بيروت ـ «القدس العربي» من زهرة مرعي: دائماً تترك روايات وكتب الأديب أنطوان دويهي جدلاً يستمر لردح من الزمن. كان هذا حال روايته ما قبل الأخيرة «حامل الوردة الأرجوانية». الإقبال عليها كان واسعاً، والنقاش حولها مسهب. هي رواية تهجس بالحرية، بدأت في ليل تسللت فيه خطوات في الخارج… حتى إن اعترف الدويهي بأنها سابقة «للربيع العربي» لكنها تستشرف ـ ليس الخراب الحاصل ـ بل التوق للحرية «مجرى التاريخ يتجه نحو الحرية البشرية». ورغم قدم عهد كتاب «الحالة» صدر سنة 1993، لافت في مطالعة أرشيف الدويهي هذا الكم من الكتابة عنه، ومن كبار النقاد. وضعه موريس النجّار «على الرف الذهبي في خزائن تراثنا مع النبي لجبران».
مع الأسف لعدم التوقف ملياً أمام الرواية الأخيرة للدويهي «غريقة بحيرة موريه» صدرت سنة 2014، نذكر بأنها مع غيرها من كتبه رُشحت لجائزة بوكر العربية. معه كان هذا الحوار:
■ هل الكتابة لديك هاجس، مهنة أم نوع من فانتازيا يجب تدوينها؟
□ كلا، الكتابة لديّ هي شهادة. طالما قلت : «ما أنا إلا شاهد. أشهد لما أنا فيه».
■ إن لم تمارس فعل الكتابة فهل لهذا ارتدادات سلبية على ذاتك؟ وكيف تتجلّى؟
□ ليس من ارتدادات. فقط الشعور بأن الوقت لا يكفي. ثمة لحظات متوهّجة يتطلّب التعبير عنها حيوات عديدة كاملة، فما العمل بالعمر الواحد المرسوم بلا هوادة بين حدّيه الأقصيين؟
ثم هذا التوق الدائم إلى «الكتابة المطلقة» الذي يرافقني منذ البداية وعلى الدوام، والذي لم أستطع التحرّر منه. الذهاب باللغة إلى أقصى حدود الإمكان. لذلك امتنعتُ عن النشر ردحاً طويلاً من الزمن، وكان يمكن ألا أنشر أبداً. بت أدرك، منذ سنين، بأن «الكتابة المطلقة» هي مجرّد وهم. لكن لا سبيل لي للخلاص منه.
■ إلى أي حد ترى في ما تكتبه تعبيراً عن ذاتك؟
□ كل ما أكتبه هو تعبير عن ذاتي. فأنا أشهد لهذا النهر الداخلي، نهر الأعماق. الحياة الداخلية هي الحياة الحقيقية الوحيدة. العالم الخارجي يصبح له معنى، فقط حين يلج ردهة الذات، ويضحى من أشيائها. من دون ذلك، لا معنى له يُرجى. يعتقد ربما البعض بأن الحياة الداخلية هي فسحة محددة، ضيقة ومغلقة. لكن الحياة الداخلية هي الكون برمّته. وحين تنطفئ الحياة الداخلية، ينطفئ الكون.
■ وإلى أي حد تأتي كتاباتك نتيجة تفاعلك مع محيطك؟
□ التفاعل مع المحيط أمرٌ محتوم. الوعي هو على الدوام وعي شيء ما، أكان محدّداً أو مجرّداً. يصعب تصوّر الوعي من دون علاقته بالعالم المحسوس. لكن المحيط الذي أتفاعل معه، ليس فقط المحيط الاجتماعي، كما يتبادر إلى الذهن. إنّه المحيط الأقرب والمحيط الأبعد، الإنساني والمجتمعي والطبيعي والتاريخي، الفردي والجماعي والكوني. وكل تلك الأشياء المبهمة التي نشعر بوجودها الأكيد، من دون أن نراها. والمحيط الذي يعني عالمي الأدبي هو الموصول بتجربتي الذاتية، والذي ولجت أشياؤه نهائيّاً نفسي، في وقت أو في آخر، لسبب أو لآخر. لذلك، هو بالضرورة محيط انتقائي. والأشياء التي تلج نهائياً الذات، تصبح مختلفة كليّاً عمّا هي عليه في الخارج. تُصاب بذلك التحوّل السحري الذي يصعب وصفه، إذ تضحى مسكونة بالمشاعر والرغبات والهواجس والأحلام والرؤى، وأطياف اللاوعي، وبالنزعات الدفينة، السريّة، الغامضة، التي لا تحديد لها ولا حصر. هي وحدها المقيمة في عالمي الأدبي.
سأورد أحد الأمثلة عن ذلك. في سيل عابري السبيل الذي لا يتوقّف، تلج الذات تلك العابرة الواحدة، الذاهبة لا أدري إلى أين. تبقى كما هي عليه في الخارج، متّجهة إلى مكان ما، إلى موعد ما، حاملة عثرات نفسها وجسدها، مثلها مثل كل كائن بشري. لكنها، في ولوجها الذات، لم تعد هي نفسها قطّ. تصبح من طبيعة أيقونية، سحرية ونورانية، إذا جاز التعبير. تجري مناداتها في فسحة الذات، كما يأتي: «أيتها العابرة الواحدة، من مثلكِ يجتازُ متاهات الزمان بهيّاً. من مثلكِ عبورُه موكب انتصار مذهّب ضد الموت؟» أو في مكان آخر: «أيّ مختصَر أبهى من جسدكِ للباحث عن المختصر»، أو أيضاً: «جسدُكِ المكتمِل التفاصيل ولُجّةُ الروحِ المطلقة، شيءٌ واحد» أو أيضاً: «كأن بهاءك المكتمِل من دون وعيٍ منكِ، يساوي عمقَ روحه الخلاقة المعذَّبة. كأنّ روحاً عظيمةً، واقفةً عند باب الأسرار، راصدةً ظلمة الكون، وجسدَكِ الجميل، الساكن، المضيء، هما شيءٌ واحد». وغير ذلك من الحالات المقيمة في شخص «العابرة».
وما ينطبق على هذا المثل الواحد، ينطبق على ما لا حصر له من الكائنات والأمكنة والمشاهد والأحداث والأطياف المتحوّلة، التي ولجت فسحة الذات وأضحت منها.
■ لماذا ترى في إقبالك على الكتابة «رداً على الموت»؟
□ ليس هو بمثابة الرأي الخاضع للنقاش العقلي، إنه شعور قوي دفين آتٍ من الأعماق. فضلاً عن كونها شهادة، أشعر بأنّ الكتابة هي ردّي الوحيد على الموت.
■ حققتْ روايتك ما قبل الأخيرة «حامل الوردة الأرجوانية» تفاعلاً كبيراً. هل هذا ناتج في رأيك عن واقع الدمار في منطقتنا العربية وهجرة شعوبها؟
□ رواية «حامل الوردة الأرجوانية»، لا تعبّر عن الحراك العربي الراهن، أو «الربيع العربي»، ولا عن واقع التفكك والدمار الحالي في المنطقة. هي مكتوبة قبل ذلك بسنين، وإن تمّ نشرها في عام 2013. جرى، على الأرجح، هذا التفاعل معها لأنها مسكونة بهاجس فقدان الحرية. إنه هاجس كبير، يمثل في نفسي من زمان، وعلى الدوام. تمّت كتابة «حامل الوردة الأرجوانية» حين كانت الديكتاتوريات العربية قوية، راسخة، لا يتوقع أحد اهتزازها وانهيارها. في بلاد مثل لبنان، على الرغم من الحريات التي اعتادها شعبه، كان ثمة وقت، ساد فيه الشــــعور بأن «السلطـــة الخفية» لم تعد تقيم وزناً لأي حصانة، وأنه لم يعد من بيت يتمتـــع بحرمة تحميه، في جميع الأراضي، ربما باستثناء مقرّ رجل دين واحد.
تنبثق رواياتي من مشاعر وهواجس وأحلام، وليس من أفكار. أنا أبعد ما أكون عن الأدب الفكري وأدب الموضوعات التي يجري جمع المعلومات عنها وتوسيعها من طريق السرد. انبثقتْ رواية «حامل الوردة الأرجوانية» من الخوف من فقدان الحرية. ذات ليلة عاصفة، كان الراوي يسهر وحيداً في الطبقة العليا من منزل، محوط بحديقة برتقال كبيرة مسوّرة، يصغي إلى هطول المطر وعصف الرياح، وإلى توالي المشاعر في دخائله، حين، في وقت متأخّر من الليل، انتابته الخشية المفاجئة من سماع وقع أقدام على الدرج الخارجي.
٭ متى الأوان لتتحول هذه الوردة إلى بيضاء أو زهرية بحيث نكون يوماً في صفاء وحرية؟
ـ من يدري؟ كل شيء يشير إلى أن انبثاق الفجر ما زال بعيداً، وإن ليل المنطقة ربما كان طويلاً. لكنّني أعتقد، من جهتي، على الدوام، بأن مجرى التاريخ يذهب لا محالة في اتجاه الحرية البشرية. لا معنى للتاريخ من دون هذا المنحى.
■ قبل المباشرة في عمل أدبي هل تضع نفسك ضمن شروط ما؟
□ في صورة تلقائية، أنقطعُ عن العالم الخارجي، وأغوص في نفسي، إلى حدّ أني لا أعود قادراً على القراءة.
■ ألا يحق للكاتب في رأيك أن ينتج ضمن فضاء من الحرية الكاملة وبعيداً عن أي من شروط النقد والنقّاد وغيرهما خاصة في الرواية؟
□ أنا لا أكتب إلا في فضاء من الحرية التامة. لا أفكّر لحظة واحدة في النقد والنقاد، ولا أفكّر في القرّاء قط. كل ذلك لا يدخل عالم الكتابة لديَ، ولا علاقة له به.
