«أنا دانييل بلاك» للإنكليزي كين لوتش: التوغل في واقع المجتمع

حجم الخط
0

مراكش ـ «القدس العربي» من عبدالله الساورة: هل أنقذ فيلم «دانييل بلاك» للمخرج الإنكليزي كين لوتش مهرجان كان السينمائي من هباته السياسية ومن الاتهامات الموجهة له؟
يبدو السؤال مشروعا ومنطقيا أمام حجم الاتهامات والإشاعات التي تلقاها مدير المهرجان بدءا من اختيار عناوين الأفلام إلى توزيع الجوائز في اليوم الأخير. تلخص عبارة بسيطة للمخرجة الفرنسية هدى بن يامنة المشاركة في المهرجان، هذا السجال وهذا الإحساس بالضياع الذي يعيشه العالم أن «السينما هي مكتب للحب». عشر سنوات مرت في لمح البصر.. وقراءة متأنية لفيلم «الريح التي هزت الشعير» (2006) تضعنا أمام مخرج عالمي مخضرم ينتقي ألياته وأساليبه ويحمل الكثير من الهموم يفكر بصوت مرتفع وبطريقة إبداعية وبرؤية واقعية ونقدية ذات أبعاد فلسفية.
يعود المخرج وهو يغالب الزمن ( يونيو/ حزيران 2016 أكمل الثمانين عاما من عمره)، ليحقق إنجازه التاريخي بالحصول على السعفة الذهبية في مهرجان كان الدولي بفيلمه «أنا دانييل بلاك» (2016) للمرة الثانية.
تتشابه سينما المخرج كين لوتش (1936/ نوناتن/ إنكلترا) مع مواقفه السياسية. ويؤكد على لاإنسانية العالم الحالي. هذه المرة عبر المعاناة الشديدة لشخصية نجار ينتمي للطبقة الوسطى ويبلغ من العمر 59 عاما. لا يمتلك أي دراية في عوالم التواصل الاجتماعي والإنترنت. هذا العالم الموحش بالنسبة لرجل دأب على العمل اليدوي سنين طويلة. الفيلم من تأليف بول ليفرتي ويجمع بين قصتين: قصة نجار مصاب بمرض القلب ويعاني من مجموعة من الأزمات الصحية وامرأة عزباء يجدها في طريقه بصحبتها طفلان لا تجد مكانا تأوي إليه. في اطار هذا السفر وهذا التعاطف للبطل/ النجار مع امرأة ذات طفلين في سن المدرسة.. يبدو الإيثار واضحا والهم الأكبر بالنسبة للنجار في تخليه عن معاناته الأولى مع مرضه وتعاطفه اللامحدود مع المرأة والطفلين. «نعتقد أن الحكاية قاسية جدا، ولكن ما يؤخذ في عين الاعتبار هو صدقها «يؤكد المخرج في تقديمه للفيلم في مهرجان كان الدولي».
في قراءة للفيلم على مستوى اللغة والأسلوب والكتابة السينمائية، أو بتعبير بسيط بقراءة لدرجة الصفر في الكتابة السينمائية أو الكتابة الباردة، حسب تعبير رولان بارث، نستطيع أن نقف على هذه المستويات الثلاثة:
تمتح اللغة السينمائية عند المخرج كين لوتش من التوغل بعيدا في واقع مجتمعي، يعرف تناقضا مفرطا وصخبا يرافقه… في إطار نظام معولم تحكمه قوالب رأسمالية، يسميها المخرج كين لوتش بسينما الضياع والافتقاد. المنجز فيها هو الفكرة التي يتأسس عليها الفيلم عبر شخصيات تائهة وضائعة تبحث عن الخلاص في ظل وضعيات مأزومة اجتماعيا وبتركيبات اقتصادية وسياسية ونفسية تسعى للتخلص والفكاك منها والجهر بمطالبها وبحقوقها والبحث عن حريتها وكينونتها، في فيلمه الافتتاحي لسينما الضياع «أجندة مستترة» (1990)، ومنذ ذاك الحين ينمو رجل صغير بمقاومات كبيرة وسط شخصيات كين لوتش ووسط اللاوعي الذي يحمله المخرج ويرغب في التعبير عنه.
في مقاربة بسيطة بين فيلم «أنا دانييل بلاك» (2016) وفيلمه «اسمي هو جو» (1998)، يضعنا المخرج منذ الوهلة الأولى أمام شخصية تعرف نفسها وتحاول التعريف بنفسها، ويتم التأكيد على ذلك عبر مجموعة من المؤشرات والمشاهد الدالة في لقائه مع المرأة داخل المستشفى أو داخل مبنى نظام التقاعد الإنكليزي (نظام ويلفار).
هذه اللغة التي تتأسس على الفهم المسبق للقضية التي يعالجها المخرج عبر ثيمات أساسية تتكرر مرارا في أفلامه. موضوع الفقر، السرقة، الموت، الدعارة، الطفولة ونقد نظام التقاعد والتضامن الأسري بشكل أساسي.. يقولون لهم في مكتب التضامن الأسري إن الفقر هو السبب ويتم تشغليهم والبحث لهم عن عمل عبر هذا المكتب، وهذه مفارقة كبيرة يبرزها المخرج.
في فيلم «أنا دانييل بلاك» وباقي الأفلام تبقى اللغة المسيطرة على كل الثيمات المؤسسة لماهية الفيلم عند كين لوتش بدءا من فيلم «الكتيبة»، «فقط قبلة واحدة»، «ريف راف»، «أرض وحرية»، «مغادرة الملائكة»، «البحث عن إيريك»، «تمطر أحجارا»… أفلام في لغتها السينمائية تنتمي لسينما المؤلف والسينما المستقلة بحساسية مناضل يساري مشبع بالأفكار اليسارية وأبعادها التحررية والإنسانية. إنها لغة باردة تضع مجموعة من الإشارات الأولية لتصنع تولى الحكي / السرد بعد ذلك بوظائفه المتعددة.
على مستوى الأسلوب السينمائي يمكن تقسيم الفيلم إلى ثلاث لحظات أساسية: لحظة ما قبل تعرف بطل الفيلم/ النجار على المرأة والطفلين ومعاناته الشخصية والذاتية مع مرض القلب وتوعكاته الصحية في صمت ومكابدة. ثم اللحظة الثانية التي تبزغ مع تعرف البطل على المرأة والطفلين وبداية تشكل العلاقة بينهما بعاطفة جياشة. وهذه اللحظة تمتاز بتدفق المشاعر ولغة البوح السائدة مع سيادة الإيثار والأحاسيس المرهفة. واللحظة الثالثة وهي لحظة مركزية ومفصلية في الفيلم وتحمل الكثير من الدلالات بموت بطل الفيلم ومحاولة إغواء المرأة بالتعاطي للدعارة لسد رمق العيش والتغلب على مصاريف الحياة.
يمكن أن نتحدث في هذه اللحظة الثالثة والقاسية عن إدانة المخرج والمؤلف لنظام التقاعد والمساعدة الإجتماعية وعدم جدواه، إدانة صارخة يترجمها موت النجار وسط مبنى التضامن الاجتماعي واتجاه المرأة للسرقة وتعاطي الدعارة.. ذاك هو الفقر الذي يدفع الفقراء لارتكاب الأخطاء اعتقادا منهم أن بإمكانهم تجاوز وضعياتهم الاجتماعية والاقتصادية المنهارة…
أسلوب بسيط جدا يضعنا المخرج أمام ما يود قوله عن طريق حضور الشاهد (temoin) في المشهد نفسه… في مشهد المرأة وهي تحتج على موظفي الضمان الإجتماعي وفي حديثها مع رئيس المكتب وفي لقطة متوسطة.. تترآى العيون تستنكر عدم التضامن مع المرأة وهي تجر طفليها وتصيح ويدفعها الشرطي للخروج من المكتب وعيون الآخرين وهي فقط ترمق ما يحدث. كذلك في مشهد موت بطل الفيلم/النجار وسط دار التضامن الاجتماعي بالتقنية نفسها يوظفها المخرج ويتحول الشاهد ليس الإنسان فقط ولكن يتحول المكان برمته إلى شاهد إثبات.
على مستوى الكتابة السينمائية لهذا الفيلم يعتمد على كتابة سينمائية محبوكة بشكل جيد.. يقدم الشخصيات بطريقة تتوازن وحجم الأحداث وكذا ارتباطا مع مشاكهم ونوازعهم الإنسانية وكذلك يخلق لهم سبل التلاقي بطريقة سهلة وبشكل طبيعي، تبرز إلى أي حد تمكن المخرج من فهم الميكانزمات الفيلمية من دون الإكثار من المشاهد واللقطات التي تثقل كاهل الفيلم.. فقط كاميرا لها القدرة على التسلل والنفاذ إلى أعماق الشخصيات والأمكنة.
يمكن تقسيم شخصيات الفيلم إلى شخصيات رئيسية (النجار، المرأة. الطفلان) منحهم المخرج داخل الفيلم حضورا وازنا لإبراز نفسياتهم ووضعياتهم الاجتماعية والثقافية ونفسياتهم ومواقفهم من الأحداث وسيرها وشخصيات ثانوية (الجالسون، الموظفون، الرامقون، المارون…) تنبه لهم الكاميرا بشكل جيد وتفسح لهم مجالا للحضور من دون التأثير على السير العادي لمتواليات السرد الفيلمي.
تختلط هذه المستويات، اللغة والأسلوب والكتابة السينمائية لتمنح للفيلم جمالية كبرى تحيل إلى المعنى والجدوى من السينما، وفيلما باردا وعميقا استحق به الفوز بالسعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي الدولي في نسخته 69 للمرة الثانية على التوالي، منقذا بذلك المهرجان من رجة قوية ومن لغط كبير ومحولا الأنظار إلى قيمة سينمائية كبرى تستحق الوقوف والتأمل في مسار رجل صغير ظل ينمو إلى أن تحول إلى أيقونة سينمائية لا يمكن تجاوزها في تاريخ السينما.
الكثير من النقاد والمتتبعين لقطاعات السينما تكهنوا بأن يكون فيلم «أنا دانييل بلاك» هو فيلم التقاعد للمخرج كين لوتش، مما يطرح سؤال الفيلم الأخير بالنسبة للكثير من المخرجين وعبره مسار مخرج طويل في البحث عن إيجاد مكانة مرموقة في عوالم السينما وبصمة مؤلف كرس جهده وعمله بالدفاع عن قضايا المهمشين والفقراء والمحاصرين.

«أنا دانييل بلاك» للإنكليزي كين لوتش: التوغل في واقع المجتمع
حائز على السعفة الذهبية في مهرجان كان 2016

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية