حاورها عبد اللطيف الوراري: يلقبونها بـ(خنساء المغرب)، إلا أن هذا الوسم يسيء إلى خصوصيّتها، إلا إذا قُصد به تجويد العبارة وصدقها، فإنّ الشاعرة أمينة المريني تقف، داخل خريطة الشعر النسائي المعاصر، لوحدها تجربةً وأسلوبًا خاصّيْن. لا يمكن لنا كقرّاء ومؤوّلين أن نقرأ شعر الشاعرة خارج منزعه الصوفي؛ فمنذ «سآتيك فردًا» (2001) ومروراً بـ»المكابدات» (2005) و«مكاشفات» (2008)، «خرجتُ من هذه الأرخبيلات» (2015)، ظلّت هذه الشاعرة ترسخ فهمها للشعر ووظيفته، من خلال العبور في التجربة الصوفية، ليس بوصفها معتقدًا وثوقيًّا تطمئنُّ إليه، أكثر من كونها حاجة روحيّة وجماليّة خاصة للذات وللعالم، تأخذ من اصطلاحات الصوفية وإشاراتهم وفق ما تمليه عليها تجربتها المفردة، داخل توتُّر الجسدي والروحي، ما يجعلها دائمة التدفُّق في مدارج الرؤيا وإشراقات الكشف والعرفان.
في هذا الحوار، تحدثت الشاعرة بصدق عن أشواق شعرها الأول، وعلاقتها بمسقط رأسها فاس، ومدى انطباع تجربتها بالملمح الإسلامي حينًا، والصوفي الروحي حينًا آخر. تحدثت عن معاناتها الشخصية من سدنة الثقافة الذين يهيمنون على المشهد بالولاءات وينكلون بمن يخالفهم.
■ أسألك ابتداءً ما الذي قادك إلى الشعر؟ متى سمعت بهذه الكلمة السحر لأول مرة، وفي أي عمر وجدت نفسك تكتبين؟
□ للشعر عندي عمران: عمر بيولوجي وعمر كوني؛ فالأول مرتبط بمراتع الطفولة وتقلباتها ومحاضنها، وهو موسوم بأزمنتها المترابطة والمتتالية من عمر الطفلة التي كنتها. فمذ كنت وجدتني أحبُّ الشعر، أنشده بشكل راقٍ حبّب لمعلمي أن يصغوا إليه بصوتي في كل حصة من حصص الدروس. أما والدتي فقد كانت منشدة جيدة للشعر، تحفظ الكثير من أشعار علال الفاسي ومحمد الحلوي وتتذوّقها. ولذلك كانت تأخذني بالحفظ والوقوف عند المدود وتمثُّل المعاني. أذكر أنني في تلك المرحلة كنت أفهم بالسليقة الأشعار، وكنت أُفتن بالنصوص التي كان المربي أحمد بوكماخ قد أدرجها في سلسلة (إقرأ) منذ القسم التحضيري. هذه الفتنة المبهمة أخذت بتلابيبي، وأنا أتحسسها في إرواء النصوص وتناغم مقاطعها وتفعيلاتها. هكذا أخذتني أيادٍ مخلصة لأسير إلى جنة الشعر وناره، ولَرُبّما لولا هذا الحب الفطري لما انقدت إلى الشعر بسهولة، كما هو حال كثير من الذين دجّنتهم التكنولوجيا، فما شعروا يوماً بالانبهار إلا لما هو ماديٌّ. وأعتقد أنه لو شاء لي الخالق أن أتأخر إلى الآن لما تفتّق في الروح هذا الحب الأزلي للشعر، بحكم أنّ الشاعر يولد شاعراً، ولكن عوامل البيئة تتضافر في تنشئته الشعرية: الأم، المربُّون، المحيط الصغير الذي ينعم فيه المرء بسلامة القلب وصفاء الروح وبراءة العواطف. سينمو هذا الحب ويترعرع في كنف الأسرة والمدرسة إلى أن أصل إلى الدراسة الثانوية. هناك سأقرأ صلاح عبد الصبور وبدر شاكر السياب ونازك الملائكة، وسأحفظ نصوصاً كثيرة لمحمد الحلوي والمتنبي، فأحسُّ في نفسي كل مرة بأنني سأقول كلاماً، وأحسُّ بأن الكلام يصطخب في حلقي ويجيش به صدري، ولكن لا أقدر عليه فتصيبني نوباتٌ من الحزن. وأجرب أن أكتبه مرة، وأسلم ما كتبته لأستاذي فيأخذه بالتوجيه، ويدعوني إلى أن أحاول مرّاتٍ. وأذكر أنه مرة قال لي جملة لم أنْسَها إلى الآن: «أنت ما زلت تبحثين عن نفسك». لم أفهم العبارة حينها، ولكنني اعتقدت أنّه نصحني بترك الشعر، فانتابني ألم عارم وعدت لأقرأ دواوين الشعراء، وأنا أُحدّث نفسي بأنني أردت أن أقول هذا، ولكنني عاجزة عنه. وكنت كلما لقيت الأستاذ حاذرتُ أن يراني. أنا الآن أتحدث عن سن الخامسة عشرة، لم أتوقف حينها عن تدوين خواطري التي كانت في الحقيقة نصوصاً نثريّةً تحفل بالألم والضياع. كنت أعلم أنني لا أكتب شعراً، غير أنّي احتفظت بهذه النصوص للذكرى، كونها شاهدةً على مرحلة من الحياة. فهمتُ في الأخير نصيحة الأستاذ. بعد البكلوريا سيدرسني العروض عالم عروضي وهو المرحوم محمد الدناي، فانبهرت بطريقته في تقريبه منّا نحن الطلبة، فقد دعانا إلى تلمُّس الأوزان بالسماع والتقطيع الصوتي.
وهكذا انصرفتُ في أوقات الفراغ إلى تجريب ما بدأناه مع الأستاذ، ليشمل مختلف البحور الشعرية. فإذا بي أحسُّ كأنني عثرت على كنز من الألحان والمقامات الصوتية، وأدرك ظواهر الزحاف والعلة، دون أن اعرف أسماءها، لأكتب أول نصٍّ عموديٍّ على الكامل في هذا الوقت. لم أعد أكتب نثراً، وإنما بدأت أكتب البيت والبيتين، وأنا أحتكم إلى الأذن فقط. وهكذا عبّدت الطريق أمامي لأجمع بعضاً من قصائدي الأولى في ديواني الأول «ورود من زناتة»، الذي اعتبره في تقديري تماريني الشعرية الأولى.
■ ولدت أمينة في فاس حيث الصنائع والعمران وعبق التاريخ، ونشأت في بيئة محافظة على القيم والمبادئ الأصيلة. هل لهذا دخل في ميلك الشعري، وفي توجيه تصوُّرك الشعري للذات والعالم في ما بعد، وأنت التي قلتِ:
وما الشِّعر إلا ذَوْبُ روحٍ ونغمةٍ .. أليفين صِيغا من لَظى القلبِ والفِكْرِ
□ لا مناص من الاعتراف بأن البيئة لا بد أن تترك بصماتها على الإنسان، فكل إنسان هو محصلة إرثه الخاص. من جينات الوراثة – ولا شكّ- أن بروز شخصية الشاعر في شعره مرتبط بانتمائه الذي لا بد أن يستمدّ منه بطريقة أو بأخرى ملمح إبداعه. ولولا الانعكاس الذي يشبه إلى حد كبير عملية المرآة، لكان الشعر الإنساني واحداً، وألغيت خصائصه الزمانية والمكانية. ما الذي يجعل الشعر الأندلسي مثلاً مختلفاً عن الجاهلي؟ إن الإنسان يستمدُّ شعره من لاشعوره الشخصي، وهو مصدر رئيس في الإبداع، كما يستمده من لاشعور جماعي. لذلك لا بد من انعكاس الأثرين على الشعر. وعليه، فقد كان للبيئة دخل كبير في شعري وفي تصوري له، وفي الرؤى التي يحفل بها؛ فالشعر عصارة روح وفكر منصهرة في النغم. ولا أنسى في هذا المقام أن أحين هذا البيت الشعري، فقد قلته حينما ارتفعت دعوى محمومة للإجهاز على القصيدة الموزونة والتنكر للأب، وكانت المعاناة لدى شعراء العمود حادّة، ومورس ضدهم الإقصاء في المهرجانات والملاحق بشكل صارخ أحياناً، أو موارب أحيانًا أخرى. ورد البيت الشعري في ديوان «ورود من زناتة»، وهذا الديوان ـ بالمناسبة ـ لم ينشر معظمه في الملاحق الحداثية لطابعة المحافظ، لكن الذي يغفله البعض أن التدرج في أدوات الشعر، أمر طبيعي، فلكلّ مرحلة أدواتها، ومن ثمّ اختلفت دواويني باختلاف زمانها. وها أنا أدخل، في اعتقادي، باب الحداثة الشعرية بوعي واقتناع، وإن ظلّت الرؤى ممتدة الخيوط إلى هذه البيئة المحافظة التي أنتمي إليها، إن الرؤية الشعرية في تقديري أشبه بمسيل ماء يمتدُّ مُنْساباً، أو متعرجاً صامتاً، أو هادراً بين الأعمال الشعرية، بل إنه يتشكل وَفْق طبيعة الأرض الشعرية التي يمر منها. فالأدوات التي اشتغلت بها في «ورود من زناتة» ليست هي نفسها التي وظّفتُها مثلاً في «خرجت من هذه الأرخبيلات»، الديوان الذي طفرت فيه البيئة التي تحدثت عنها آنفا، ولأكتشف أنّها كانت كامنة في جزء سحيق من لاوعيي، كموناً يدلُّ على مدى تأثُّري بها. وبهذا المعنى، يمكن أن أعتبر الديوان سيرتي الذاتية، أو سيرة المكان الذي هو أنا.
■ تعرّفَ عليك قارئك شاعرةً ذات سمت إسلامي، حتى عندما كنتِ تنشرين إنتاجك الشعري الأول في مجلات مثل «الراية» و»المشكاة» و»منار الإسلام». بمن تأثّرتِ في هذا الباب على المستوى الشخصي والجماعي؟ وهل أدركت أن قصيدتك بهذا السمت هي «نشاز» وسط تيارات واتجاهات شعرية حداثية تحرض على نقض المرجع واللاانتماء والعدمية؟
– أتحفّظ كثيراً في نعت الشعر أو الشاعر بـ(الإسلامي)؛ لأنّ هذا يحيلنا إلى شعر وشاعر غير إسلاميين. الشعراء المغاربة جميعاً يحيون في بلد إسلامي. ما السمت الذي يميز أشعارهم إذن؟ إنني أُحبّ أن أتعامل بحذر مع هذا المصطلح، ويمكن أن أقول عن هذا الشعر بأنه شعر فطري أو وجداني أو كوني. فأيُّ شعر إنما ينبع من الصدق والمحبة ويدعو إلى السلم، وكل ذلك من خصائص الفطرة التي خلق الله الناس عليها. هو هذا الشعر الذي يوصف بـ(الإسلامي). هل كتب شاعر الهند طاغور شعراً إسلاميّاً؟ وهل كان غوته شاعراً إسلاميّاً، إذ توجه في حقبة من حياته إلى التصوف والتفكير الروحاني، وقد قرأت بعض دواوينه فلم أجد فرقاً بينها وبين كتابات بعض الشعراء الذين يسمون «إسلاميّين»؟ إنه فقط شعر الفطرة الصافية، وهو ما أحاول أن أكتبه، لأنه متجانسٌ جدّاً والبيئة التي درجت فيها. من مستملحات ما حدث لي في زمن غابر أنّ شاعراً اتصل بي ليخبرني بأن بعض الأوساط الحداثية تسميني شاعرة عمودية إسلامية، فابتسمت برضى، وقلت: وماذا بعد.. أنا أعيش المرحلة التي أنا فيها، وغداً قد أكون شكلاً آخر، ولكنني سائرة في طريقي لا ألتفت للآخرين. بهذه العزيمة نحتت الطريقة، ولو كنت التفتُّ لوضعت أدواتي وتواريْتُ كما توارى كثيرون كانوا في أول الطريق. أما بالنسبة للنشر، فقد نشرت في المنابر المذكورة، كما نشرت في جريدة «العلم» و»الرياض» و»المناهل» وأخرى لا أذكرها الآن، لكنها جميعها كانت ما وافق الشاعرية لا ما وافق التوجه الإسلامي، إضافة إلى أنه ليس من الضروري أن أكتب ما يخالف الفطرة السليمة لأخطب ودّ منابر حداثية، لم أفكر – ولو مرة – في التعامل معها، لقد كتبت ما آمنت به، وما كان نابعاً من تكويني، وما كنت لأكتب ما يرضى عنه الناس ليقربوني زلفى. حقّاً لقد كانت المعادلة صعبة، فقد فتحت عيني على الوسط الأدبي، وتأملته جيّداً، وكان أول ما انبهرت به مدرسة وجدة الشعرية، ووجدة معقل الشعراء الجيدين. لذلك صادفت هوى في نفسي، وقلت هذه الوجهة التي أولي وجهي نحوها. وبالمقابل، تأملت الحداثة الشعرية فأدركت عناصر الجمال فيها، مما اختزنته الذاكرة عساني أستحضرها يوماً وأمتح من معطياتها، لكنني أنكر نوعاً من تنكر بعض الحداثيين للمرجع وللانتماء. نعم، كان صوتي نشازاً نهاية القرن الماضي، ولكن النشاز أبى إلا أن يحفر مجراه لعله يصبح أمراً عادياً، وها قد أضحى كذلك، بل مُرحَّباً به وطنيا وعربيا. ثم إنني أعتقد أن الشاعر يجب أن تكون له حدود يقف عندها بما يناسب القيم والهوية وأذواق الناس الذين يعيشون معه ويتلقون عنه. لذا يجب أن يحترمهم، خصوصاً أنّ منهم مُتلقِّين مفسرين، كما يسميهم الجرجاني، الذين يتأملون العمل الأدبي ويدركونه معنى بمعنى. السوء لدى بعض الشعراء هو أن يعرُّوا المستور ويفضحوا السوءات فوق المنابر، وكم صادفت مثل هؤلاء – والله صدقني- بما يثيرونه من استهجان واستنكار أكثر مما يلقونه من ترحيب واستحسان. فإلى أيّ حد يكون مثل هذا الشعر مقبولاً، إذا كان شعر الفطرة نشازاً غير مقبول؟
صحيح، لقد عانيت من إقصاء ممنهج، في وقت كنت أرى فيه أشباه شعراء يُقرَّبون بالولاءات، لكن ذلك لم يفُتَّ في عضدي، بل لقد خضت حروباً خفيّة ومعلنة ولم أستسلم، وأنا مُصرّة على أن يحفر هذا الصوت مجراه. ولكلّ شاعرٍ مع الإقصاء قصص ونوادر لم يسلم معها من تنكيل بعض المتسلطين على المواقع الثقافية. ومن المفارقات أن يُطبَّل لأسماء هنا في المغرب وهي نكرة بالخارج، والعكس صحيح.
مازلت أتذكر رسالةً وصلتني من الصديق المرحوم محمد الطوبي، يواسيني فيها على ما كنت أتعرض له، قال فيها إن بعض سدنة الثقافة في المغرب لن يغفروا لي تمردي وخروجي بعيداً عن القطيع الذي يهيمنون عليه بالوصاية، لكن محاربتهم لي هي مصدر قوتي وصمودي. وهذا ما حدث لي بالضبط، لكن أضيف إلى ذلك امتناني وعظيم شكري لهم؛ لأن من أقصوني هم الذين صنعوني.
وأعود إلى هذه الحداثة الشعرية التي أحتفظ منها لنفسي بوجه مضيء يكمن في ما حملته من إمكانيات التجديد، وما أتاحته من تجريب، لكن أعيب عليها إعلانها الجفاء للماضي، وتعاليها على إمكاناته التعبيرية والفنية، وفي الوقت نفسه سقطت في تبعية قاتلة لما عند الآخر واستهلكت طريقته. ولذلك لم تعد إن كان صوتها شكاة مكرورة من الماضي الأدبي على غرار أدباء الغرب، بينما أرى أن تراثنا قادر على أن يقدم للشاعر إمكانيات جمالية، ليكتب نصّاً جديداً يشكل قنطرة للعبور بين الماضي والحاضر. فإن يكتب المرء بمنطق بيئة لا ينتمي إليها هو قمة الاغتراب الأدبي، بينما نجد بعض الحداثيين الواعين بمعطيات الحداثة قد فهموا كيف يستفيدون منها. فأدونيس مثلاً يرى أن قراءة بودلير هي التي غيرت معرفته بأبي نواس وكشفت له عن شعريته وحداثته، وقراءة مالارميه هي التي وضحت له اللغة الشعرية لأبي تمام. وأدونيس هو نفسه دعا في مرحلة لاحقة إلى كتابة نص يغترف من الينابيع الأولى ويزدهر تحت أمطارنا وثقافتنا.
وخلاصة الأمر إن ما اعتبره نشازاً هو تلك التجارب الحداثية التي تحرص على نقض الانتماء وتعيش تحت هيمنة أدبية لأعمال دخيلة لا علاقة لنا بها. إنّ لدينا تراكماً ثريّاً أصيلاً نستطيع الاستفادة منه بشكل حداثي، هذا إذا امتلك الأديب تلك الحاسة التاريخية، التي تحدث عنها إليوت يوماً، وهي حاسة في تقديره تُحتّم على الشاعر الأنكليزي أن يكتب وفي عظامه ليس جيله فحسب، ولكن أجيال من أدب أوروبا منذ هوميروس، لأن هؤلاء جميعاً يمتلكون وجوداً واحداً.
■ نكتشف أنّك ابتداءً من ديوانك «المكابدات» (2005)، قد تفردت بأسلوبك الشعري الذي يتميز بمنزعه الصوفي. ما الذي قادك إلى الصوفية؟ وهل كانت توسيعًا لأفق التجربة الدينية التي تشرّبْتها بصدق، ثم لحداثة قصيدتك؟
□ سأكون صريحة جدّاً في هذا السؤال؛ تجربتي الصوفية كانت لها إرهاصاتها بدءاً من ديوان «سآتيك فرداً»، وبذراتها مبثوثة فيه بشكل عرضي. وباتفاق ظرفي، فقد كتبت الديوان قبل رحلة للعمرة صيف ألف وتسعمئة وواحد وتسعين، ثم أتممته بعدها، وقد ألقت هذه الرحلة بظلالها الكثيفة عليه. المسالة الثانية؛ أنني نفضت يدي من النصوص القومية ومنها ما نشر ومنها ما قبر، وكنت أثناءها ألقيها في ساحات بعض الجامعات المغربية، فإذا بي ألاحظ أنني أصبحت تحت مراقبة مقلقة ظالمة ومناورات لا قبل لي بها؛ فحدّثْتُ نفسي بأن نصوصي لم تتصدَّ لأي عدوانٍ شُنَّ على الأمة، ولم تصحح الأوضاع، ففيم النفخ في رماد والقوم يطلبون دمي، لذلك طلّقْتُ هذا الشعر القومي وانكفات على ذاتي في شبه انزواء عن الدنيا. ولأنه رب نقمة كانت في طيِّها نعمة، وجدت في تأملي وحزني وخيبة أملي من الواقع إيذاناً بمولد قوي للنص الصوفي، ووجدتني أنقاد إليه طَوْعاً بعد أن شارفت أبوابه في ديوان «سآتيك فرداً»، فدخلتها بسلاسة، وحلّقتُ في أبهائه بحبّ، خصوصاً أن التجربة كامنة في مكان ما من لاشعوري، إضافة إلى أنني كنت أختزن رغبةً في تجريب التجديد. هكذا جاءت القصيدة الصوفية كائناً صادقاً أضفى على حياتي الجديدة سعادةً ونشوةً، وزوّدني بالانتصار على الحياة. من ثَمّ أحسست بأني كائن صوفي امتدت إليه هذه القصيدة لتمسح القبح وتزوده برشفات قوية من الإحساس بالخير والجمال والتسامح، وتمتن علاقته بما هو قوي ومتماسك في زمن القذارة والظلم والهزيمة والإحباط. وبعد، لست من الكتاب المُتصاوِفين الذين سيشمرون عن سواعدهم لكتابة نص صوفي، لأنهم في الحقيقة يكتبون شيئاً قميئاً مُتكلّفاً؛ ذلك أن التصوف تجربة معيشة يغرق عندها الشاعر في الكون عشقاً، ويذوب فيه كُلّياً، ويبصر بعين القلب جمال الله في كتابه المفتوح. وفي الحديث القدسي: (كنت كنزاً مخفيّاً، فأحببت أن أُعْرَف فخلقت الخلق فبي عرفوني). قُلْ سيدي إنها القصيدة العرفانية أو الوجدانية أو الكونية، التي كتبها شعراء مسلمون، وأحياناً غير مسلمين.
■ في شعرك ذي المنزع الصوفي، نقف عند فهم واعٍ للتجربة الصوفية ورؤيتها المفارقة إلى الله وإلى العالم. إلى أي مدى أفادتك هذه التجربة وأفادت لغتك ومجموع أقانيم فنّك الشعري؟
□ ربما لهذا السؤال ارتباط بالسابق، وإن تعلق بالشق الفني. صحيح، أصبحت واعية بالتجربة، وأدركت أن القدر ينحت لي طريقاً ليست بالسهلة، ولكنها طريق تفضي إلى القبض على ما هو عصيّ وشائك وقصيّ وفاتن. إنّها تجربةٌ تؤسس لما هو جماليٌّ لغويا وموضوعيا، وتحفر في أغوار علاقات متعددة: علاقة الذات بالآخر، وعلاقة اللحظة الراهنة بالزمن الأبدي، وعلاقة المكان القائم بالمكان السرمدي، وعلاقة بقلق وجودي يختزنه من كتبوا النص الصوفي بغض النظر عن علاقتهم بالدين، ومنهم صلاح عبد الصبور وأدونيس. ولأنّ الشاعر خالق كلمات وليس خالق أفكار كما يرى جان كوهن، فإنني أعتقد أن من أولويات النص الصوفي شحذ الأدوات، والاشتغال على اللغة بشكل احترافي قد يصل بالشاعر إلى أن يعيد النظر في ما يكتب، وأن يسقط منه رديئه ويثبت جيّده. وأحياناً قد يشتغل الإلهام في هذا الباب، فيأتي التصويب بشكل عرضي. وقديماً رأى ابن رشيق أن الشاعر لا يكون مُجوّداً حاذقاً حتى يتفقد شعره، ولعلّ للشاعر في ما كتبه الجرجاني عن النَّظْم أكبر مرجع يمكن أن يمتح منه في التعامل مع اللغة، التي هي قصيدة ثانية داخل القصيدة، وفي رصف الصورة، وفي اختيار مكان الكلمة من النظم، وفي الصمت عن الإفادة وفي إخفاء التشبيه، وفي التعريض بدل التصريح، مما نجده ذخيرة مهمة للشاعر تمتعه فنّياً وتفيده جماليّاً. وبما أن القصيدة الصوفــــية رؤيا، فهي تستمد خصائصها من مجمــــوع تجربـــة عميقة تتلاحم فيها الفكرة والصورة واللغة، وتبقى لتلك اللغة القاسم المشترك بين كُتّاب القصيدة الصوفية خصوصية عندي؛ لأنها تنطبع بذاتي وبتجربتي الشخصية التي قد تختلف عن شعراء آخرين حتـــماً. لغتي الصوفية ليست، على سبيل المثال، هي لغة الشاعر أحمد بلحاج آية ورهام.