لمحمد حسين آل ياسين منزلة خاصة في عالم قصيدة العمود المعاصرة، بسبب ما ينماز به عطاؤه الإبداعي من مخيلة وما تتصف به موهبته الشعرية من بصمة، وبموجب هاتين العلتين أعني المخيلة والموهبة صارت القصيدة عنده كيانا واعيا وحيا.
تمتد تجربة الشاعر آل ياسين إلى أكثر من خمسة عقود بدءا بستينيات القرن الماضي وقد أصدر ديوانيه «نبضات قلب» 1966 و«الأمل الظمآن» 1968 ومرورا بالسبعينيات بديوانين هما «قنديل في العاصفة» 1975 و«مملكة الحرف» 1979 ووصولا إلى التسعينيات بدواوين «الصبا والجمال» 1980 و«الصحف الأولى» 1995 و«أساطير الأولين» و«ألواح الكليم» 1999 .
وإذا عددنا هذه الدواوين بمثابة عهدين تناصفتهما الأعوام من السبعينيات إلى التسعينيات، وقد بدا فيها العهد الأول نظما.. وغدا العهد الثاني شعرا، بدلالتيهما المذكرة التي تحمل مقاسات لا تخرج عن الأبوية الشعرية ومعاييرها المتمثلة بالإتباع والانضواء والالتزام والاحتذاء؛ فإن العهد الثالث هو القصيدة بتوصيفها المؤنث وما يترشح عن هذا التوصيف من دالات وثيمات تحمل تجليات الأمومة والخصب ومعاني التوالد والصيرورة والانتماء.
وتتجلى هذه الدالات والثيمات مترعة وطافحة عند الشاعر آل ياسين في ديوانه «العهد الثالث» الصادر عن مؤسسة الروابي في بغداد عام 2007، إذ كل قصيدة تبرهن على نفسها أنها كيان مؤنث بأبياتها التي تنتظم متساوقة الفكر، متواترة الألفاظ، وبلمحاتها الجمالية التي تجعل قصيدة العمود متجددة مبتكرة حاضرة بشموخ منتضية يراع الإبداع ومشرعة على ركائز أسلوبية خاصة. وأهم تلك الركائز البناء اللفظي الفخم والتساوق الابتكاري للصور والاستقدام المنحاز لكل ما هو عتيد تقر به أبوية الشعر العربي ومنظومته الثقافية الراسخة. ولقد هضمت ذائقة الشاعر آل ياسين مدونة الشعر العربي القديم منها والحديث، واستوعبت كلاسيكيته وايحائيته معا، صانعة لها منظومتها الشعرية المتفردة التي تتفنن حاضرة في شكل هرم قاعدته تراث شعري وقمته تنوير شعري مستحدث. وهذه الهرمية هي نتاج صيرورة إبداعية لعهود شعرية ثلاثة كان أولها وثانيها عبارة عن فيض إلهام وفطرة، بينما كان ثالثها فيض حنكة ومراس لتجتمع الفطرة بالخبرة والماضي بالحاضر فيتسع حضن القصيدة طيبا ويغدو مداها أبديا.
من هنا غدت قصيدة آل ياسين في عهدها الثالث لا هي بالعاصفة ولا الراعدة، كما أنها ليست منغلقة أو موتورة، بل هي ولود تفيض حبا وبذارا متشكلة في هيئة صور وترنيمات بلا خيلاء وبعيدا عن العجب.
وجدير بالذكر أن الباحث صاحب رشيد موسى كان قد تناول تجربة الشاعر محمد حسين آل ياسين في كتاب بعنوان «شعر محمد حسين آل ياسين دراسة موضوعية فنية» الصادر عن دار الحرية للطباعة 1999 لكنه لم يعط الصورة الشعرية حقها، كونه تناولها في مبحث صغير ختم به الدراسة، وكان حريا به أن يولي الصورة الاهتمام الأكبر كون تجربة الشاعر إنما تتجلى في الصورة التي بها تتضح ركائز التمظهر الشعري لديه. وبسبب هذا القصور في تناول الصورة الشعرية التي لم تتعد حدود البيان والتناص مع التراث والدين، طغى البناء الموضوعي مقسما إلى موضوعات عامة شملت السياسة والإنسان والمجتمع وموضوعات أخرى خاصة، هي في الأصل أغراض شعرية تمثلت في الغزل والمديح والرثاء والشكوى وغيرها.
وصحيح أن الباحث أولى المستوى الإيقاعي اهتماما مناسبا من حيث الموازنات الصوتية ومستويات البناء للألفاظ ودلالاتها المتولدة من استعمال الطباق والمبالغة، فضلا عن توظيف الألوان وأسماء الأعلام لكنه بالمقابل أغفل أنماط التشكيل الصوري من قبيل الإفراد والتركيب والتورية والتضاد والمفارقة والتساؤل والدراما والوصف والتسريد كسمات أسلوبية عرف بها الشاعر محمد حسين آل ياسين صانعا لنفسه عالما جماليا ورؤيويا فيه شعرية القصيدة تعتلي متفوقة بالعمود إيقاعا وتصويرا. وعموما؛ فإن القصيدة عند الشاعر آل ياسين ليست موصوفة إلا بكونها أنثى، وهذا ما يعطيها تميزها الذي به تتجاوز مفردة الشعر وما فيها من الاعتداد الذكوري حاملة شاعرها على ملاحقة طيفها، مهما طال المسار وبعد، وهي تتمنع أمامه وقد تخاتله جذلى:
كأني وقد سرت كل الطريق
أخاف إلى الآن أن ابدأه
وقد مرق العمر سهما به
وبلواه تصرخ : ما أبطاه
ولو كان مطلب الشاعر الشعر وليس القصيدة لما اقتضى الأمر منه سوى الاحتذاء للمنوال، لكنه بمطلبه للقصيدة صار يصادف المخاتلة والغنج والمناورة. ولا بد للشاعر وهو يطلبها أن يستشرف مستقبلها واجدا بصيص أمل يمحو شكوى الجدب والنضوب قاصدا أفقا أخضر ستلده قصيدته ابتكارا وتجديدا بلا عند ولا استعصاء:
تاركا خلفي الحروف الغوالي
لوريث يغنى بها وريثه
أين تمضي؟ والدرب أرهقه الجد
ب وقد أجل السحاب نثيثه
………
يفنى الزمان ويبقى الشعر خيمته
تؤوي الرياح ولا يلوى لها عند
وإذا كانت قصيدة النثر قد زاحمت قصيدة العمود داخلة معها في رهان لا يعلم أيهما الذي سيكسبه، حتى شاعرها لا يمكنه الإفضاء بنتيجة ذلك الرهان، لكن الإيمان قائم بأن الإلهام في انقياده أو عدم انقياده لصاحبه سيظل واحدا، سواء في قصيدة النثر أو التفعيلة أو العمود، والقصيدة بعد ذلك كله غالبة بصفتها المؤنثة على الشعر في صفته المذكرة.
لهذا يناديها شاعرها بالحبيبة التي بدت متوحدة فيه حتى أن كل حرف منها هو جزء منه، إنها النبض الساري في عنفوان إلهامه، وهي تسكن في حشاشة النسغ وخفقات القلب وتجليات الوجدان:
حبيبتي أي حرف فيك يعتذر
إن كنت في كل خفق منك انتحر
هواك موتي وبعثي كل آونة
فأي أخرى وعندي دونها آخر
إنها القرين الأبدي الذي فيه وجود شاعرها وعدمه وفيها تكوينه وفناؤه وهي الأثيرة التي فاقت الأخريات اللواني عافتهن نفسه منبهرة بقصيدته، وحدها كروح مجندة لروحه وكعمود ونظام وهرم ألفاظ تنداح فيها المعاني التي حشر في تلابيبها زمنه وتخللها عمره ومشواره. هي لا تفنى لأنها في الأساس مرنة لا مجسدة ومعقلنة لا ممسوسة وهي صورة وليست مادة وهي أيضا جوهر بلا أعراض، وهذا ما يجعل شاعرها بجماليوني الإبداع، وهو إذ يترقب ولادة قصيدته ويسهم في صنعها يقدم نذوره مناجيا مترقبا ومتوسلا حتى كأن قصيدته المولودة ليست إلا جالاثيا خاصة به وحده:
تغري بها ألف بشرى قبل مولدها
فإن أظلت تحامت حولها النذر
وعلى الرغم من أن قصيدته هي منحوتته التي صنعتها يداه من روحه ودمه، إلا إنه يراها متاهة فيغرم بالضياع فيها ويراها فقدا لكن فيها سفره القاصد الغانم بكل ما يعز مطلبه كما يجدها سؤالا لا جواب له وكأسا تذوب ولا تُعصر، وألقا وصمتا ومرأى ومغيبا، وقد اجتمع فيها السحر والخبر، ولأنها كذلك تذوب فيها الدقائق والثواني كأنها الدهر كله، ويصبح كيانه كيانها منشدّا إليها لسانا وعينا مستبصرا ما يُسمع وسامعا ما يُبصر:
أسمعت بالقلب ما يعي اللسان به
وصغت بالعين ما لا تدرك الغرر
هذا التدارك في استبدال الحواس هو مغالبة وجودية تتجاوز الموجودات وتهيم باللاموجودات في شكل إصغاء يفيض وجدا وهياما:
ماذا تقول فتغدو الأذن ناظرة
فيه ويصغي إلى ألحانه البطر
ولأنه الصانع الذي بين يديه الخصب والإتراع والخلق، فلا بد من أن يضحي في سبيل مصنوعته التي تشعره دوما بالظمأ، مبادرا إلى إيثارها على نفسه، فيمنحها ما لديه من خصب لتكون هي الثمر اليانع وليظل هو البذر الناضح على درب كله شوك وحفر لعله بعد ذاك يبلغ مراده. وما مراده سوى قصيدة فريدة لا شبيه لها إلا الليل والفكر وهي قرينة الخصب والبعث والمدللة التي تتقن مراوغة شاعرها الذي يعاود إليها صابرا لتناوره وتخاتلته فيقابلها حينذاك بسعة الصدر محتسبا:
حسب انفرادك تيها أن يضيق به
حتى رفيقاك فيه: الليل والفكر
لكن هذه القصيدة لا تنفك تحاول التملص من شاعرها، وهو الذي جعلها واحة خضراء أحداقها خافرة ووجودها مؤنس، ومثلما اعترت بجماليون الغيرة على منحوتته كذلك وجد الشاعر أن قصيدته أخذت تغري الآخرين.
وها هم يتحلّقون حولها زمرا وهم لا يعرفون كم عانى شاعرها وهو ينحتها ألفاظا وصورا وكم بذل من الانتظار وهو يصوغها بعرقه ودمه:
فأسرعوا برضاهم يذبحون غدا
لكنهم بالدم المطلول قد عثروا
كأنما لم يكن في كل قافية
جرح ينز وفي موماتها سفر
ولئن كانت القصيدة معشوقته التي يغار عليها لذلك يتحرز مدافعا عنها مبعدا المتملقين عنها وباشا بوجه المحبين طالبا منهم التريث والإبطاء ليعرفوا سر جمالها ويدركوا سبب غيرته عليها وأنويته في تملكها والاستفراد بها. وهذه النرجسية والولع الطوباوي في حيازتها والإعلان عن مشروعية استحواذه عليها هو نفسه ما قصده بجماليون وهو ينكفئ قابضا على جالاثيا مريدا منها أن تكون قسيمته وحده.
وإذ قرّع بجماليون نفسه وانتفض على نرجسيته وخاف من أنانيته؛ فكذا ألم بشاعر القصيدة مضض وأحس بخطر سيداهم قصيدته المعشوقة وأن هناك شرا يراد بها:
ماذا ستخسر أضلاع مجنحة
هي المعاني وأحداق هي الصور
أم الصليب على متنيك تحمله
من المهابة قبل الصلب ينكسر
وبهذا التقريع للذات سرعان ما تتبدل صورة القصيدة بصورة الشعر:
كرامة الشعر فوق الشعر منزلة
تغذى به وعلى بلواه تبتكر
وهنا يتذكر الشاعر أن قصيدته فيها الكون يختصر، فكيف إذن لا تكون حيازته لها مشروعة ولماذا لا يغدو خوفه عليها طبيعيا لا أنانية فيه؟:
فإنها الفن لم تبلغه موهبة
بل خفقة في مداها الكون يختصر
ولهذا تتعالى القصيدة وتسمو حتى تغدو في عين شاعرها بشرا والها فلا تعود أوصافها أرضية:
فما الرسالة وهي النور أجمعه
عم البرية لولا أنها بشر
إن قصيدته الآن تتسامى على ما هو أرضي لتغدو المعبودة التي من أول حرف انبثق فيها افتداها وجال بين حروفها محترقا حتى انصهر فيها ليتوحد معها. فكان النتاج شعرا وليدا وأصبحت القصيدة رسالة تبعث قيم الفداء، وتهب الحياة كأنها ألطف الذي به يطيب الفرات والانتصار الذي يعكسه الرأس المقطوع على الرماح:
فدى تراب غدا من فرط وحدته
بحرفها يغتلي شعرا وينهمر
الشعر هو الوليد ابن القصيدة الأم وليس العكس، وما ذلك إلا لأن صانعها الشاعر طالب جمال يرى مصنوعته أماً ووطنا وحضنا ووترا ومعبودة وساحرة سقاها دماءه وفداها بمقلتيه فكانت خضراء يانعة سرمدية. وكيف لا تحرقه الدهشة والانبهار وهو يرى القصيدة شجاعة لا تعرف الرعش وفصيحة لا يطالها العي والحصر مسفرة لا مقنعة طاهرة ومؤتلقة تسابق نبض شاعرها وتسري في تلابيب روحه ولهى:
شجاعة حسدتها ألف راعشة
من القصائد في الأسواق تتجر
ظلت تسابق نبضي وهو يسبقها
لكل شبر حبيب مسه الكدر
هي عنده مقدسة تسري إلى الأقصى تناصر المناضلين تطير على قباب الأزهر حجارة مدافعة عن أولئك المضحين في سبيل أوطانهم تزغرد وتهتز وتعشق فصيحة متجسدة منذ الأزل هاتفة صادحة بالحق:
ألم تكن في معاني العرب حاضرة
بالصدق هاتفة بالحق تبتدر
هي الحلم والغاية وهي المطلب والمنتهى الحاضرة الغائبة والحائمة التي تطوف خيرا وقد اتشحت بالدرر تماما كجالاثيا التي أرادها بجماليون فريدة لا تشابهها امرأة لذلك تحلو القصيدة في عين صانعها وطنا ومدينة، يكسبها فيضها وهجا وتغدو ضفائرها غارا فلا يعرف الشيب أو الاكتهال إليها طريقا:
فليعل مفرقها الزاهي بشيبها
غار من الألق المسكوت ينضفر
بهذا يكون النص الغائب الذي هو أسطورة بجماليون قاعدة لنص شعري مؤسطر، غايته أن تبدو القصيدة لا متناهية وما كان للأسطرة أن تفرز هذا الجمال إلا بالتصوير المنزاح بانسياب والتساوق اللفظي المبتكر بإدهاش.
٭ كاتبة وأكاديمية عراقية
نادية هناوي