ألقى الجيش الأمريكي أكبر قنبلة غير نووية تم استخدامها حربياً، على أفغانستان، صباح أول أمس الخميس. القنبلة أعطيت اسماً للاستخدام الشعبي هو «أم القنابل»، وهي مصممة لتدمير أهداف تحت أرضية من دون أن تخترق الأرض، وتملك قوّة تدميرية تعادل 11 طناً من مادة TNT المتفجرة، ويعمل صاعقها قبل وصولها إلى الأرض مما يوسّع محيط تأثيرها، وهناك قنبلة أمريكية واحدة غير نووية تفوقها وزناً ولم تستخدم بعد في الحرب.
التعليل الأمريكي لاستخدام هذه القوّة التدميرية الهائلة هو استهداف شبكة مواصلات تحت أرضية لمقاتلي تنظيم «الدولة الإسلامية في خراسان» في إقليم نارنغارهار شمال أفغانستان، وإضافة إلى التركيز على ضرورة استخدام قنبلة بهذا الوزن والحجم التدميري الهائل فقد أكّدت القيادة العسكرية الأمريكية في أفغانستان أنها اتخذت كل الاحتياطات لمنع وقوع ضحايا مدنيين.
عمليّات الجيش الأمريكي لم تتوقّف خلال فترة الانتخابات الرئاسية الأمريكية وقد استمرّت بعد ذلك ضمن ديناميّة خاصّة بها، في أفغانستان كما العراق وسوريا، ولكنّ وتيرة عمليّاتها تزايدت بعد انتخاب ترامب بشكل كبير، وقد أعطت أرقام الميزانية الجديدة دفعاً كبيراً للتسليح وتنمية القوات المسلحة الأمريكية، وهو يعني، في ما يعنيه، تقارب قطبي السياسة والجيش، ولكنّه قد يعني أيضاً أن الجيش يجرّ السياسة أكثر فأكثر إلى ملعبه.
حركة القوات الأمريكية تدلّ على وجود «عقل» خاص بها لا يلتفت بالضرورة إلى الحيثيّات السياسية التفصيلية، وعلى عكس الضربة الأخيرة على مطار الشعيرات التي جاءت بقرار رئاسيّ مباشر فإن استخدام «أم القنابل»، كما وضّح الرئيس دونالد ترامب نفسه، جاء بقرار من القيادة العسكرية الأمريكية في أفغانستان، وكان لافتاً إعلان ترامب إرساله مستشاره للأمن القومي هيربرت مكمارثر الأربعاء المقبل لمراجعة السياسة العسكرية في أفغانستان.
التعديلات الكثيرة اللافتة على سياسات ترامب، فيما يخص روسيا والصين وسوريا والناتو، تظهر بشكل واضح أن مجمع الصناعات العسكرية والمؤسسة الأمريكية «الاستابلشمنت»، إضافة إلى وقائع الصراع العالميّ الراهن، تقوم بتنقيح وتصحيح النزعات الشعبوية والأيديولوجية والتناقضات الشخصية لترامب وتعيد ربطها بسكة المصالح الأمريكية العسكرية الداخلية (شركات صنع الأسلحة وحلفائها السياسيين) والخارجية (التغلّب على أي تهديد عسكري ممكن).
وبغض النظر عن استخدام «أم القنابل» التكتيكي فإن زلزلتها لم تتوقف عند الإقليم الأفغاني المنكوب بـ»دولة خراسان» وجبروت الأمريكيين الحربيّ فقد اعتبرتها الأطراف المعنية، كروسيا وكوريا الشمالية، رسالة تهديد، وعلى أساس هذا قامت وسائل الإعلام الروسية بإعلان أن موسكو تمتلك قنبلة ذات قدرة تدميرية هائلة تفوق الأمريكية وسمّتها «أب القنابل».
وتفاخرت وسائل الإعلام تلك بالطاقة التفجيرية لـ»أب القنابل» الروسي التي تكافئ نحو 44 طناً من مادة «تي إن تي» المتفجرة، أي أربعة أضعاف طاقة نظيرتها الأمريكية، واستعادت تصريحاً لنائب رئيس هيئة الأركان الروسية عام 2007 يقول إنه عند انفجار تلك القنبلة فإن «كل ما هو على قيد الحياة يتبخر».
إلى جانب عوامل التدمير وإرهاب الخصوم وإظهار القدرة على اتخاذ قرارات الفتك والبطش فإن لـ»سباق الموت» الاستعراضي هذا بين واشنطن وموسكو مآرب أخرى تجد تصريفها في التصريحات الدبلوماسية التي تريد أن تقنع جماهير وأنصار الدولتين بأن الزعيم في الكرملين أو البيت الأبيض هو صاحب اليد العليا في شؤون الحياة والموت على الأرض.
توفّر هذه الحادثة مجالاً للمقارنات ليس في الاستراتيجيات العسكرية والسياسية المخيفة فحسب بل كذلك في قضايا أنثروبولوجية وثقافية ولغوية طريفة فلجوء الروس إلى اسم «أب القنابل» مقابل «أم القنابل»، يشير إلى تلك الذكورة الفائضة المتعجرفة التي تميّز الحكم الروسي والتي يكاد يكون الرئيس فلاديمير بوتين لاعب الجودو وعميل «الكي جي بي» ذو العضلات المفتولة أحسن تمثيل لها، وهو ما قد يهدد، دونالد ترامب، رجل الأعمال الذي صار رئيساً عبر التلفزيون والأموال وسلاطة اللسان الشعبوية، بالخسارة المعنوية، ليس أمام بوتين وحسب، بل كذلك أمام جنرالات جيشه الكبار الذين لم يتوقفوا، ولن يتوقفوا، عن التعبير عن أهم مزايا الأمة الأمريكية، التي هي أكثر أمّة خاضت حروباً في العصور الحديثة.
رأي القدس