أنبياء رام الله

حجم الخط
0

إلى زياد خداش حسين البرغوثي
ذات يوم سألني سيناريست عن مسلسل تلفزيوني له عرض مؤخرا.. قلت له إن العلاقات اﻹنسانية والبشر كما نراهم في الحياة والواقع غير مفهومين ووظيفة اﻷدب أن يخرجهم من حرائق الواقع وتداخلاته وإرباكه إلى فضاء وتخوم ما لنراهم على نحو جديد، يوضح ويبرر سلوكهم ومشاغلهم.
وقلت له إن مسلسله لم يفــــعل ذلك ترك نــاسه في إرباكهم الحياتي الإنساني نفسه كما هم في الواقع، من دون أن نتبين أو نعرف عنهم شيئا.
يبدو أن ما قلته يومها يشكل مفهومي للأدب وبالتالي زاوية رؤية ومعيارا .. وباعتقادي أن هذه المقاربات وزوايا الرؤية والمعايير وما شابه، تأخذنا من حيث ﻻ نعلم إلى أحكام قيمة سرعان ما تنهض أمام معظم النصوص التي نمر عليها مزهوين، نحن المتعلمين، إننا نملك مقدارا عاليا من الحكمة والذائقة وزاوية رؤية جمالية لا يأتيها الباطل، ثم فجأة تجد نفسك هنا أو هناك، وهي حالات نادرة للغاية أمام نوع من الأدب لا يخربش معاييرك هذه فحسب، بل يطيح بها قولا واحدا ويضعك مرغمأ على سكة جديدة، وإذ أنت وحيدا أمام أسئلة متشظية أخرى جمالية في الحياة كما في الكتابة.
هذه اﻷسئلة والتشظيات بدأت تتفلت في رأسي منذ قرأت زياد خداش قبل أشهر.. وأيضا كاتبا فلسطينيا آخر. كنت مسحورأ به ومازلت هو حسين البرغوثي.. إن كتاباته ظلت امتدادا لمعايري وإن ظللت أتساءل بيني وبين نفسي في أي خانة يمكن أن أضع حسين.. إنه ليس روائيا وليس قاصا.. وليس وليس.. لكن اﻷسئلة كانت سرعان ما تمحى أمام سحر جمالي فريد، من دون أن أفقد معاييري ومن دون أن ألزمه بها صار بيني وبينه تعايش في الجمال الساحر المذهل وكفى..
زياد خداش يفكك معاييري أيضا، والسبب أنه اشتغل لا أقول عكس حسين لكن ذهب بعيدا إلى التفاصيل الواقعية واليومية للناس، حسين ذهب إلى تفاصيل أخرى تفاصيل معينة وجودية ربما.. تفاصيل عامة، لتشعل الروح فقط أو أن الروح المشتعلة ذهبت إليها حصرا لتذكي اشتعالها وتهستره. زياد يلاحق التفاصيل اليومية، ما يجمعهما هسترة الروح، التي انقلبت الحياة فيها حلمية.. انهما يعيشان الواقع بوصفه حلما.. فما نراه نحن واقعيا أمامنا. الخضار واﻷثمار والنساء وأﻷحذية واﻷزرة والحجارة وشجر اللوز هما يريانه حلما في هيئة واقع.. أو واقع في هيئة حلم.
وهذا يعني أنهم يرون روح الله في أشيائه وخيراته.. لذلك فإن الأشياء البائسة التي نراها نحن، من دون ان نكترث بها أو تشدنا، هم يرونها ترفل بروح الله. هذه هي المسألة تماما، نحن كبشر لأسباب كثيرة لم نعد نرى روح الله في خبراته اﻷرضية وما يفعله زياد أنه يعيد لنا اﻷشياء التي أهملناها مغمسة بروح الله.. الشحاد اﻷعمى المجنون والمرأة في أحوالها المتعددة. الخطا، خطا اﻷب وخطا العابرة.. وهو يجلس مع أصدقائه يتحسس شيئا ما بين أصابعه. إنها روح الله في الصداقة.. زر يضعه في يده مجنون فنتعاطف مع البشرية كلها.. البشرية المنهمكة في تفاصيلها ويشمل عطفنا المجنون كمفجر لهذا الإحساس الشمولي روح الله.
وربما أن المجنون هو البشرية المنشغلة في زر قميص. لكن ليس على الطريقة البيكتية العدمية، لكن وقد أصبحت روح الله في الزر أو في البشر الساعين نحو أزرار أخرى لا تنتهي… في أسطر قليلة تصير غزة معروفة ومفهومة لنا. غزة الموت والدمار والفقر والكثافة والاكتظاظ.. غزة حماس وفتح والاغتيالات. غزة الجنازات المستمرة المتواصلة.. غزة.. غزة… لم نكن نعرف غزة، غزة كانت في رؤوسنا أشياء ﻻ تحصى، وإذ هي مطعم فول وحصان يربط إلى حجر تشظى من جدار أصابه صاروخ.. وأوﻻد ينتظرون صحنهم فاقدي الصبر، لكنهم ينتظرون… حراك ﻻ ينتهي، لكن باستسلام.. خلفهم شاب أو رجل بساق معدنية يبحث عن مكان.. عيناه تتنقل في مشهد معتاد يومي.. لبقايا أشياء.. ساعية إلى أزرارها ألبست اﻵن روح الله..
هل سنطلب من القاص زياد خداش أن يقدم ويظهر لنا دوافع سلوك الشخصيات وملاحقة مصائرها، أو يلاحق حكاياتها.. إن هذا المطلب يخص أدب كتاب آخرين ساحرين أيضا.. ساحرين للغاية…أما زياد فتكفيه، أعتقد، مهام اﻷنبياء.

٭ كاتب فلسطيني

أنبياء رام الله

نادر عبدالله

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية