أنشطة ثقافية وحضور سياسي… ألوان وأطياف 47 معرض القاهرة للكتاب

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: تعددت القضايا الثقافية المطروحة في الدورة 47 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام، فتكاد تكون القدرة الاستيعابية للمحاور والنقاشات أقل من الاستعداد الفعلي للجمهور، فلا تزال ظاهرة التزاحم مجرد حضور احتفالي ورغبة في قضاء بعض الوقت في أجواء مختلفة بعيدا عن الروتين اليومي، فالغالبية من رواد المعرض انصرفوا عن الأنشطة الثقافية الأساسية إلى النشاطات الترفيهية كحفلات الغناء والموسيقى والتمثيل وخلافه، لاسيما الشريحة العمرية التي تتراوح ما بين 14 و 16 سنة. أما بقية الشرائح الأخرى فشغلها الشاغل الجلوس في «الكافيهات» والمقاهي الشعبية للقاء الأصدقاء واحتساء المشروبات الساخنة.
قلة قليلة هي ما شغلت نفسها بمتابعة الندوات والأمسيات وأقبلت على شراء الكتب، وهذه نسبة لا تتجاوز 30 % من مجموع الرواد، غير أن من يقبلون على شراء الكتب يهتمون أكثر باقتناء الكتب العلمية وكتب الأطفال، فهي الأكثر رواجا بالفعل من بقية المطبوعات والإصدارات الأخرى تليها الروايات ثم الدواوين الشعرية والمجموعات القصصية، وتعتمد منافذ البيع في هذا على القوة الشرائية الضعيفة المتمثلة في عدد من المثقفين.
وتبقى اللقاءات الفكرية هي الجانب الأبرز في الفعاليات، ففي خلال ثلاثة أو أربعة أيام تعاقبت بعد الاستضافات المهمة منها لقاء مع علي الدين هلال، الذي تحدث في الندوة الفكرية لمناقشة كتاب «لم يعد لأوروبا ما تقدمه للعرب» لخالد زيادة سفير لبنان في القاهرة، حيث أدلى بشهادته الداعمة لمحتوى الكتاب، الذي وصفه بالمهم للغاية، لكونه يجمع بين البحث العلمي والبحث التاريخي، مشيرا إلى أنها السمة العامة للكاتب، بتوضيح العلاقة بين العرب والمسلمين ودول الغرب على نحو دقيق وتفسير يؤكد أنها علاقة معقدة. وأوضح هلال أن عنوان الكتاب استفزازي ومحرض على القراءة، خاصة أن كثيرا مما أورده خالد زيادة يثبت أن الأفكار التنويرية لم تكن ملائمة لبلادنا نتيجة لظروفنا الاجتماعية والسياسية.
وفي السياق نفسه قدم الكاتب والباحث أنور مغيث شهادته أيضا مبديا إعجابه بالكتاب، وأشار إلى التباسه وصعوبة استنتاج محتواه ومضمونه قبل القراءة، فهو يتطرق إلى أزمة الحداثة وفشل المنهج العلماني والمأزق التكنولوجي، وكلها دلالات وإشارات تفضي إلى مفهوم الانطواء على الذات وتروج له، وهي أزمة عامة وشاملة لا تتعلق بمصر أو لبنان فحسب، وإنما تشمل العرب والمسلمين قاطبة. وأوضح غيث أن الكتاب ناقش الثورات العربية والأيديولوجيات المعادية للغرب، لافتا النظر إلى الأفكار المختلفة المتمثلة في الاشتراكية والليبرالية والأصولية والتي ألقت بظلالها على الحياة السياسية.
وبدوره أفصح خالد زيادة عن مضمون كتابه، مؤكدا أن الفكرة الأساسية هي الوقوف على أبعاد التنوير كحالة وممارسة وتطبيق، بالإضافة إلى ألوان المبادئ السياسية والمناهج الأخرى المتضمنة في الاشتراكية والليبرالية، وهي أنماط أفرزها الفكر الأوروبي، ولم ينتبه إليها العرب إلا حين ظهرت تأثيراتها في مختلف دول العالم. والكتاب في الكيفية التي جاء عليها يحاول توضيح الرسم البياني في التاريخ الثقافي المعاصر، ويرنو إلى التعرف على مواطن التشكيل الإيجابي في العملية الثقافية بسماتها البارزة.
وعن المزاج العام للحياة في مصر تحدث عمرو موسى أمين جامعة الدول العربية السابق بشيء من عدم الارتياح، معربا عن قلقه من حالة عدم الاستقرار أو الاستقرار النسبي غير الكافي، مطالبا بضرورة تعافي الحالة المصرية وتقوية لياقتها الصحية والبدنية، موضحا أن ذلك لا يأتي إلا بعودة الدور الإقليمي وتصحيح المسارات في مختلف الاتجاهات والعمل على الإصلاح الداخلي والتنمية، وأول ما يتطلب الإصلاح من وجهة نظره كدافع للقاطرة التنموية هو العناية بالصحة والتعليم كركيزتين أساسيتين.
وعن الفعاليات الثقافية وأهميتها أشاد موسى بالدور الإيجابي للثقافة والمثقفين، مثنيا على معرض الكتاب الذي يخلق فرصة للحوار الصحي بين الرأي والرأي الآخر، ويبلور الحالة الديمقراطية ويعطي انطباعا جيدا عن مستقبل الشباب الذين يتمتعون بأفكار بناءة وقدرة فائقة على العطاء.
وفي اتصال طبيعي بين ما تمت مناقشته وطرحه من قضايا فكرية وسياسية واجتماعية، جاء الامتداد المهم للحوار بين ثلاث شخصيات، هم الكاتبة الصحافية فريدة الشوباشي وسعد الدين إبراهيم، وأحمد كريمة، في لقاء استهدف مناقشة الخطاب الديني وآلياته وأدواته وتأثيراته. وقد اتفق الثلاثة على مبدأ إعمال العقل وضرورة تطوير المنهجية الفكرية الدينية، حيث وصفت الشوباشي الخطاب نفسه بالتزمت وطالبت بأن تكون المرجعية في هذا الإطار للأزهر الشريف باعتباره المؤسسة الدينية المعتدلة والمعنية دون غيرها بإرساء قواعد التطوير وسلامة الأفكار، وأوصت بأن لا يترك الدين لهواة الفتوى ومشايخ الفضائيات.
وأبدى سعد الدين إبراهيم استياء من حالة التخبط الفكري في ما يتعلق بالقضايا الدينية، مؤكدا أن المجتمع في حاجة إلى رموز تنويرية مثل الإمام محمد عبده وطه حسين وجمال الدين الأفغاني لعودة التوازن إلى العقل الجمعي والفكر الديني على اختلاف مشاربه.
وكذلك وصف أحمد كريمة أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر ما يحدث من تضارب في الأفكار بأنه، سمك لبن تمر هندي، وأوضح أن العوار الموجود في تفسير بعض النصوص يرجع إلى أخطاء ارتكبتها بعض المؤسسات المسؤولة عن حماية النص الديني في ظل غياب الرقابة والمساءلة القانونية.
فيما رأى سعد إبراهيم في تعقيبه الأخير على الحوار المنظم وفق حلقة نقاشية تحت عنوان المائدة المستديرة، أن الأمر يحتاج لثورة فكرية لحسم القضايا الخلافية بالتصحيح والعودة إلى المنهج الفكري القويم.
وللوجود داخل المشهد الثقافي وفعالياته قام حلمي النمنم وزير الثقافة بجولة تفقدية سريعة داخل المعرض بصحبة رئيس الهيئة العامة للكتاب هيثم الحاج علي شملت زيارة لجناح الهيئة ومتابعة أهم إصدارتها، بالإضافة إلى مباشرة الفعاليات في الجناح المخصص لهيئة قصور الثقافة، فضلا عن الأجنحة الأخرى للمركز القومي للترجمة ودار المعارف ودار الهلال ومؤسسة الأهرام وأخبار اليوم، كنوع من التعزيز والتشجيع وقد اشترى الوزير مجموعة من الكتب في لمحة للتدليل على ارتباطه بالقراءة، رغم مشاغله السياسية كرجل دولة بات معنيا بأكثر من جانب بعدما كان متفرغا فقط للقراءة والكتابة، بحكم طبيعته المهنية ككاتب صحافي مهموم بالشأن الثقافي والقضايا الفكرية.

كمال القاضي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية