أناناس

حجم الخط
0

لم تنبس الغيوم المحلقة في سماء الأنا ببنت شفة وهي تشهد على اليابسة شفاها قد يبست من كثرة التماسها للاستسقاء, فرثت لحالها وأدمعت من الإشفاق عيناها بغزارة.. ترطبت شفاه السائلين وتشبعت مع حزن الغيوم المرتجى, وراحت
الغيوم تغدق عليهم من رقة عواطفها, ما جعلهم يطوفون فوق أشياءهم.. التمست الشفاه العائمة هذه المرة لمحنتها مع رهاب المطر..حارت الغيوم مع طلباتها الشعبية المتضاربة, فهجرتها طويلا.. وعاود الجَفاف الكَرة على اليابسة وتقشرت الشفاه، فعاودت الالتماس للاستسقاء.. خطبت الأنا بالناس من على منبَر الّلَغو والغُلو قائلة: أيها الناس! من ينكرني فليعلم أنه لا حياة له بدوني.. اعترض أحدهم على خطابها، وصرخ بوجهها قائلا: تبا لكِ! كل مصائبنا منكِ. فردت قائلة:
صَدّقوني! من دوني أنتم لا شيء.. خذوا مثلا اندماجي بكم، معا نكون فاكهة لذيذة.. هي الأناناس.. رفض قصدها الليبراليون في سريرتهم المنشرحة, بينما تقبلها المتطرفون في سريرتهم المضطربة بشرطٍ أفصح عنه كبيرهم قائلا: حسنا! لكن إياكِ أن تتناغمي مع الموسيقى فتمتزجي بالغَم.. تساءلت الأنا مندهشة: أنا غَم؟ أيَّدَ متطرفٌ مؤازر قائلا: أجل! وغَيٌ حين تُناغين.. فتساءلت بدهشة أخرى: أنا غَي؟ ثم قالت تبين أمرها بانشراح: إذن الغَم والغَي لا يستدركان من دوني يا أحبتي.
تهامس الليبراليون فيما بينهم من جهة والمتطرفون فيما بينهم من جهة أخرى, ثم تهامس الغريمان فيما بينهما، وتقرر إنزالها من المنبر بالقوة.. شعرت الأنا بخاتمتها.. وتحاشتهم وجلة من تنكيلهم بها.. وَقَّروها ورفعوها فوق أكتافهم معلنين رضوخهم لمنطق الأنانية.. وشهد الناس فوضى الأنانية الحميمية فيما بين الغريمين المتوافقين, إذ تراقص الليبراليون مبتهجين، بينما هتف المتطرفون بِحَماسٍة مكبرين.

٭ كاتب وقاص عراقي

مهند حوشي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية