إذا اعتبرنا الإبداع الكتابي الذي يقوم على معادلة ذات أطراف ثلاثة (المؤلف/الكاتب والنص/ المكتوب والمكتوب إليه/القارئ) سنجد أن تغليب أحد هذه الأطراف إبداعياً يعني رجحان كفة أحدها على حساب الطرفين الآخرين مما يترتب على هذا الرجحان أن تأخذ عملية الكتابة خطا مركزيا تسود فيه مساراتُ ذلك الطرف المغلَب ليغدو هو المسير للإبداع والمغير له.
وإذا افترضنا جدلا أن هذه المعادلة محصورة في إطار الإبداع السردي فسيكون الطرف الأول هو الغالب الخارجي والمكتوب هو المغلوب الداخلي الذي سيخضع لتوجيهه، كون الكاتب هو ذاته السارد الذي يمسك القلم ويوجه مسروداته موضوعيا، أما المكتوب إليه فسيظل مجرد متلق لا يترتب على تلقيه إلا الاستقبال والاستهلاك لتكتمل عملية الإبداع ويتم توصيل الرسالة وهضمها.
أما إذا افترضنا أن النص المكتوب هو الغالب فسيتخذ السرد خطا بنائيا يوجه الطرفين الكاتب والمكتوب إليه الوجهة التي يختارها هذا النص وعلى شكل مسرودات تملي على كاتبها مسارات وتفرض عليه خطوط عمل وهذا ما يطبع عملية الإبداع السردي بسلاسل قصصية تتشظى فيها الحبكة لتتوالد باستمرار من خلال مسرودات تقوم بأداء مهمة السرد وهكذا يسود الطرف الثاني المكتوب على الطرف الأول المؤلف ويهيمن عليه مشظيا كينونته كما سيصادر كينونة الطرف الثالث مقابل تعاظم مركزية الطرف الثاني.
وفي حالة الافتراض الثالث الذي فيه يكون المكتوب إليه هو المغلب والمهيمن فعند ذاك سيتبعه الكاتب والمكتوب فتتشكل المسرودات بالشكل الذي يجعلها تابعة للمكتوب إليه ومجرد منفعلات سرديات لفاعل ديناميكي اسمه القارئ، الذي توكل له مهمة ملأ الفراغات واستظهار المغيبات وكشف المخبوءات.
وهذا ما يسهم في إخراج السرد من دائرة الانغلاق وبحبوحة القيد الكتابي إلى مديات كتابية أرحب هي أوسع من أن توصف بأنها كتابة سردية. إنها الكتابة الميتاإبداعية التي يتحول فيها السرد إلى ميتاسرد، حيث يقف الكاتب والمكتوب في مواجهة محتمة مع المكتوب إليه.
وما يهمنا في معرض هذا التوصيف النظري الافتراض الثاني الذي فيه يكون الإبداع الكتابي في مجال السرد ممركزا المكتوب ومهمشا الكاتب والمكتوب إليه لنجد مثاله الأنجع في رواية «أنثى السراب» للروائي الجزائري واسيني الأعرج الصادرة في طبعتها الأولى عن دار الصدى للصحافة والنشر والتوزيع، كتاب دبي الثقافية عام 2009.
وفي هذه الرواية التي تتموضع تحت عنوانها الرئيس عتبة ثانوية هي «في شهوة الحبر وفتنة الورق» لتتحقق فرضية تمركز المسرود بتحوله من كيان جامد صنعه الكاتب إلى كينونة حية تغالب الكاتب وتتحداه لتهيمن عليه بعد أن تشظيه وتتركه تابعا لها وضحية مغامراتها التي تأخذ بالقارئ أيضا كتابع لا يملُّ الملاحقة لتلك المغامرات من دون أن تسدي إليه مهمة واحدة يتمكن عبرها من التفاعل أو المشاركة.
وما مصادرتها للكاتب إلا تعبير عن توقها لصنع حكايتها بنفسها، فما عاد الكاتب قادرا على أن يصنع لها حكايتها، وهكذا تظل الرواية تتوالد ولادة إثر ولادة بمتوالية تتابعية تتخذ شكل رسائل تنسجها مخيلة الساردة وتتناسل باستمرار لتكون الرواية أقرب إلى السرد الداخلي المؤطر بالقصص المتشظية بعضها عن بعض كرسائل تكتبها المسرودات وترسلها إلى كاتبها وهذا ما ضخّم حجم السرد وهوله إلى أن جاوز الأربعمئة صفحة وأكثر.
وتحتل المسرودتان مريم وليلى المركز بوصفهما ساردتين ذاتيتين بضمير الأنا وبهيمنتهما على السرد تتوكد حقيقة التشتيت الذي سببه الكاتب لهما ليجعلهما متصارعتين في دوامة الأنوية والشك لتقوما من ثم بدورهما الرئيس وهو مصادرة الكاتب ومحاولة إلغائه والبغية من وراء ذلك هي إثبات وجودهما وإعلان كينونتهما الذاتية. وبدلا من أن تتلظى حياتهما بنار الغيرة والنرجسية وهي البغية التي حاول الكاتب بادئ الأمر صنعها؛ فإن حضورهما فوت الفرصة عليه وقلب ميزان القوة لصالحهما لتسحبا البساط من تحت قدميه ولتصير لهما الغلبة جاعلتين الكاتب يتلظى بنارهما نار «أنثى السراب». ولعل في هذا تناصا جزئيا أو مزجيا مع الأسطورة الإغريقية بجماليون فمثلما كان هذا النحات العتيد والصانع الماهر قد صنع منحوتته لتصير طوع أمره، فإن كفة الخيار قد انقلبت ليكون هو رهين محبسها وصريع غرامها الذي جعل منه تابعا يراها معبودة لا تضاهى معطيا الفرصة الذهبية لمنحوتته لكي تشظيه وتتسلط عليه تاركة إياه نهبا لغرائزها وضحية أمانيها، وهذا ما جعله في نهاية الأمر ينتفض عليها ليلغي وجودها مسترجعا كينونته عبر تحطيم تمثالها الرخامي.
وكذلك أراد واسيني الأعرج من شخصيتي ليلى ومريم أن تقعا في حبه لتكونا مثالا للهيام السرمدي اللامتناهي مديما جذوة هذا الهيام بنار الغيرة والشك «فقد حولني بلمسة لغوية سحرية إلى إيقونة سماها مريم أفرحتني وقتها ألوانها الجميلة وزخرفاتها.. قبل ان يتحول كل شيء إلى كابوس. متخلية عن اسمي لصالح امرأة ورقية أكلتني ولم أعد اليوم قادرة على تحمل وجودها معي في الفراش نفسه اكتشفت فجأة أني كنت أنا المرأة الورقية الميتة وكانت مريم هي سيدة الحياة كلها كيف سرقت الحياة مني بدون أن أكتبه لذلك؟ تلك مشكلتي معها؟»، لكن السحر انقلب على الساحر فلم يفلح في تحقيق بغيته بعد أن تمردت الشخصيتان عليه لتحلا محله وتصادرا وجوده.
ولعل أهم أسلوب سردي حتم هذا التمركز النصي للمكتوب وأكده هو استعمال تكنيك التنوع في الضمائر السردية والبغية هي كسر الرتابة والتكرارية للرسائل فنجد التناوب قائم ما بين ضمير التكلم والخطاب والغياب وهذا ما منح السرد ملمحا سايكولوجيا جسّد مرارة التشظي ما بين الكاتب ومسروداته، فنجد أن ليلى مثلا في سرد حالة الوله التي انتابتها حين علمت بخبر مرض المؤلف تنزل إلى المخبأ سكريبتوريوم لتستعيد هناك نفسها متغلبة على الشقاء صابرة بمركزية المقاطع الخطابية بضمير (أنت) التي تبث فيها لوعتها واضعة لها بين قوسين مدعمة هذا السرد الخطابي بانثيالات تساؤلية متوالية باستمرار» كم أحبك وكم تبدو بعيدا ماذا يحدث فيك؟ إذا لم تكن أنت من اختار هذا القدر؟ تختار قدرا وتستدر حبي فيه لتسهل محاكمتي؟ ألم تكن أنت من فضل ارتكاب هذه الحماقة ضد نفسه وضدي». وما اختيار القبو/ السكريبتوريوم مكانا لممارسة لعبتها الأثيرة في الغلبة والانعتاق من سلطة الصانع/الكاتب إلا تعبير عن الغموض وعمق التشظي الذي يكتنف دواخلها «كيف لامرأة من ورق خلفتها على مدار ربع قرن برفقتك وبرضاك أن تكتب كتابا وهي مجرد لغة هاربة يصعب القبض عليها؟ من هي مريم إذا لم تكن مجرد لغة ورموز مجنونة كل من أراد ان يمنطقها أصيب بعدواها».
وهذا العمق إنما هو تناص استحضر فيه المؤلف ميثولوجية الكهوف في الأدبيات الثقافية فأغلب الاكتشافات الإنسانية والثورات المعرفية التي غيرت مسيرة البشرية متجاوزة الممنوعات والمحظورات جاءت من المغارات والكهوف فغار حراء غيّر وجه العالم بالقرآن الكريم ومقدمة ابن خلدون هي وليدة مغارة افرندا وفي المغارة أبدع سرفانتس قصته دون كيخوته.. وأول بوادر هذا الامتلاك والسلطة أن تقرر ليلى التي تغار من مريم تصفية الحساب مع المؤلف طارحة تساؤلاتها «أريد أن اصفي حسابي مع شيء غامض لا اعرف كيف اسميه؟ كأبتي الذي أقصاني من حقي في الحياة ووضع في مكاني قناعا سماه مريم ليضفي بعض القداسة على الجريمة؟» .
فتصبح الشخصيتان بسبب الغيرة متوحدتين فمريم هي ليلى بكينونة واحدة قوية تصر عازمة على قتل كاتبها «لست امرأة من ورق ولكنني حقيقة واسيني المرة التي يحاول أن يتفاداها وربما إخفاءها وهي منغرسة فيه بقوة».
وبالغيرة ذاتها التي أوجدها الكاتب بين مريم وغريمتها ليلى سيتشتت هو ومما يعزز هذه المقصدية إقصاء الكاتب لنفسه ليظل على هامش السرد لا في متنه تاركا الشخصية (ليلى) تضطرم قلقا وجنونا فتتجه صوب المغامرة واللاتوازن. ولن يدلل على حضورها إلا الشك والتساؤل الذي به تؤكد وجودها وكأنها صنيعة شك ديكارتي فتراهن على الآخر بالأسئلة التي تتوالد بذاتية مؤنثة كاشفة عن تذبذبها النفسي وعدم اتزانها العاطفي «هل يصلك الآن في خلوتك صوت التكسرات الشاقة التي تمزقني» أو قولها: «لو فقط تدري كم أشعر باليتم في غيابك» .
ومن محتمات تمركز المكتوب/ المتن الروائي على حساب الكاتب والمكتوب إليه توظيف تقانة الرسائل المتبادلة بين الكاتب واسيني وبطلتيه مريم وليلى حيث الأولى ورقية ملهمة والأخرى آدمية مغوية وما الصراع بينهما إلا بسبب الكاتب الذي أحبتاه كلتاهما حبا عارما فحاولتا الظفر بقلبه لتجدا أن ما ينبغي عليهما فعله هو الانغماس في عوالم القلق والجنون والانتحار لعلهما تتمكنان من تصفية حسابهما معه وحساب كل واحدة منهما مع الأخرى. ولا يقتصر هذا الفعل على السرد بضمير الأنا بل يتجاوزه إلى المقاطع المسرودة بضمير (أنت) فنجد أن الشخصية تبوح بعلانية معبرة عن حيرتها وحيرة الآخر معها ليتضح مقدار اضطرابها وتشظيها الناجم عن حبها للكاتب «حبيبي أقرأ الحيرة في عينيك كأنك أصبحت لا تعرفني؟ أيها المهبول لو فقط كنت تدري أنا مشبعة بك مثل اسفنجة حيثما مستني يد نضحت بك عطرا ..هل تعلم ما معنى أن تنضح امرأة برجل».
ويغدو حضور الكاتب بمنولوجات داخلية وبضمير الأنا معبرا عن تشظيه تحت طائلة استرجاع ذكريات ماضية تتولى الشخصية الساردة نقلها مستبطنة مشاعره ومخالفة أدبيات السرد التقليدي حيث السارد الموضوعي هو الذي يستبطن دواخل الشخصية وبهذه التعاكسية تتجه الرواية صوب الميتاسرد «في قلبي رسائل أشعر بالدهشة كلما قرأتها ولهذا ما أنشره في الروايات هو حقيقة محاطة بأجمل كذبة هي الأدب.. ليست ليلى ولا حتى مريم التي سرقت كل وجداني هي امرأة واحدة هي مرجع الحياة والحب واللذة التي ترفض أن تسقط في دائرة التكرار القاتل».
ولا تكتفي الشخصية بممارسة سطوة الكتابة على الكاتب واسيني الأعرج والمكتوب إليه القارئ، بل تنزع نحو التهديد والوعيد مساومة الكاتب على رسائله «لست أديبة ولست أيضا امرأة من قش أو ورق ولكني حقيقته التي هرب منها دائما وآن الأوان أن يختبر جرأته وقوته أمام سلطانها». وترفض مريم اسمها ولا تريد ان تكونها كما ترفض اسم ليلى وتعزم على تثبيت تواريخ رسائلها لتؤكد حقيقتها التي تمركزت عبر صفحات الرواية بقناعة من الكاتب نفسه وتماشيا منه مع رغبتها راضخا بإرادته لأوامرها مهادنا لها قابلا بانتهازيتها غير حانق ولا معترض على سلوكها. وهذا ما يجعلها تتمادى أكثر غارسة إيقاعاتها الحزينة مسترجعة لحظات تؤكد انهيار الكاتب وتشظيه بالألقاب التي تطلقها عليه فتارة تناديه بالمهبول وتارة بالمجنون لكن اسم لزعر الحمصي الذي هو واسيني الطفل يظل هو الاسم الأثير الذي سيتكرر منذ أول رسالة بعثتها له وأرختها بـ1978 «من أين لك حبيبي كل هذا البهاء ؟ من أين لك بكل هذا السلطان المذهل على كل حواسي أنا لم أعد أعرف نفسي».
وبهذا الصنيع وحده يظل هناك بصيص أمل ضئيل في إمكانية أن ينقلب السرد من التأنيث إلى الفحولة معيدا للكاتب هيبة حضوره العتيد الذي طالما ظل محتفظا به في السرد الكلاسيكي لعله يظفر بالغاية السردية وهي صنع مسرودات متخيلة لا تتاح لها الفرصة لأن تبرز حية تغالب كاتبها ممتشقة سيف الاعتداد والنرجسية «كان خائفا من فقداني ومن كلمة صغيرة يقولها بصوت عال: أحبك وربما كان يحتاج إلى شجاعة أكبر ليتمكن من قولها حتى لو كلفه ذلك فقداني».
ويصل السرد إلى مديات من الاتقاد والتناسل كبيرة وتظل الغيرة مؤدية لدورها في استمرار التوالي والتبادل للرسائل بين الكاتب ومسرودته «ما لم أتحمله ان تسرقك مني مريم .. بإمكاني اليوم أن أعود إلى فراشنا الوحيد المشترك والأجمل والسري للغاية رسائلنا هي حياتنا المخبوءة ودليلنا في ظلمة مسالك هذه الدنيا القاسية نورنا في مسارات اليأس والاستحالات المفجعة». حتى إذا شارف السرد على الانتهاء تكون المسرودة قد قبلت بالختام انتحارا ليعود السرد دائريا للحظة التي كانت الشخصية ليلى قد سطرتها في استهلالها لقصة العشق السرمدي تجاه كاتبها «لبست الأسود استعدادا للحداد فأنا مقدمة على شيء خطير قلبته في رأسي طوال الزمن الذي أعقب سقوط واسيني في غيبوبة فجائية..».
وفي الأغلب الأعم لا تخلو الانثيالات الرومانسية في الرواية من أن تكون محملة بشحنات شاعرية باستثناء مقاطع تأتي استطرادا بين الفينة والأخرى على شكل تأملات صوفية وفلسفية ذات نزوع جدلي يشتغل على الأضداد وديالكيتية التصارع فيما بينها «لماذا الناس هكذا كلما أحببناهم ازدادوا ضراوة وتنكرا هل هو القانون الخفي للكراهية المغطاة بالأغلفة الخرافية؟ هل عليَّ أن أكره لازداد قربا من الآخرين؟»، او هذا المقطع «لا أدري لماذا كل هذا العمى الكلي. الحروب عمياء ويرتكب فيها الناس أبشع الجرائم ..هل يكفي الاعتذار عندما تكون ملايين الأرواح تتساءل فقط لماذا قتلت».
ومع تصاعد وتيرة السرد تنسلّ المقاطع الميتاسردية باطراد لتبدو الشخصية الساردة أكثر تأرجحا وارتيابا وهذا ما يعود بها في النهاية إلى أن تكون مجرد مسرودة داخل المتن السردي.
٭ ناقدة واكاديمية /العراق
نادية هناوي سعدون