أنا الصبي الخائف من حي الشجاعية

حجم الخط
0

حمزة صفتاوي: من بات يدركُ أن العَويَلَ وحده يكفي، فهو واهم.
شاهد نفسك، وانت تُقارع حِكايات البلد عبر تنقلك بين سيارات الأجرة. وانت تُعاين آثار السنين العِجاف على جُدران مدينتك، وكيف تتقشَر الأرض وتُصبح غير الأرض، وكيف تتهاوى وجوه الناس بالرمال. عبثاً بهذا الكم الكبير من الوقت، الذي لا يسعفهم في مُعظم الاحيان، عن بسط لقمة العيش لأبنائهم.
تتعالى كل يوم أرواح منتحرة ضجّت بها الحياة ثِقلاً، من بين كل هذا الرصاص، يَضَعُ الحَبلَ على رقبتِه، ويتجه بها نحو حياة أخرى، غير الحياة بين أزقة و جدران غزة.
علّهُ يجد ذلك المكان الميتافزيقي. يستطيع أن يأوي اليه دون صُداع في شرايَين الرأس عن الوطن المثقوب. وعن كِفاحاتِه العميَقة التي باتت على شكل طوابير مُشعةَ مثل اللازورد.
ما بين صرّاف، إلى محطات تعبئة الغاز، إلى حرق صُور « الرئيس»، إلى الهرَولة على حجَزِ بِضعة أطَنانِ من الإسمنت، قبل أن يتطاير الإسمنت من جديد، فوق رؤوس الجميع، بالحرب المُقبلة.
ذلك اللاَجِئُ الفقير، تتسابق عليه، الأحزاب السياسية. كُلٌ بتجاعيَده السياسية، وكفاحاته المتقرّحة، والتي ما زالت تُشكل اليومَ، أكَثر من همِ جماعي يبعثُ حالة من الـ»سَاركازم» أجهضت الوعي العام، فلا أحد أصبح يفرق بين الوعَي ووعاء الطبيخ.
كُل ينَتشي على ليلاها، طالما عجلة الملاهي الكبرى تدور، وجدول الكهرباء مُنتظم ، والذقون الفارهة والمحلوقة، تتلمع كل يومِ جيداً أمام المرآة، لا داعي للاكتراث. لأن في الاكتراث، كوارث. تعصف بالطحين والحَجر وذلك الوطن الرقيق كغشاء البكارة يفضُه الجميع بحثاً عن المتعة بين أكوام اللحم التي يمتلكها الفقراء تحت جلودهم .
منذ صغري وانا أخشى التوجه إلى منطقة الشجاعية شرق مدينة غزة، حيث دائماً ما كانت الخرافات التي تتطاير من ذلك المكان باتجاه جدران غرفتي مُخيفة، وكيف ارتبطت بعد ذلك افلام «الكاوبوي» التي كنت اشاهدها على التلفزيون أحياناً بمعيِة والدي، بقصص اطلاق النار هناك، وبالمشاكل العائلية والشِجارات التي اشتهرت قصصها في جميع انحاء غزة أثناء سيطرة حركة فتح على مقاليد السلطة والحكم.
كيف حدث الاخَتراق في براثينَ نفوَسهم، وكيف تجرَعوا لُغة التعاطي مع الصحافة امام الكاميرات، وكيف تحولوا من ذلك الطفل الفلسطيني الشقي الذي يبرع في مداعبة كرة القدم، وفي الشجار، وفي حالات الاحتيال على الأغنياء وخلق حالة بذخِ مؤقتة بين صفوف الفقراء، غالباً ما تنتهي بنهايات درامية مع سلطات الحكم. إلى ذلك المراهق بعد ثلاث حروب أنَضجت جَسده النحيل.
أصبح يبحث عن اسئلة كبيرة تتعلق بالحياة، يتقن فن لغة الجسد أمام عدسات الكاميرا. يتحدث عن الأشلاء المتطايرة التي شاهدها وهو طائر، يستطيع أن يقحمك بتفاصيل من المفترض أنها عصية على التذكر والسمع. يستطيع ان يرشدك للمكان الافضل لالتقاط صور جيدة لتقريرك الصحافي. الانطباع الذي تكون وتشكل بفعل التعاطي مع الكثير من الصحافيين أصبح جلياً لإدراكهم ما يبحث عنه تجار الحقيقة والحرب (الصحافيون) حين يتكاثرون على انقاض الفقراء بحثاً عن إنجاز عملهم الصحافي، والاتكال.
المعادلة أصبحت على النحو التالي: الفقراء هم الوقود الأشهى لأي تصعيد عسكري، التجارة بهم مُربحة جداً. الجميع يتنافس، حتى يستطيعوا ان يرسموا خريطةً مريحة اكثر لعمل المعابر، ولاستيراد أجندات جديدة، علّ ذلك الوطن ينهض من سباته السريري.

مدّون من غزة

أنا الصبي الخائف من حي الشجاعية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية