حاول بيبي نتنياهو كعادته ربط العمل الإجرامي الذي وقع في بروكسل مع مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، ودعا العالم إلى الوحدة في مواجهة «الإرهاب».
فمصطلح «الإرهاب» صار مثل «المُغيطة»، يمغطها كلٌ حسب حاجته! بيبي يمغط ولا يدخر جهدا في محاولة إلصاق تهمة الإرهاب بأي عمل مقاومة في فلسطين، حتى لو سلميا، مثل مقاطعة البضائع المنتجة في المناطق المحتلة عام 1967، فهو يعتبرها تحريضا على الإرهاب، في محاولة منه لتطبيع العالم وتسليمه بوجود الاحتلال كأمر واقع لا يمكن تغييره، ولإبعاد أنظار العالم عن ممارسات الاحتلال الإرهابي وجرائمه اليومية من إذلال للناس واغتصاب للأرض وهدم للبيوت وسجن للمناضلين. في هذه الأجواء أعلن السيد حسن نصر الله للمرة الثانية أمام ابتسامة غسان بن جدو على قناة «الميادين» بأنه سيضرب صهاريج الأمونيا في خليج حيفا في حال تعرض لبنان لعدوان إسرائيلي، وهذا أسميه تهريج الصهاريج.
السيد نصر الله يعرف كم دفعت إسرائيل لاستعادة ثلاثة جثامين لجنودها، ويعرف أن جثث اليهود تختلف كثيرا عن جثث العرب المتناثرة في أرجاء وسجون نظام الاستبداد السوري الذي يدعمه نصر الله.. ويعرف أن في سجن «بيت العنكبوت» الإسرائيلي يقبع رئيس حكومة لأنه اختلس مال الجمهور، ورئيس دولة سابق اغتصب موظفة، وتجري تحقيقات مع نائب جنرال بتهمة التحرش الجنسي بمجندة، فما بالك عندما يتعلق الأمر بحياة مئات آلاف الناس يا سيد حسن؟
أولا ليس بالضرورة أن تكون في الصهاريج المذكورة أمونيا، فقد تكون فيها مياه عادية، أو أي مادة أخرى. فهؤلاء القوم كما علمتنا التجارب لا يراهنون على حياة مواطنيهم اليهود، ولا يتركونها للصدف والأهواء، ولك عبرة في التسعة عشر يهوديا الذين أحضروا هذا الأسبوع من اليمن في عملية سرية.
ثانيا، (بيت العنكبوت) يملك 300 قنبلة نووية، حسب مصادر عالمية، ولهذا ليس من الحكمة أن تهدده بضرب صهاريج الأمونيا لقتل عشرات الآلاف، وبما أنك ذكي بما يكفي، فأنت تقصد التغطية على دور حزبك بقمع الشعب السوري والخوض في دمائه إلى جانب نظام سعى هو الآخر على دمغ شعبه بالإرهاب، أنت تريد القول للعرب إن معركتك الأساسية ليست على الأرض السورية، بل مع العدو الصهيوني، ولكن هذا لم يعد مجديا، فقد ظهرت الحقائق جلية، وحربك مذهبية في سورية لا يختلف في هذا عاقلان.
أما الحديث عن ضرب مفاعل ديمونة النووي ومعاهد الأبحاث البيولوجية، فهذه تصريحات فارغة تصب بالذات في طاحون التحريض على العرب، ودمغهم بالإرهاب والتعطش لقتل المدنيين، بل وتبرر لقادة العدوان الإسرائيلي في حالة نشوب صدام مسلح للقيام بـ»ضربات استباقية» قد تكون هائلة في دمارها، بحجة حماية مدنييها من ضربة محتملة لصهاريج الأمونيا والكالونيا والبيولوجيا والذرة.
في هذه الأجواء أطل الفريق ضاحي خلفان نائب رئيس شرطة دبي السابق ليرش الكالونيا على جيفة الاحتلال، وقال في تغريدة له، إن على الفلسطينيين القبول بأن يكونوا كلهم في دولة واحدة مع اليهود ويتنازلوا عن فلسطين، وعمليا فقد تنازل السيد خلفان عن فكرة تنظيمات فلسطينية منها الجبهتان الشعبية والديمقراطية وكثير جدا من أبناء الشعب الفلسطيني، وحتى بعض اليهود الذين يطرحون حل دولة فلسطينية (ليس إسرائيل) واحدة ديمقراطية لليهود والعرب، تنازل الفريق خلفان ويريد للفلسطينيين التنازل عن اسم فلسطين، ولكن المشكلة ليست فقط بالتسمية، بل ما يجري على أرض الواقع، فالنظام العنصري في إسرائيل يطمح إلى تهجير أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين من وطنهم، من خلال تيئيس شبابهم، وإغلاق أبواب الحياة أمامهم، ويسعى ويفكر و»يبدع»، كيف يمنعهم من أن يصبحوا أكثرية، علما بأن الأكثرية ليست ضمانة للحقوق، فقد تكون أكثرية مقموعة أيضا، فالنظام يسحب الأرض من تحت أقدامهم، ويحاصرهم في تجمعات بشرية تضيق بهم، في محاولة لجعلها غيتوات مهمشة فقيرة ومرتعا للجريمة والبؤس، ويمارس سياسة أبرتهايد بات العالم يعرفها ويقاومها، وفي طريقه لمزيد من الوعي بها! ويا حضرة الفريق خلفان، الفلسطينيون لا يعارضون الحياة المشتركة مع اليهود، لا في الماضي ولا المستقبل، ولكنهم يطمحون إلى حياة مبنية على المساواة في كل المجالات وليس إلى تعايش بين العبد والسيّد، أو بين الفارس والفرس.
وهذا يكون بتقسيم الموارد من أرض وخيرات وعمل وسلطة بين جميع مواطني الدولة المفترضة، إضافة لحق الفلسطيني الذي هُجّر قسرا بالعودة إلى وطنه، هذا الحق الذي يمارسه اليهودي الروسي واليمني والعراقي والأمريكي فيصبح مواطنا له كل الحقوق بمجرد هبوطه على أرض فلسطين، بينما يحرم الفلسطيني منه.
اقتراح الدولة الواحدة له من يؤيده، ولكن شرط أن تكون دولة لجميع مواطنيها في كل شيء، وهذا ما ترفضه وتحاربه الحركة الصهيونية وليس نحن، فهي تطمح لأرض بلا شعب، وعمليات تفريغ الأرض من سكانها تجري على قدم وساق في كل فلسطين بشتى الوسائل ومنها الهدم المباشر، ولهذا فإن طرح حل الدولة الواحدة هو هروب إلى الأمام، بل ويلتقي مع طرح اليمين الأشد تطرفا في إسرائيل، القيادة الصهيونية ترفض قيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل على مساحة 22٪ من مساحة فلسطين التاريخية، فكيف سترضى بدولة واحدة يكون 50٪ من مساحتها ومواردها ووزاراتها للفلسطينيين في حالة المساواة بين المواطنين، لهذا فإن مطلب الدولتين هو مطلب الفلسطينيين الحالي، الذي يضمن وقف الاستيطان ونهب الأرض، والذي يلتقي مع الشرعية الدولية، ولكن كي يعرقل نتنياهو حتى هذا الحل المجحف أصلا، فهو يطرح أقل من 22٪ من مساحة فلسطين بكثير، وطبعا بدون القدس ومنزوعة السلاح، وأن تكون دولة إسرائيل هي دولة الشعب اليهودي، وهذا يعني ضمنا حق إسرائيل في التضييق على الفلسطينيين داخل مناطق 48، أو تخييرهم بين العقم وترك وطنهم الذي ليس لهم ولن يكون لهم وطن سواه، نعم قد يصبح حل الدولة الواحدة واردا في ظروف ومعطيات أخرى لا نراها في المدى المنظور.
٭ كاتب فلسطيني
سهيل كيوان