتأمل الماضي من اجل معرفة الأدوات التي ساعدت الصهيونية السياسية في حينه، ويمكنها ايضا تبني بعض هذه الأدوات من اجل تحويل موقفها غير الواقعي إلى أمر يمكن تحقيقه.
لا شك أن الأداة الأكثر نجاعة، والتي بمساعدتها نجحت الصهيونية السياسية في تحقيق الهدف، «اقامة دولة اليهود»، كانت العمل الدبلوماسي المنهجي مع القوى العظمى لاقناعها بالاعتراف بحق اليهود بالسيادة القومية. وكلما كان الحديث عن حيوية الجبهة الدبلوماسية، فان صهيونية شوكن موجودة على الطريق الصحيح. لأنه يعلن بشكل منهجي ومكشوف أن الضغط الدولي هو فقط الذي سيدفع إسرائيل إلى التنازل عن نظام الابرتهايد المناقض للصهيونية، والذي هو مفروض في المناطق المحتلة.
يعتقد ألفر أن شوكن يُعبر بذلك عن تناقض في موقفه الصهيوني. لأن من يراهن على تدخل جهات اجنبية في سياسة إسرائيل السيادية لا يمكن اعتباره صهيونيا. ولكن من الصعب الموافقة على هذا الادعاء. ففي الوقت الذي كان فيه الاعتراف بحق الشعب اليهودي في تقرير مصيره هو الانجاز الأهم، فان سياسة الاحتلال والمستوطنات أضرت بهذا الحق دائما.
هذا الامر يحدث لأن إسرائيل تدوس على مبدأ تقرير المصير الذي بُنيت عليه من خلال حرمان الفلسطينيين من حقوقهم القومية السيادية. وهذا يحدث ايضا لأن المستوطنات التي تُقام تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية خارج حدودها، تناقض القانون الدولي، الامر الذي يحول إسرائيل من دولة قومية اخلاقية إلى كيان أسير بين دولة قانون وبين حركة قومية لا تعرف الحدود، حيث إن شرعية وجودها مشكوك فيها. لذلك فإن الصراع الذي لا هوادة فيه ضد المشروع الكولونيالي الإسرائيلي في المناطق، والذي يسعى إلى انقاذ حق تقرير المصير الغالي لإسرائيل، هو صراع صهيوني واضح. وتلك الأدوات التي كانت شرعية ومناسبة في الصراع الصهيوني في السابق من اجل تحقيق هذا الحق، أي الصراخ من اجل طلب المساعدة من أمم العالم، هي أدوات صالحة ومشروعة بنفس القدر في الصراع من اجل النجاح في الحاضر. هنا نصل إلى المشكلة الحقيقية في صهيونية شوكن، المتعلقة بالموقف الإسرائيلي المعارض للاحتلال والمستوطنات عموما. هذه المشكلة تكمن، ليس في حقيقة أن من يؤيدون الصهيونية مثل شوكن، يشكلون اغلبية قليلة في اوساط المواطنين في إسرائيل، بل إن هذه الاقلية غير مبلورة أو منظمة بما يكفي.
يجب على هذا الوضع أن يتغير وبسرعة. ويبدو أن هناك فرصة، ولو ضئيلة، أنه على أبواب انتهاء ولايته، يفحص براك اوباما امكانية تبرير جائزة نوبل للسلام التي حصل عليها وسحب الفيتو الأمريكي الذي يستخدم بشكل تلقائي ضد كل تنديد بإسرائيل المحتلة في مجلس الامن التابع للامم المتحدة. هذا الفيتو هو الذي يسمح لإسرائيل بالغرق أكثر وأكثر في الوحل الكولونيالي. ولكن من اجل تحريك خطوة أمريكية كهذه مطلوب تأييد منظم من قبل الجمهور في إسرائيل، الموحد بمعارضته للاحتلال. هناك حاجة إلى سياسيين متقاعدين ونشطاء جماهيريين ورجال أدب واكاديميين من اجل القول بوضوح وبوطنية، إسرائيلية وصهيونية، كيف ولماذا استمرار الاحتلال والمستوطنات يعرض حقنا في تقرير مصيرنا للخطر.
حتى لو لم يؤثر ذلك على الرئيس الأمريكي، حيث إنه خلال اشهر معدودة يصعب القيام بالخطوات التي تحتاج إلى سنوات من التحضير، وفي جميع الحالات ستكون هذه علامة فارقة في التبلور الداخلي لحركة المقاومة الإسرائيلية للاحتلال والمستوطنات. هذه مرحلة بدونها لن نصل إلى انجازات سياسية ذات وزن.

هآرتس 6/9/2016

أمل واقعي
إسرائيل تتحول من دولة قومية أخلاقية إلى كيان أسير بين دولة قانون وبين حركة متطرفة
ديمتري شومسكي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية