«أم الغيث»… من طقوس الاستسقاء

حجم الخط
3

أم الغيث هو طقس من طقوس الاستسقاء الذي كان يمارسه سكان الجزيرة الفراتية في سوريا إلى فترة قريبة، وممارسة هذا الطقس تمتد لتشمل العراق والكويت شرقاً فالجنوب الغربي وإلى حوران وفلسطين وعموم بلاد الشام
يبدأ الطقس عندما يطول انحباس المطر، فيتحضر الناس في كل قرية أو منطقة لإقامة الطقس، فالنساء يقمنّ بتحضير هيئة أم الغيث من الخشب وملعقة خشبية كبيرة ينصبنها بدل الرأس، ويغطينها بما يعرف ب(الهبرية) وهي غطاء للرأس وتغطي به العروس وجهها في الزفاف، وبعد ذلك يقمن بتزيين أم الغيث بالحلي من الذهب والفضة، فتكون للناظر من بعيد كأنها عروس بكامل زينتها تُزف إلى عريسها.
أم الغيث منتصبة في وسط الجموع من النساء والأطفال وأحياناً الرجال، الأطفال وبعض النساء يأخذون قدر كبيرة يدورون بها على البيوت ليجمعوا العطايا والصدقات من الحبوب والبقول ( برغل ، رز ، حنطة، حمص ، …الخ) مما يتوفر من الأغذية وفق كل منطقة، ويتم ثم يُطبخ ماجمعَ للأطفال الجائعين والمحتفلين في آن واحد وسط الأناشيد والأهازيج و يظلون على هذه الحال حتى هطول المطر أو إلى ساعة متأخرة إذا استمرت في منع المطر، لينصرفوا لبيوتهم ويعاودوا الكرة خلال أيام إذا استمر الوضع على ماهو عليه.
تتشابه الأهازيج والأبيات المرسلة لأم الغيث في جميع المناطق مع اختلافات طفيفة. وهنا نستعرض بعض الأهازيج نبتدؤها من أهازيج الجزيرة الفراتية ( المنطقة الواقعة بين دجلة والفرات) ، خاصة وأننا نتكلم عن طقس تنبعث منه رائحة الأساطير القديمة للديانات والطقوس الزرعية في بلاد مابين النهرين والشام، فالأسطورة الأولى في هذه المنطقة هي أسطورة زراعية تتمحور حول آلهة واحدة عرفت (بسيدة الطبيعة)، وهكذا فأننا نجد أنفسنا للوهلة الأولى بأننا أمام آلهة المطر التي تتخذ صورة أمرأة « أم الغيث» خالطتها وأثرت فيها عقائد التوحيد فأصبحت الأناشيد ليست تضرعاً خالصاً «لأم الغيث» بل مع دعاء لله بفك حبس هذه النعمة أيضاً .

أم الغيث في الجزيرة الفراتية
في الجزيرة الفراتية تكون الأهازيج متنوعة من منطقة لأخرى ، وقد تقال بعض الأبيات على الفرات وتكون بصيغة أخرى على الخابور و هي على هذا النحو غالباً :
يا أم الغيب غيثينا …بلي بشيت راعينا
راعينا حسن اكرع … لو سنتين ما يزرع
راعينا هالمسيكين … يلكّط حطب يعطينا
أم الغيث يا رية … عبي الحواية مية
أم الغيث زعلانة … تجيب المطر من عانه
يالله مطر يالله طين … تاتشبع الحواوين
تاتشبع أم خنينه … وتكثرنه هالدهينه
وأثناء جمع الحبوب لطبخة (أم الغيث) ينشد الأطفال والنساء أمام المنازل :
والتعطي بالطبشي … يصبّح ولدها يمشي
والتعطي بالطاسة … أم حجول الرداسه
والتعطي بالغربال … صبّح ولدها خيال
والتعطي بالحفنة … جوا الكاع مندفنه

أما في مناطق حوران فتكون الأهازيج على هذا النحو:
يا الله الغيث يا ربّي … تسقي ازريعنا الغربي
يا أم الغيث غِيثِينا … و اسقي زريع راعينا
يا الله الغيث يا دايم … يسقي ازريعنا النايم
يا اتْبُلّ هالشرشوح … وإحنا عبادك وين نروح
يا رب تبلل هالمنديل … قبل ما نرحل و نشيل
راحت أم الغيث تجيب الرعود… ما إجت إلا الزرع طول القعود
راحت أم الغيث تجيب الأمطار… ما إجت إلا الزرع طول الأشجار
يا ربي ليش حابس …والزرع تحتك حامس
في فلسطين
في فلسطين التي انتشرت بها ديانات الزراعة الأولى أيضا فأنهم ينشدونها على نحو :
يا ام الغيث غيثينا واسقي زرع اهالينا
يا ام الغيث غيثينا جيبي المطر واسقينا
يا ام الغيث غيثينا وبلي بشت راعينا
راعينا حسن اقرع طول الليل عم يزرع
يالله الغيث يا دايم … نسقي زرعنا النايم
يالله الغيث يا ربي… نسقي زرعنا الغربي
يالله الغيث يا رحمن …نسقي زرعنا العطشان
يالله الغيث يا ربي …..خبزي قرقد في عبي
وفي طلب العطايا من البيوت لطبخة أم الغيث تكون الأهازيج قريبة مما يقال في وادي الفرات:
اللي تحط بالمنخل ريت ابنها يدخل
اللي تحط بالغربال يصبح ابنها خيال
ويضاف إليها :
اسقونا يا دار الشيخ … والمية عليكم زيخ
رشو باب دارك … ليحرث فدانك
رشو باب جارتك … لتحرث حمارتك
يالله الشتا يالله رشوش … لنسقي زرع عيوش
ويضاف أمر آخر في فلسطين وهو حمل إحدى النساء على رأسها طاحونة يد(جاروشة) وتحمل ثانية وعاء من حبوب الفول، وثالثة تمسك بديك احمر، ثم يبدأن بالطواف في أزقة القرية وهن يجرشن الفول ويرددن:
يا ربي ليش هالطولة اكلنا طحين الفولة
يا ربي ليش هالكنة اكلنا طحين كرسنة
يا ربي ليش هاعقدة اكلنا عروق الجعدة
وتقوم المرأة التي تحمل الديك بالضغط على رقبته فيصيح دلالة العطش والجوع. وهنا تردد النساء:
يا ديك يا بو عرف ازرق … يا ريتك في المية تغرق
اطلب من ربك يا ديك … اطلب من ربك يسقيق
ديكنا قعق في الليل … بدو مطر… بدو سيل
شو بدو صياح الليل … بدو مطر…بدو سيل
وفي بلد خليجي مثل الكويت فأننا نجد الأهازيج متأثرة بالقرب الجغرافي ربما من العراق وسورية، وتكون على هذه الصيغة:
يا ام الغيث غيثينا
خلي المطر يجينا
بلي اثويب راعينا
خلي العشيبه تنبت يرعاها اطليينا
وعبدك يسقي خيله على درب الشاميه»
ويبقى الطقس الاحتفالي لأم الغيث كل سنة، طقسا طفولياً بالدرجة الأولى، ويلامس أمزجة الكبار وتمنياتهم، خاصة إذا عرفنا أن هذه الحركة الاجتماعية بفطريتها الظاهرة هي جزء من وعي سابق مفكر به، ارتبط بالأساطير وفيما بعد بالدين ومناجاة الخالق/ القادر على الاستجابة في كل وقت ومكان.

كاتب سوري

مهند الكاطع

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية