يضم الكتاب الرحلي «أنفاس الجغرافيا» للقاص والناقد السينمائي المغربي محمد اشويكة بين دفتيه عدة رحلات، انتقل فيها الكاتب عبر أماكن متعددة في المغرب وخارجه، كوهران وطرابلس والقاهرة والإمارات العربية المتحدة، وفي أزمنة متباعدة، وفي مناسبات مختلفة مرتبطة بالعمل أو بمؤتمرات وأسفار، ممتدة من الطفولة إلى الراهن. أسفار تعكس تجارب حياتية متنوعة للكاتب ومشاعر متباينة، تراوحت بين الحنين والنقد والسخرية.
بعيدا عن السرد الخطي الذي يميز أغلب الكتابات الرحلية، تجترح أنفاس الجغرافيا نفسا جديدا في الكتابة الرحلية العربية، بانفتاحها على تقنيات المونتاج السينمائي في القبض على بعض اللحظات من فعل السفر وتجاربه، ومحطات العبور المتعددة والمتباعدة في الزمان والمكان برؤية متباينة بين الإعجاب والحنين والعتاب والنقد، تبعات لحالات المسافر ومزاجه وعلاقته بالأماكن والأشياء والشخوص. يقول محمد اشويكة: «لا أود أن أكتب مشاهداتي كما حدثت كلية؛ ولكنني سأقف عند تلك التي تركت في نفسي عميق الأحاسيس والدلالات».
وتقوم الكتابة في «أنفاس الجغرافيا» على التفاعل بين أربعة مناهل للكتابة؛ وهي:
الأول: سيرة الكاتب، وبشكل خاص علاقته بالأماكن كمراكش وقلعة السراغنة ووهران وقاعات السينما، فتصير الرحلة لملمة لشتات تبعثر الذات وتنقلاتها بين الأماكن، «نلملم فيها شتات ذواتنا المبعثرة في أنحائها إربا إربا»، أو تغدو محاولة من أجل التقاط صور ظلت عالقة بالذاكرة، أو تفقد أخرى أو تحسر على تحولات سلبية اعترتها.
الثاني: تأثير المرئي أثناء فعل السفر، وبشكل خاص تحولات الأماكن، فالرحلة تضطلع، هنا، بمهمة القبض على تحولات الأماكن، كزوال قاعات السينما وتحولات مدينة مراكش وضواحيها. كما ترصد تحولات الأماكن ومفارقاتها معبرا عن نبرة مقاومة لهذه التحولات الجارفة بحس نقديّ بعيد عن الانبهار، وذلك بتثمين الإيجابي وعدم مهــــادنة السلبي بحس نقديّ ساخر، يميل أحيانا إلى الدعابة، خصوصا الوجود الأوربي في مدينة مراكش وتحولات القيم فيها وآثارها على الوجدان والثقافة.
الثالث: ثقافته السينمائية التي كانت خلفية لرؤية العوالم، وأيضا وسيلة لتحويل مشاهداته إلى كتابة رحلية جاءت على شكل متوالية من الصور واللقطات ظلت عالقة بذاكرته الرحلية، وهو ما انعكس على طريقة كتابة هذا النص الرحلي، إذ أن اشويكة كتب نصوصه الرحلية باقتصاد لغوي كبير وحرص على بنائها بوعي سرديّ عبر صور مختصرة التقطتها عينه بانتقاء مقصود، يحاول عبرها وضع اليد على بعض المشاكل والعيوب الفعلية العالقة التي شوشت، على عين الرحالة وهو يتنقل في أماكن أو يتفقد ويسترجع أخرى لها مكانة أثيرة في قلبه وتكوينه الذاتي بحنين؛ وهي صور أو عيوب تحتاج إلى تصويب وتقويم وإصلاح، بحس نقدي ثوري قريب إلى التلميح منه إلى التصريح. يتعلق الأمر بأفكار جزئية منتقاة متناثرة يوحي بها المرئيّ أو المعاش في تجربة الرحلة، فيلتقطها بحس سينمائيّ ساخر يرتهن على اقتصاد لغويّ كبير.
الرابع: الحس النقدي، إذ لم تكن أنفاس الجغرافيا مجرد تنقل في الأماكن، وإنما كانت فرصة لالتقاط بعض الأمور المثيرة والتساؤل حولها بحس نقديّ مفعم بالحنين رافض للتحولات، كنقد الوضع الثقافيّ بمراكش، خصوصا كسطو بعض الجمعيات الأوروبية على مهرجان مراكش للسينما. كما أن أنفاس الجغرافيا هي رحلات في المكان وفي الذات أيضا، من خلال إجراء لمقارنة بين مآل المكان وما كان عليه في طفولة الكاتب، في محاولة لمواجهة ثقافة المحو. ويصبح هذا الحس النقدي قويا كلما كانت الإقامة طويلة في المكان كتحناوت، انطلاقا من منظور نقدي ينتصر للقيم الوطنية ويقاوم كل أشكال التردي، ويلبس في بعض المواقف لباسا ما بعد كولونيالي أمام بعض المواقف والمشاهد والتحولات في مراكش ووهران وبشكل مسألة اللغة والتبعية الثقافية.
إجمالا، «أنفاس الجغرافيا» هي رحلات تحاول اجتراح مسار جديد في الكتابة الرحلية العربية، عبر الانفتاح على السينما، وهي تجربة تحسب لمحمد اشويكة الذي يخوض فيها أرضا إبداعية جديدة، بعد أن راكم مجموعات قصصية عديدة وكتبا في النقد السينمائي.
٭ كاتب مغربي
بوشعيب الساوري