■ أن يلازم الروائي العربي بلاد الغرب فهل يستمد منه شخصياته، أم تبقى إقامته الداخلية في بلاده ومع ناسه؟
□ ليس لديَّ مثل هذا التمييز، ولا هذا الهدف. أنا لا أكتب عن مجتمع ما. ليست كتابتي كتابة اجتماعية. أنا أشهد لهذا النهر الداخلي، نهر الأعماق. كما أشرت إليه أعلاه، ليست فسحة الذات بالمدى الضيّق، المغلق، المحاصَر. هي الكون برمّته. كلّ ما يلج نهائيّاً إليها، من أشخاص وأمكنة ومشاهدات وأحداث وسواها، يصبح منها ولها. ولا تمييز قطّ في ذلك بين بلاد وأخرى. هذا ليس موقفاً، هذا هو مجرى الحياة، وأنا لا أتدخّل فيه. ثمة تواصل بين موطني وأرض جذوري ـ وأنا شديد التعلّق بهما ـ وأرض هجرتي في الغرب الأوروبي. لا صراع بينهما قطّ داخل نفسي. الأرضان، أرض الجذور والهوية وأرض الهجرة، يوحّدهما أمران عميقان لديَّ: النظرة الجمالية، والرأفة بالمصير البشري أمام هشاشة الجسد، ومرور الزمن، والكثير من ظلمة الحياة والموت. أنا، في هذه الخصوصية، جد بعيد، مثلاً، عن الأدباء المهجريين اللبنانيين، أوائل القرن العشرين. لنأخذ جبران خليل جبران، وهو أهمّهم، على الرغم من إقامته الطويلة جداً في الغرب، ليس من طبيعة، في أدبه ورسمه، غير طبيعة جبل لبنان، خصوصاً وادي قاديشا. لا أتصوّره قصد ذلك، إنها رؤيته للأدب. لا بدّ أنه يشعر بأن الطبيعة الوحيدة الجديرة بولوج عالم الأدب لديه هي هذه الطبيعة. مع أنني أنا أيضاً ابن وادي قاديشا، وصلتي به وبمحيطه الطبيعي عميقة للغاية، فرؤيتي لعلاقة الأدب بالأمكنة مختلفة.
■ هل صحيح الاستنتاج بأن المكان والزمان هما الثيمة الاكثر وجوداً في كتبك كافة شعراً ورواية؟
□ لا أدب خارج المكان والزمان. الوعي هو وعي شيء ما، كما ذكرتُ أعلاه. لكن عالمي الأدبي لا يقتصر قط على الأمكنة والأزمنة، بل أيضاً على قدر لا حصر له من الأشخاص والمشاهدات والأحداث والحالات، المنسابة في نهر الأعماق نفسه.
■ في رواياتك الكثير من الطبيعة كما روايات الريف الإنكليزي. ما الذي يغني ذاكرتك البصرية وغيرها؟
□ الطبيعة في أدبي بادية الحضور، لكن ليس في حد ذاتها، بل كما أضحت عليه في الداخل. حضور مشاهدات الطبيعة لديّ جد بعيد عن الغنائية الرومنطيقية، وعن الحنين إلى الريف، وغير ذلك مما نجده في بعض الأدب الإنكليزي، أو اللبناني أيضاً (النصف الأوّل من القرن العشرين)، وسواهما. مشاهدات الطبيعة مسكونة لديَّ عميقاً بالحالات، وهي جزء من هذه الحالات، ولا استقلالية لها عنها. أما ما يغني ذاكرتي البصرية، فهو كل ما أراه، ويلج ذاتي، من جماليات ومشاهدات مؤثرة، على مرّ الزمن.
٭ عبّرت في روايتك «حديقة الفجر» عن امتلاكك المطلق لذاكرتك وتساءلت «ما الذي تود هذه المدينة أن تفعله بي»؟ السؤال ماذا فعلت بك باريس التي عشت فيها سنوات طويلة كأستاذ جامعي لمادة الانثربولوجيا؟
ـ أنا حضّرت الدكتوراه في الأنثروبولوجيا الثقافية والاجتماعية في باريس، لكنّني لم أمارس التدريس فيها، بل في لبنان، بعد عودتي. في باريس حضّرت بعض أعمالي الأدبية، كما كتبت في الصحافة اللبنانية المهاجرة. أمّا عن باريس والذاكرة، فإنه الزمن الباريسي الذي يمرّ سريعاً للغاية، ولا يتوقف اندفاعه إلا حين ينطلق القطار بعيداً، بعيداً من مدينة السين.
■ كم أثرى تخصصك رواياتك؟
□ لا أعتقد بأنّ ثمة علاقة بين تخصصي وأعمالي الأدبية.