أنساق السلطة ومأزق الاختلاف: لعبة التحول في روايتي «المسخ» و«النمر الفيتنامي»

تشترك رواية «النمر الفيتنامي» للناقد والروائي المغربي حسن بحراوي مع رواية «المسخ» وفي ترجمة أخرى «التحول» للكاتب التشيكي «فرانس كافكا» في خصائص عديدة، لعل أبرزها عنصر التحول الذي يشكل سمة بارزة في النصين. نجد في نص النمر ذلك القط الذي تحول ذات صباح إلى نمر متوحش مبقع الجلد، وفي تحول كافكا، نقرأ في الصفحات الأولى شخصية غريغور التي تحولت هي الأخرى إلى حشرة كبيرة.
ــ « … حتى تحول ذات صباح من تلقاء نفسه إلى نمر متوحش صغير مبقع الجلد وذوي أنياب ومخالب لا علاقة لها بأنياب ومخالب عموم القطط ..». وهو تحول ستعاود تأكيده شخصية «الصحراوي» في ما سيأتي من الرواية:
«يدخل نمرنا الذي جاء أول ما جاء على هيئة هر كبير تخلى عنه أربابه من أصحاب سفينة فيتنامية… وتعرض إلى ذلك التحول الرهيب الذي يشبه المسخ بين أيدينا … وربما بمساعدة منا.»
ــ وفي رواية كافكا نقرأ ما يأتي: «إذ استيقظ غريغور سامسا ذات صباح، على إثر أحلام سادها الاضطراب ، وجد أنه قد تحول، وهو في سريره، إلى حشرة عملاقة».
لا يمكن النظر إلى التحول في النصين الروائيين معا باعتباره تشكلا نصيا فحسب، بل إنه العنصر الذي سيؤسس لأحداث جديدة، متشابكة ومترابطة فيما بينها. لقد أفقد هذا التحول غريغور عمله وتم طرده من الشركة التي كان مستخدما فيها، علاوة على ما رافق ذلك من التضييقات التي تنبئ بتغير مسارات علاقاته؛ سواء من طرف عائلته، أو حتى شخصية الخادمة المزعجة. وبالتالي، فقد أسهم هذا الحدث المربك ـ أي التحول ـ في تردي الوضعية المالية لعائلته، وضعية لم تجد معها العائلة من حل سوى التفكير في التخلص منه. من جهة أخرى، يبرز القط المتحول في رواية النمر الفيتنامي كحافز لتوليد أحداث ووضعيات سردية متتالية غاية في التعقيد؛ بدءا باحتجاز القط المتحول في القبو، مرورا بإهدائه لحديقة الحيوانات وهجومه على شخصية عز الدين بعد خطأ «أبا عمر»، وانتهاء بقتله ومطالبة العائلة بجثمانه. ستتشابك الأحداث بالتحقيق فيما بعد حول وفاته، ومعاودة العائلة إنشاء صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي إيذانا برمزيته، لتنحل العقد بإلقاء القبض على المجرم والإفراج عن شخصية «الحلايقي».
من خلال ما سبق يتضح أن رواية التحول لكافكا تصور بشكل دقيق شخصية غريغور ومآزقها بعد واقعة الانتقال من حالة إلى أخرى. لا نقرأ في الرواية شغف العائلة باحتضان هذا «المتحول» الجديد كما هو الحال في رواية النمر الفيتنامي التي حرصت عوالمها السردية على تقديم صورة مغرقة في الاهتمام عن القط. تبقى شخصية غريغور التي ستصبح فيما بعد، مع ما استتبع ذلك من علاقات بعدية ـ أي بعد التحول ــ عرضة للاشمئزاز والقرف والعنف. ومن أشكال ذلك على سبيل التمثيل عنف الأب وإزعاج الخادمة المتكرر وتقزز الأخت، وهو ما استدعى ــ كما ألمحنا سابقا ــ التخلص من هاته «الحشرة» التي باتت تشكل عبئا جديدا بعدما كانت معيلة، بخلاف القط المتحول الذي نجده قد حظي بهالة لافتة وملفتة في كل تضاريس «النمر الفيتنامي».
لقد احتفت رواية النمر الفيتنامي بتيمات أخرى مضمرة خلا تيمة التحول، فضلا عن استلهامها للثقافة الشعبية ممثلة في استدعاء رموز محددة. أما «تحول» فرانز كافكا فيمكن النظر إليها من وجوه شتى. على أن الجامع بين الروايتين هو سمة التحول التي شكلت سمة بارزة أسهمت في خلخلة مسار الأحداث والدفع بها نحو آفاق تأويلية جديدة. هل فعل التحول في الروايتين معا ــ باعتباره موضوعا للسرد ــ أمارة نصية تسائل فترة أو فترات استبداية ما؟ تاريخا ما؟ أم أنه يبقى مجرد ذريعة للتعبير عما يطبع الأنساق ــ تعميما ــ من علاقات قوامها التحول؟

٭ كاتب مغربي

أنساق السلطة ومأزق الاختلاف: لعبة التحول في روايتي «المسخ» و«النمر الفيتنامي»

جواد السراوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية