لعل «طبيخ الشحاذين» هو أول ما يخطر على بالي حين أتابع المحتوى الإعلامي لقناة «أم بي سي» مصر.
والمقصود هنا أن المحتوى مختلط على بعضه، وبتتابع في التوقيت لا يكترث للنوع ولا الجودة، فتحتار في تقييم القناة إن كانت ترفيهية بمحتوى محترم، أو ترفيهية بمستوى صالة نادي درجة «ترسو».
هناك برنامج تبثه القناة، منذ أكثر من سنة، اسمه «أحلى مسا»، اختارت «أم بي سي» لتقديمه الراقصة المكتنزة فيفي عبده، والتي بدأت راقصة شرقية وأخذتها حكمة منتجي أفلام المقاولات في الثمانينيات إلى التمثيل السينمائي والمسرحي، لتصبح غصبا عنا ممثلة أيضا، وقرر بعضهم أن صوتها الأجش يصلح للغناء ففرضوها مطربة في بعض أعمالها، وها هو عالم صناعة الترفيه يقرر أن مواهبها تتجاوز الخصر وهزه، لتخرج علينا كإعلامية في برنامج «توك شو»، تفترض فيه أنها تعمل على تحلية مساءاتنا كمشاهدين، فتستضيف وتحاور وتعلق وهي تمسك بيدها أوراقا كأي مذيع برنامج «توك شو»، ليبدأ الحوار مع ضيوف غالبا من النوعية ذاتها، من أشباه الفنانين ومخلوقات الحي الشعبي المطروحين كفنانين في الزمن الرديء.
آخر حلقة تعثرت بها كشاهد تملكه الضجر والتنقل في ملكوت القنوات العربية، كانت مع شاب مغن شعبي، حاورته فيفي عبده، وأصرت – رغم أننا لا نعرفه – أن تتحدث مطولا عن ابن أخته، في بث محسوب الكلفة، وتأملت طويلا في الحوار الفارغ حول هذا المغمور والحديث الطويل عن ابن أخته، والقيمة المضافة لبرنامج محسوب علينا كتحلاية مسا!
تذكرت مرة أخرى زمن الحوارات الجميل، في الزمن الطباشيري الأول للتلفزيون العربي قبل عصر الساتلايت، وتذكرت مقتطفات من مقابلات علقت بالذاكرة لفرط جمالها بين المذيع المحاور والضيف الفنان، مثل مقابلات مروان الصواف، التي كانت مبارزة في الثقافة والفن تشدك إليها لعذوبتها، أو مقابلات الراحل طارق حبيب بهدوئه و رزانته وتهذيبه، فتنصدم أمام واقع الضحك الرقيع المهدور في ساعات بث فيفي عبدة و»أحلى مسا».
أقترح أن تستضيف الفاضلة ذات الخصر غير المياس سياسيين عربا في برنامجها الترفيهي، لنشهد ترفيها نوعيا جديدا في عالم المفارقات، لتتماهى الضحكات الرقيعة والأسئلة الغبية مع مستوى السياسيين العرب الضحلة فنكشف حجم واقعنا المرتبك والمتداخل بالذي يعلم والذي لا يعلم.
نقل المسرح إلى التلفزيون
و«طبيخ الشحاذين»، الذي تقدمه «أم بي سي مصر»، فيه الجيد والذي يعطيك دفقة أمل ولو بسيطة، في زمن الترفيه الرديء، وأكرر أن «مسرح مصر» الذي ابتكره الفنان الحقيقي أشرف عبدالباقي حالة متميزة جدا، تحتاج مزيدا من الدعم والإسناد الإنتاجي والجماهيري، فالرجل نقل المسرح إلى التلفزيون ولم يهدم الحائط الرابع مع الجمهور، فكنا كمشاهدين مثلنا مثل كل الجالسين في المسرح نستمتع بما تيسر من سكتشات كوميدية لطيفة، لا تزال بحاجة إلى نضج في النصوص، ترتقي إلى مستوى الفكرة الجميلة.
فكرة مسرح مصر، تعيد إلى الذاكرة «مسرح الشوك»، الذي ابتكره الراحل الكبير عمر حجو، وهو المسرح الذي تخرج منه نجوم عرب كبار فيما بعد، منهم دريد لحام ونهاد قلعي ورفيق السبيعي وغيرهم، وقد تأسس قبل نشأة التلفزيون العربي السوري بفترة بسيطة، ليضمهم الراحل الكبير صباح قباني، شقيق الشاعر الكبير نزار قباني، إلى التلفزيون السوري وقت نشأته، فانتقل الحائط الرابع خلف الشاشة الصغيرة، في زمن كانت الفكرة الإبداعية فيه، مدججة بالوعي الفني.
فكرة أصيلة من سوريا، التي كانت ولا تزال تضج بالفنانين المبدعين، حولها دريد لحام لاحقا إلى مسرح «كباريه سياسي» لاقى نجاحا آنيا وقتها.
العودة إلى مفاصل نوستالجية معينة في ذاكرتنا الفنية مهمة لنعرف أين انحدرنا؟ والفن في النهاية يعكس واقع الوعي في زمنه.
الكراهية والإقصاء باسم الخالق!
(الأمم المتحدة تقر خطة عمل للتسامح بين الأديان.. وضعها ممثلون عن تلك الأديان على هذا الكوكب). هكذا فحوى الخبر حسب الوارد في أخبار هذا الأسبوع.
طبعا أنت هنا أمام أديان كل منها لديه يقين مطلق بصحة معتقده.. وحسب الخبر الأممي فإن كل ممثل لكل دين «وطائفة» لن يرى إلا أن الحقيقة لديه والآخرون هم ببساطة «آخرون» لا يملكون الحقيقة.
تضحك فكرة «التسامح بين الأديان» أحيانا.. فالأديان فكرة.. والأفكار لا تملك ذاتها لتتسامح.. هي قناعاتنا ومعتقداتنا… نملكها ولا تملك ذاتها.
الإنسان هو من يملك الأفكار.. والإنسان فقط هو الذي يتسامح… وكل ما زاد منسوب انسانيتك زادت نسبة تسامحك.
لكن أمام كل هذا الإنشاء الذي تكلفت الأمم المتحدة جمعه في قاعة واحدة، هل فكرت المنظمة الأممية بما تبثه الفضائيات على أرض الواقع؟
لست هنا بصدد الدخول في جدلية «حرية التعبير» وحق الناس في التعبير عن آرائها، أنا أتحدث عن فضائيات عربية وغير عربية تحتل مساحات من فضاء ألكتروني وتلفزيوني تبث ثقافة الكراهية والإقصاء باسم الخالق.
ليس حصرا، لكن كنموذج من ظاهرة عالمية، وهو النموذج الصارخ بذاته أكثر من غيره، فضاؤنا العربي مثلا، فيه قنوات تمثل أديانا وطوائف متخصصة بتقديم ذاتها كاحتكار وحيد للجنة وصكوك غفران دينية تقصي الآخر، وتدخل مشاهديها من البسطاء وهم نسبة كبيرة في عالم الغيبوبة بعيدا عن الإنسان الذي يجمع الكل على هذه الأرض.
أتجول في فضائنا العربي، على القنوات الدينية المختلفة، فأجد أن التسامح فكرة عبثية أمام ما يقدمه هذا الإعلام الديني المختلف في طوائفه ومعتقداته، ويدهشني هذا الكم في خطاب الإقصاء والكراهية وإلغاء الآخر، وشتمه في حلبات مصارعة حوارية لا يسمع فيها أحد لأحد، وكل يجمع مريديه لتأجيج الصراع والخلاف.
ما يجمعنا على هذا الكوكب، أكبر مما نتصور، وثقب الأوزن المتسع مثلا، لا يكترث لخانة الديانة أو الجنسية في هويتك، اتساعه المستمر يهددك كإنسان.
من حق أي فئة أن يكون لها منبرها الفضائي، لكن ليس من حقها أن تحوله إلى حلبة مصارعة تؤجج الحروب والخلافات، كما هو حاصل الآن.
إعلامي أردني يقيم في بروكسل
مالك العثامنة