أنت تصلي وتصوم إذن أنت «إخوان»!

حجم الخط
21

هناك حديث مشهور عن الرسول محمد يقول فيه: «اطلبوا العلم ولو في الصين»، ويتحدث تقرير من واشنطن تنشره «القدس العربي» اليوم عن الضجة التي يثيرها صيام نائبين مسلمين في الكونغرس رمضان، والتي ردّ عليها أحدهما بالقول إنه ليس إماماً أو عالماً وإنما هو مجرد شاب عادي يمثل المنطقة التاسعة من ولاية إنديانا وقد صادف أنني مسلم».
لا يتعلّق الأمر بالصيام، وهو ممارسة لطقس لا يؤذي الآخرين ولا يجب أن يتدخّل فيه أحد، بل يتعلّق بالتأكيد بكون النائبين مسلمين، وبالارتباط الذي يتعزّز، بطرق شتى، بين ممارسة طقوس الإسلام، وهي ممارسات اجتماعية وفردية، من جهة، وتحميل الإسلام حمولات سياسية هائلة تربطه بالإرهاب والتخلّف والعنف، من جهة ثانية.
المرشح الجمهوري الرئاسي السابق هيرمان كاين قال عام 2011 إن قرار أحد النائبين بحلف اليمين على القرآن الكريم يعني أنه يدعم تطبيق الشريعة الإسلامية، وقام لاحقا بالقول إن إليسون مدافع عن «الجهاد»، بينما رفض مركز أبحاث أمني محافظ ترشيح أحد النائبين ليكون أول عضو مسلم في لجنة الاستخبارات في مجلس النواب بدعوى أن له علاقة بالإخوان المسلمين.
والواقع أن استسهال كسر الحدود بين الحق الإنساني البسيط للمسلم بممارسة طقوس دينه وبين اتهامه بالأخونة (كما لو كان الانتساب لحزب سياسي ذي مرجعية دينية تهمة) أو حتى بالإرهاب (وهو مفهوم مطاط لا تلتزم حتى الدول التي تستخدمه بمعانيه الحقيقية) جعل بلداً مثل الصين قادراً ببساطة على إصدار «فرمان قراقوشي» بمنع أقلية الأويغور المسلمة من الصيام وأداء العبادات.
وكنا لنستطيع لوم الصين على جهالتها الكبرى هذه لولا أن دولا عربية، وهي بلدان أغلبية سكانها من المسلمين، لا تتوانى هي الأخرى عن التعامل مع شعوبها بطرق شبيهة، كما لو كانت أنظمتها ونخبها وجيوشها قوى احتلال وتغلّب وتسلط تحكم شعوباً من دين آخر!
فباسم محاربة تنظيم «الدولة الإسلامية»، وهو، في الأصل، نتاج تاريخي معقد للاحتلال والطائفية والاستبداد وهزائم الكينونة البشرية، يستغلّ النظام المصري هجمات التنظيم آنف الذكر للتخلّص من خصومه السياسيين، بادئاً بالطبع بأكبر تياراتهم السياسية «الإخوان المسلمين»، وتنتشر على هوامش حربه هستيريا الخلط بين الإسلام، وهو أيضاً مصطلح واسع وكبير، والإرهاب، بشكل يسمح بتشريع إرهاب الدولة المعمم، وبتأجيج الحرب الأهلية التي ستنتج عنه.
وإذا قلنا إن ما يحصل في مصر يرتبط بمأزق السلطة السياسية الذي يجعلها غير مؤهلة لإعادة أسس السلم الأهلي واستكمال ما بدأته ثورة 25 يناير من حراك ديمقراطي، فماذا نقول عن السلطات في تونس وهي سلطات منتخبة ديمقراطيا واستلمت السلطة بشكل سلمي؟
فأول ما فعلته الحكومة التونسية بعد الحادث الإرهابي البشع الذي حصل في سوسة كان إصدارها قرارات من بينها إغلاق 80 مسجداً بدعوى عدم ارتباطها بالدولة، والسؤال الأول الذي يستجلبه هذا الإجراء هو: لماذا لم تربط الدولة هذه الجوامع بها بدلاً من إغلاقها، أما الأسئلة الأخرى فهي: كيف سيتلقى الشبان الذين كانوا يستخدمون المساجد تلك هذا القرار، أليس بالاستنكار وبالتساؤل عن «دين الدولة»، وهل يعتقد مصدر القرار حقاً أن ما فعله سيخفف التطرّف أم سيزيده؟
هل يعقل أن يفكر أحد عاقل أنه يكافح التطرّف والإرهاب بحظر الصيام والصلاة وإقفال المساجد؟
الخلط المتعمد بين أداء الطقوس والعبادات الإسلامية، وجماعات السلفية والإخوان، وصولاً إلى اتهام المسلم العادي بالانتماء لتنظيمات إرهابية لمجرد حفّ شاربه أو إطالة ذقنه، هو لعبة سياسية كبرى خطيرة يدفع المسلمون ثمنها الرهيب إحباطاً وخوفاً وزعزعة في فهم الهوية والمعنى والتاريخ، ولكن الأسوأ من كل ذلك أن من يعتقدون أنهم رابحون فيها فهم خاسرون أيضاً، وأسألوا تنظيم «الدولة» عن أرباحه الهائلة من هكذا ممارسات.

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية