أموال الضرائب الفلسطينية في شبكة الابتزاز الإسرائيلية

■ بعد أن حقق رئيس حزب الليكود الإسرائيلي (رئيس الوزراء) بنيامين نتنياهو أهدافا مبتغاة من حملته على الفلسطينيين، واستنفر غرائز العداء تجاههم، وأعلن أنه لا يعتقد بأن دولة لهم، يمكن أن تقوم لها قائمة إلى جانب إسرائيل في زمانه، على عكس ما كان صرح به من قبل في جامعة بار إيلان.
وقد تجاوز في حملته الانتخابية تطرف أحزاب اليمين الأخرى، وحصد أعدادا من النواب فاقوا كل استفتاءات الرأي من قبل، وهذا ما أرجعته الأوساط المتابعة إلى أن ذلك جاء على حساب الأحزاب المتطرفة الأخرى، وخصما من حصتها؛ لم يكتف نتنياهو بذلك في حملته ضد الفلسطينيين، بل أنه أخذ في البحث عما يمكن أن يزيد الأذى والتعطيل في حياتهم، خصوصا أنهم تقدموا بطلب للانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية، يمكن بعد قبوله – وفعلا فإنه تم قبوله في أوائل هذا الشهر – رفع دعاوى على الدولة أو الأفراد في إسرائيل.
وقد قر قرار الكيد والحقد والتعطيل لدى نتنياهو وحكومته، إلى حجز أموال الضرائب التي تجبيها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية، والتي تبلغ نحو 125 مليون دولار في الشهر الواحد، ما أدخل الحياة الفلسطينية في الضفة وغزة والشتات في أزمة خانقة، كون نحو 160 ألفا من الموظفين لم يستلموا رواتبهم كاملة، واستمر الأمر منذ شهر كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي 2014، أي الشهر الذي تم تقديم الطلب فيه للانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية، مما اضطر حكومة السلطة إلى صرف نحو نصف الرواتب واعتماد خطة طوارئ مالية، وإرسال المبعوثين إلى جهات عدة، علها تزيد من منحها ومساعداتها، وتم الاقتراض من البنوك المحلية أيضا. هكذا اضطر الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في مؤتمر القمة الأخير في شرم الشيخ إلى القول: «إن إسرائيل قد تضع ألف شرط وشرط حتى تفرج عن الأموال التي تجمعها باسمنا، وتأخذ ما نسبته 3٪ منها. وإذا خطر ببالهم أن يمنعوها عنا، فلا فرق بالنسبة إليهم».

ابتزاز

وبعد أن تصاعدت الأزمة لدى الفلسطينيين، وبعد ضغوط أوروبية وإشارات أمريكية، وبعد أن حقق نتنياهو أهدافه من حجز الأموال، وفوزه بالانتخابات بصورة كاسحة، وإعادة تكليفه برئاسة الحكومة من جديد، فقد تذكر جوانب من «إنسانيته» وأعلن مكتبه «أنه سيتم الإفراج عن الأموال لاعتبارات (إنسانية) مع مراعاة المصلحة الإسرائيلية». لنضع الاعتبارات الإنسانية هذه جانبا، لأنها خالية من الإنسانية كلية، ولأنها من توابع المصلحة الإسرائيلية أولا وأخيرا، ومن مبررات وتبريرات هذه المصلحة، كما قدرتها وزارة الحرب، وأنه لا يوجد أخطار من «إعادة المكرمة» التي هي حصيلة ضرائب تجبى باسم السلطة الفلسطينية، أي أنها من صميم الحقوق الواجبة والملزمة. هذا من جانب، أما الجانب الآخر، أي الجانب الفلسطيني؛ فإن لديه أخطارا تتعلق بتحركات اجتماعية من جراء الأزمة الخانقة المالية، وقد تفضي إلى اضطرابات وهبّات قد لا يحمد عقباها. لذا فإنه من الأفضل تفعيل «المكرمة الأخلاقية الإنسانية»، التي تقضي بإعادة تسليم الحقوق – أي الضرائب – إلى أصحابها، كي يحصل تخفيف الاحتقانات وتنفيس الغضب إلا أن ذلك يجب أن يتم ضمن شروط الابتزاز الصهيوني المعروف. فلسان حال الإسرائيليين يقول إن الثلاثة في المئة نظير الخدمات، ما هي إلا من نوع تحصيل الحاصل، أما ما دامت الأموال في عهدتنا، فإننا سنحسم ما لشركة الكهرباء الإسرائيلية من ديون لديكم، وكذلك ما لشركة المياه، وأيضا ما لشركة الصرف الصحي، وأيضا ما لحق بالموظفين في هذه المرافق، من تأثر صحتهم وحالاتهم النفسية والعلاجات التي تم تقديمها إليهم..
لذا إذا ما خصمنا تكلفة كل هذه الخدمات والمرافق، فإنه يجب على السلطة الفلسطينية أن تدفع فوق ما لها عندنا من أموال، أموالا أخرى حتى يكون الحساب حسابا «عادلا»! إلا أن «إنسانيتنا» رأفت بالشعب الفلسطيني وبالسلطة، وها نحن نقبل بدفع ثلث أو ربع المبلغ المحجوز لدينا، علّ السلطة تأخذ العبر والدروس من هذه الوقعة الواقعة، ولا تهدد ثانية بالتوقف عن التنسيق الأمني معنا، أو أنها بصدد تقديم الشكاوى إلى محكمة الجنايات الدولية، أو غيرها. هذا هو لسان حال الحكومة الإسرائيلية ورئيسها وغيره من رؤوس التطرف والظلم والعنصرية.

العبرة لمن يعتبر

تجدر الإشارة إلى أن السلطات الرئاسية الفلسطينية، كانت قد عممت على الأوساط المالية لديها عدم استلام أي مبلغ من السلطات الإسرائيلية؛ إن كان أقل من الحقوق الواجبة. وفعلا فإن تلك السلطات حولت المبلغ في نيسان/إبريل الجاري، ناقصا 267 مليون دولار، علما بأن المبلغ المتجمع للسلطة هو نحو 436 مليون دولار منذ نحو أربعة أشهر، أي أنها حجزت ما يزيد على أكثر من نصف المبلغ، الأمر الذي دفع السلطة إلى عدم استلامه، وطالبت بلجنة تحكيم للبت في الأمر، أو إن اقتضى الحال عرضه على محكمة الجنايات الدولية. هكذا لا تتورع الحكومة الإسرائيلية عن افتعال كل ما يمكنه أن يعطل ويربك ويؤذي مصالح الشعب الفلسطيني، ويفرض عليه البلطجة والابتزاز ومصادرة حقوقه.
في النهاية إن كان الأمر من داخل النص أو من خارجه، فإن هناك ما يقلق في هذه المعمعة المثارة في ما يتعلق بأموال الضرائب، وما دار ويدور حولها ولها وفيها، ذلك أن حكومة مقدمة للعودة إلى طاولة المفاوضات من جديد، وهي التي لم تمنع أو توقف أي إجراء إسرائيلي، بما رافقها وما يمكن أن يرافقها من آثار وتعاملات وخسائر، ما زالت أسنان الجرافات الإسرائيلية تأكل من «أبدان» الأرض الفلسطينية وشجرها وحجرها وينابيعها. كما أن «أبدان» الناس ما زالت، وتحت غطاء تلك المفاوضات، تقتل وتعتقل وتسجن وتطرد وتطارد وتنسف بيوتها، وتُصادر أراضيها يوميا، وفي جميع الأراضي الفلسطينية، والعبرة في النهاية دائما لمن يعتبر.

٭ كاتب فلسطيني

سليمان الشّيخ

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية