أنا أخجل من سلوك الجنود الإسرائيلي

حجم الخط
1

أنا أخجل من الجيش الذي أقسمت له بالولاء في يوم تأسيسه. فهذا ليس الجيش الذي خدمت فيه. وأنا أخجل من الإعلام الذي كان لي دور في تشكيله. فهذا لم يعد نفس الإعلام. وأنا أخجل من دولتي التي ساهمت في إقامتها والدفاع عنها في يوم إقامتها. الدولة التي قدمنا ذات يوم بفخر جواز سفرها في كل المطارات. الدولة الجميلة الغضة والمشبعة بقيم تلك الايام تحولت إلى دولة قبيحة. أنا خائف.
في اليوم الاول للاحتجاج في غزة تم اطلاق النار وقتل 17 شخصاً وأُصيب المئات بالنار الحية. أحد من هؤلاء لم يعرض للخطر حياة أي مواطن إسرائيلي. وبالتأكيد ليس حياة الجنود. وأحد منهم لم يحمل السلاح، ولم يكن قريباً من الجدار المقدس. لقد شاهدنا الصور في قنوات التلفزة العالمية. العالم العربي شاهدها في «الجزيرة» والأمريكيون شاهدوها في «سي.ان.ان». إطلاق نار عن بعد، إطلاق نار على الصدر، رصاصات على ظهور أشخاص هاربين.
قبل اسبوع من ذلك سئلت كيف سترد حكومة إسرائيل على حرب غير عنيفة. وأجبت «بالنار الحية». لا يوجد لدى حكومة إسرائيل أي رد آخر على مقاومة غير عنيفة.
الحكومة ستحاول تحويل المقاومة غير العنيفة إلى مقاومة عنيفة. لأنه على العنف يوجد لديها رد: عنف مضاعف بأضعاف. هذا ما كان في بداية الانتفاضة الثانية التي بدأت بشكل غير عنيف. الجيش الإسرائيلي قام باطلاق النار وفجأة اصبحت المقاومة عنيفة.
المقاومة غير العنيفة هي أداة سياسية. الرد يمكن أن يكون فقط سياسياً، مثل الاعلان عن الاستعداد لتسليم المناطق المحتلة لحكومة فلسطينية، الدعوة إلى اجراء المفاوضات، ليس مع الممثلين الصهاينة مثل دونالد ترامب، بل مع قيادة الشعب الفلسطيني. لن يكون هناك حل آخر. لا في الغد ولا بعد سنة ولا بعد خمسين سنة. الجيش الذي يطلق النار على جمهور غير مسلح ليس جيشاً، هو بصعوبة مليشيا.
أنا أفكر بـ «القناصة». القنص هو مهنة عسكرية، القناص يطلق النار على عدو مسلح الذي يرد على النار. القناص المدرب والذي يطلق النار من بندقية قنص على أشخاص غير مسلحين من مسافة آمنة ولا يعرض حياته أبدا للخطر، ليس قناصاً وليس جندياً. ماذا نسميه؟
وأنا أتساءل ماذا كنت سأفعل إذا تلقيت أمراً باطلاق النار على اشخاص غير مسلحين. هل كنت سأرفض تنفيذ الامر؟ آمل أن تكون لدي الشجاعة للقيام بذلك، لكن حتى لو لم تكن لدي هذه الشجاعة، كنت سأخطيء الهدف عمدا. لقد كنت سأخطيء حتى لو قالوا لي إن هؤلاء هم «نشطاء من حماس»، أي إرهابيين، مخربين. ولكن نشطاء حماس الذين لا يحملون السلاح ليسوا إرهابيين. هم يخدمون جسماً سياسياً، يشكل الآن الحكومة الفعلية في قطاع غزة، التي تقوم حكومة إسرائيل باجراء اتصالات رسمية أو غير رسمية معها. هل يمكن التفكير بأن نشطاء حماس سيبقون في البيوت عندما يستجيب جيرانهم لدعوة حماس للخروج إلى التظاهرة؟.
أنا أخجل من الإعلام. عندما أقيمت الدولة كان الإعلام أداة حكومية، هكذا عمل وبحق في أيام الصراع التي سبقت اقامة الدولة، كل صحافي اعتبر نفسه جنديا في النضال على الاستقلال. للأسف، الاعلام بقي هكذا حتى بعد اقامة الدولة. «هعولام هزيه»، وهي المجلة الاسبوعية التي حررتها على مدى 40 سنة، كسرت هذه الصيغة. لقد استغرق الامر سنوات، لكن في نهاية المطاف انضم الينا تقريبا جميع الصحافيين وأصبح لدينا إعلام انتقادي. هذا لم يعد موجودا. في هذا الاسبوع تكشف لنا رجال الاعلام ـ رجال الصحافة، قنوات الاذاعة والتلفاز، تقريبا جميعهم وجميعهن ـ كمتحدثين باسم الحكومة ورئيس الاركان. ليس فقط صيغة التقرير أمليت عليهم، بل ايضاً استخدام المفاهيم والكلمات. فقط عدد قليل خرجوا على هذه القاعدة، ونحن نشكرهم. مثال على ذلك، منذ زمن لا يوجد في الاعلام حديث عن الانفاق. الآن يستخدمون فقط مفهوم «انفاق إرهاب»، في كل وسائل الاعلام، حتى لو ورد هذا ست مرات في نشرة اخبارية واحدة. هكذا تم الاملاء، ويجب عدم الانحراف عن ذلك. كل المذيعين والمذيعات. مثلما كان الامر في روسيا السوفييتية. من الذي انتصر حتى الآن؟ لا يوجد أدنى شك أن الفلسطينيين هم الذين انتصروا. لم يكن بالامكان في ذلك اليوم أن تشاهد قناة تلفزة أجنبية من دون رؤية الاعلام الفلسطينية وهي ترفرف أمام ناظرينا. بعد سنوات اختفت فيها تقريبا القضية الفلسطينية من وسائل الاعلام الدولية، عادت وبقوة. لقد اعادت حماس طرح القضية الفلسطينية على جدول الاعمال الدولي. أعلام ومتظاهرون، أعلام وقتلى، أعلام وجرحى. في الأمم المتحدة لم يدافع أحد عن إسرائيل. حتى ولا اصدقاؤنا المخلصون. مندوبنا في الأمم المتحدة وجد ذريعة وغاب.
على شاشاتنا ظهرت كل النماذج. أحدها عرض كمتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي باللغة العربية. أسلوب عمله كان يشبه أسلوب جوزيف غلبس، وزير الدعاية النازية، الذي أمطر القوات الأمريكية في فرنسا بالمناشير التي ظهر فيها يهودي سمين وهو يداعب فتاة شقراء، والعنوان كان «في الوقت الذي تسفك فيه دمك يقوم اليهودي بمداعبة زوجته». الضابط المتحدث بالعربية وجد صورة لاسماعيل هنية وهو يلعب بالكرة وقال «في الوقت الذي تعرض فيه حياتك للخطر يقوم هنية بلعب كرة القدم»، إلى أين يمكن أن ننحدر أكثر من ذلك؟ مهاتما غاندي ومارتن لوثر كينغ انتصرا انتصاراً كبيراً. أيضاً الفلسطينيون سينتصرون في هذه المعركة.

أوري أفنيري
هآرتس 3/4/2018

أنا أخجل من سلوك الجنود الإسرائيلي
أصبح الجيش والإعلام والدولة جميعها مختلفة عما كانت عليه
صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية