تستدعي رواية «ذئب الله» لجهاد أبو حشيش من خلال عنوانها ما يكمن في متخيلنا من دلالات تجاه الذئب، فهو كثير الحركة لا يستقر في مكان واحد، وهذا يتطابق مع مجال تحرك الشخصية المركزية «عواد الباز» في فضاءات دلالية: القرية، والسجن، والمعسكر، والبيارات، والمدينة والمزرعة، بالتجاور مع البيانات السردية التي تتصل بتحول الشخصية إلى التطرف الديني. العمل يعتمد في بنيته المباشرة على هذه الشخصية التي تخضع لسلسلة من التحولات، بحيث يشكل عواد بؤرة السرد على مستوى الحكاية، في حين تتقاسم بعض الشخصيات البؤر السردية في ما يعرف بتعدد الرواة. وهي شخصيات تتحدث عبر ما يمكن أن نعتبره نمطاً من أنماط السرد التفسيري الذي يكشف مرجعيات الشخصيات بتكوينها الاجتماعي والتاريخي والثقـــــافي، وإن كانت في بعض الأحيان مبتورة التكوين بنائــياً، فكما هو معلوم بأن الرواية متعددة الأصوات تطيل السرد، كونها تؤدي – من وجهة نظر باختين- إلى إطلاق ما يعرف بتعدد أنماط الوعي الذي بدا في هذا العمل أقرب إلى محاولات غير مكتملة، ولاسيما شخصياته النسوية، ولكن هذا لم يحدث انتهاكا دلاليا على مستوى بنية العمل، فهذه الشخصيات تحتمي باللغة لتكوين خطابها الخاص، ولتصبح اللغة وسيلة للشفاء.
القوة مبدأ يحكم المجتمع، حسب تعبيرات الفلاسفة، فالقوة تتوزعها مجالات متعددة، وعلى ما يبدو فإن عواد قد امتلك معظمها في فضاءات: العائلة، والبيت، والمدرسة، والمعسكر والمدينة، والمسجد، والبيارة، والسرير، والسجن، والأخير قائم على مركزية القوة والسيطرة، إذ لعب دوراً في تشكيل الحدث الدلالي، فكافة التحولات التي فرضت على عواد نهجا معينا وقعت في تلك الأماكن، ومنها السجن مما يشي بعلاقة هذه الفضاءات في إنتاج القوة ضمن التكوين الدلالي، فهي فاعلة وظيفيا، بالتضافر مع التكوين النفسي الاجتماعي الذي نشأ فيه عواد الذي حاول في السجن الخروج من نطاق المهيمن عليه إلى نطاق المهيمن، مع الإشارة إلى جزئية الجسد، فيستفيد عواد من علاقته مع أبي ناصر – أحد رجال تجارة السلاح- من خلال القيام بإنقاذه من القتلة الذين حاولوا قتله.
حبكة الرواية، تتشكل من حدث محوري يتصل بمقتل عواد «الكبير» ابن عصرية وأخ صخر على يد أخواله، وليتحول زواج صخر من الذلول وسيلة الأم (الجدة) عصرية للانتقام من خلال السيطرة على الطفل الذي أنجبته الذلول، وهو عواد الصغير الذي يقوم بقتل أمه في ما بعد عن طريق الخطأ بواسطة البندقية، التي كان يحملها بوصفه أحد أشبال الفدائيين الفلسطينيين. مقتل الأم ينطوي على دلالة نفسية، تميط اللثام عن تكون موقف عواد من المرأة الذلول الأم بوصفها تنتمي إلى القيمة الأدنى، أو النسق الأضعف، فعواد يرغب بالالتجاء إلى نموذج القوة الممثل بالجدة «عصرية» مع ما ينتج من هذا الفعل من عقدة ذنب نتيجة قتل الأم.
يتحول عواد إلى تاجر سلاح، وزير نساء، سادي مستغل، أي بمعنى آخر يجسد حضور التفوق حسب التعبير النيتشوي، من منطلق أن الحياة إرادة القوة، فشخصية عواد تقترب في بنيتها المريضة من الشخصية المرجعية للماركيز دي ساد. فثمة عوامل ارتباط بين عواد ودي ساد، تنهض على الفجور، والانحراف، والسجن، والارتباط بالثورة، فالماركيز دي ساد سُجن في الباستيل، ومن الذين قادوا ثورة الباستيل، كما مارس التعذيب على الخدم، والعشيقات، وهذا يشابه ما لدى عواد الذي ارتبط هو الآخر بالثورة الفلسطينية، وبمحاولة استغلال كل ما يحيط به، فالماركيز دي ساد يمثل صورة رمزية للحداثة السياسية، حسب تعبير مان راي، حيث تحول الحماس الثوري إلى فجور وانحلال، في حين تحول الدين إلى نموذج للتدمير، وإلى أداة من أدوات السيطرة والقوة، وعلى ما يبدو، فإن هذا النسق يبدو جزءاً من الإشكالية الثقافية في مجتمع أفضت به هذه الممارسات إلى مسالك الإرهاب والتدمير، والنكوص الحضاري.
المتتبع للرواية سيلحظ هيمنة الشخصيات النسوية على النص مجسدة بالقيم الدلالية المتصلة بشخصية عواد، سواء أكان متحكما أو متحكما به، وهنا نقع على جدلية الرواية دلالياً، التي تنهض على قيمة القوة أو السلطة التي تشكل مسعياً للجميع، فالرغبة بامتلاك السلطة أحد الأسباب التي أفرزت واقع عواد الذي يعدّ معادلا موضوعيا للهزيمة الحضارية، والإخفاقات التي ميزت تاريخنا الحديث.
إن مفتتح الرواية عبر شخصيتين نسائيتين في وضع طباقي، هما: مليحة الأحمد وتاليا يحفل بالقيم الدلالية، فالمرأة الأولى تم الاستقواء عليها، ومن ثم جاءت تاليا التي شكلت مجالا للرد، وقلب منطقية الاستعلاء الذكوري إلى استعلاء ثقافي حضاري وسياسي، والذي تقوده الفتاة اليهودية التي ترمز إلى من يحكم الأمور في الخفاء. هذه الشخصية تشكل نسق تحول في علاقات القوة والهيمنة، فهي تنطلق من مبدأ يتوارد، ويتكرر بحيث تعكس اللغة أنماط التفكير العميق لدى شخصيات العمل، ومنها تاليا التي تقول: «المساحات التي تحتلها في الحياة عليك أن تبث بجدارة أنها ملكك، القوة والمال وحدهما ما يمنحانك شرعية هذا الوجود». لا شك بأن هذا النص يشكل مركز العمل، ومقصديته، وتتأسس على منظور نيتشوي، فالضعف لا وجود له، فالخرافات وجدت أو اخترعت من قبل البشر؛ لأنهم يتوقون إلى السلطة، وهذا ما يجعل من البطولة والتضحية مجرد إكسسوارات لتجميل فكرة التسلط، فوجود تاليا يشكل مركز السلطة… ولا شيء خارج حدودها يستحق أن تكون له.
هذه المبدأ القائم على الرغبة بتحقيق أكبر قدر من القوة والإخضاع، ينتشر في المتن السردي، فعواد الكبير أخ صخر كان نموذجا للتعالي، غير أن حضوره انتهى نتيجة قيم قبلية، تقوم على مبدأ الانتقام والقوة، والثأر، وهي مناخات شكلت العمل، بدءأ من رغبة عصرية بمعاقبة الجناة الذين أقاموا اتفاقا ينتهي بزواج صخر من الذلول. تتبنى عصرية عواد، وتمتلكه بقوة السلطة التي تنشأ من موقعها المبني على قوة التقاليد والعادات والمنطق الاجتماعي المبني حسب تعبيرات فوكو على محورية المؤسسة، التي تمارس دورها في تكوين تراتبية هرمية، فعصرية – مع ضعفها – امتلكت القوة في ما بعد بحكم مبدأ الثأر، أو مفهوم المصلحة المجتمعية التي تتطلب أن يتم الصلح بين القبيلتين، وهو مبدأ القوة القائم على تقدير منطق عرقي حيث يتفوق الأقوى على الأدنى ضمن تراتبية القوة والسلطة، فقد كان عواد يركب الفرس، ويضطهد الفلاحين والضعفاء.
لا شك بأن عواد الصغير نتاج ممارسات القوة، ففي المدرسة يتنمر على الأستاذ الذي خضع لمنطق قوة قبيلة عواد، وعائلته، واضطر للاعتذار للطفل، وفي الإصلاحية يزدري عواد ضعف الأولاد، وهذا ما يجعلنا نستمر في تأكيد الدلالة النسقية الكامنة في لاوعي عواد، وشغفه بالقوة والتسلط، فهو يعجب في السجن بتجار السلاح لا اللصوص البسطاء والفلاحين الذين يسرقون ليسدوا جوعهم، وحين يرغب في الالتحاق بالفدائيين لا يقوم بذلك رغبة بقتل اليهود، إنما للبحث عن مصدر القوة والسلطة التي يمكن أن يتحصل عليها من خلال التحاقه بالثورة، ولهذا كان يؤلمه عدم الحصول على السلاح، والبدلة المنقطة التي تعني بأنه بات ضمن وضع القوة.
شخصيات العمل النسوية في معظمها، تندرج تحت نسق «التابع» حسب تعبيرات جاياتري سبيفاك، فمليحة الأحمد، وتاليا، وعصرية، والذلول، وعائشة، ومنال العاسر، وأم فراس، وسارا العمار تحضر في سياق الإطار المجتمعي الذي يقصي المرأة. فالجسد الأنثوي يهدف دلالياً إلى رسم شبكة القوة والهيمنة والاستغلال، فهو فاكهة، ووسيلة خلاص، كما أنه يجسد خارطة التحكم من حيث تموضع الجسد في الأعلى أو الأسفل، ومن ذلك نموذج علاقة عواد مع تاليا، ومنال.
تأتي حادثة سرقة ديك مليحة الأحمد في مستهل الرواية بوصفها ملمحا للاستقواء، فهذه الحادثة تشكل مستندا سرديا في تقييم الأحداث، وتوجيهها وجهة محددة تبعا لمقولات رولان بارت، إذ لا يوجد تفصيل غير مهم في العمل الروائي، في حين أن عصرية الجدة، تحيل إلى القوة التي جاءت من رحم الضعف، فهي ولدت نحيفة وضعيفة حيث كان الأب يريدها ولدا؛ فأنشأها نشأة الأولاد، وتدربـــــت كالفرسان، وهنا نجد أن قيـــــمة القوة ما زالت حاضرة بوصفها عدم حضورها علامــــة على الضعف، فعصرية بوصفها أنثى، نشأت خارج تكوينها الطبيعي لتتحول إلى ضحية مجتمع، فلا جرم أن يقودها القهر، والرغبة في الانتقام بعد مقتل ولدها إلى سلب الذبول ابنها، وهكذا يستمر تسلسل الاستقواء، والهيمنة.
تتجرد الذلول من إنسانيتها، وتتحول إلى مجرد تابع- على الرغم من جمالها وأنوثتها – فهي تضطر إلى أن تدفع ثمن أخطاء مجتمعها الذكوري، ولكن ضمن نسق «القوي» الذي ينهض على معايرة القبيلة الضعيفة بضعفها، كما فعل عواد الكبير مع قبيلة أخواله، وهذا ما يقودنا إلى تأكيد مركزية القوة. لا شك بأن الذلول تعكس جزءا من مقولة العمل، كونها تأخذ جزءاً من دلالات حضورها من اسمها، فهي ذلول لأخوتها، وللمجتمع، وهي كصحن الطبيخ عندما لا يكون للرجل فيه حاجة، يقلبه عندما يفرغ منه، وعندما يقتلها عواد بالخطأ، تكون ضحية مجتمع ذكوري. في حين أن سارا العمار، وأم فراس، ومليحة الأحمد، وعائشة، ومنال كلها شخصيات تعاني من غياب الرجل، بمعنى آخر الحماية، ولهذا يقعن فرائس لعواد.
شخصية منال التي ترتبط اسمها كما باقي الشخصيات بدلالة، ووضع سيمائي فهي ترغب بالغنيمة من عواد، وتبحث عن « منالها” الخاص من خلال جمالها الذي حاولت من خلاله السيطرة على عواد عبر قبول دور الضحية، التي تقبل التعذيب السادي، وبذلك تستفيد عبر تحقيق أكبر قدر من المال، والمجوهرات، فهي أقرب إلى محظية. منال التي تنطلق من وضع قاهر، حيث الفقر والحاجة والعوز، فضلا عن ضربها من قبل والدها، وافتقارها إلى اللعب، علاوة على عيش حياة طبيعية، ما يجعلها تؤمن بالقوة، وأهمية أن تكون قوية ومسيطرة، ولو عبر قبولها بممارسات سادية.
وهكذا نجد، أن العلاقات تحتكم إلى مبدأ النقص (الفقد) موت الأزواج ـ سيطرة الآباء ـ الفقر ـ الضعف، وهو حضور نسوي بتكوينات لغوية، مع غياب أية ملامح لخطابات ذكورية باستثناء «عواد» الذي يتقاسم مع النساء اللغة، ولعل اللغة في الخطاب النسوي لهذه الشخصيات يعدّ طريقة للشفاء من اغترابها كما يقول علماء النفس، فثمة مواقف كثيرة تعكس الموقف الحضاري الذي يتسبب في الوصول إلى ما آلت إليه الأمور نتيجة تحكم علاقات قوى مبطنة، ومن ذلك التمييز الذي يمارسه عواد بين ابنـــه عادل» الذكر» وابنته عصرية « الأنثى» التي تحرم من الخروج للعب في الشارع.
يلاحظ بأن عواد يلتهم معظم النساء بمن في ذلك أم فراس ومنال… كما زوجته عائشة … وغيرهن، ولكن عواد يتحول من دور المهيمن إلى المهيمن عليه، وذلك عند دخوله في علاقة مع تاليا اليهودية التي تعتليه، فتصبح في دور المسيطر، بل تقوم بدفعه عن السرير، وضربه … وهنا يتخذ الجسد دلالة رمزية في تكوين علاقات القوة والهيمنة حيث نتوصل إلى أننا محكومون جميعا بسيطرة قوى خفية، هي أقوى مما كنا نتوقع، فبعد أن كان عواد مسيطراً يمارس شخصية السادي حيث كان يعذب منال، ويغريها بالمال، أصبح ذليلاً أمام تاليا. هذا الانقلاب في التكوين بين الأدوار، يرتبط بالرسالة المقصدية للرواية، إذ يظهر أن خيوط اللعبة تنطلق من قوى مهيمنة خفية متمثلة بالشخصية اليهودية التي تتحكم في معظم الأمور.
تعدّ تفجيرات الفنادق الثلاث في عمان مختتما للرواية حيث يفقد عادل (ابن عواد) خصيتيه، فالإخصاء في البعد الرمزي، يعني في تكوينات علم النفس نوعا من الاستلاب والعجز، من منطلق أن النص مبني في معظمه على قوى السيطرة الجنسية (القوة).
فخوف عواد من فقدان القوة يتصل بما تذكره دراسات علم النفس من الخوف من فقدان الأعضاء التناسلية، أو إزالتها، وهو ما يشكل مصدر تهديد لمتتاليات القوة والإقصاء التي ميزت عواد، وبذلك نتفق مع ما ذهب إليه أوغسطين الذي قال: «إن القوة عقاب من الله، وعدالة» .
٭ كاتب فلسطيني أردني
رامي أبو شهاب