أنقذونا من الهواتف المحمولة

حجم الخط
0

صناعة النبيذ في السجن والهواتف المحمولة المهربة – هذا هو الإرث الذي أورثه الأسرى اللبنانيون لزملائهم الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية. ويحتمل أن تكون هذه مجرد أسطورة، حيث كان يجب انتظار اللبنانيين العلمانيين والمسيحيين لانتاج زجاجات بلاستيكية من النبيذ الذي لا يُسكر (بسبب الكمية والنوعية)، لكن صناعته كانت تحديا وشربه كان عبارة عن خداع النفس بالحرية. 
إن الأمر المؤكد هو أن الهواتف المحمولة الاولى التي تم تهريبها في منتصب التسعينيات للبنانيين الذين قامت إسرائيل باختطافهم من اجل المساومة، وعاشوا سنوات طويلة في فصل قمعي عن أبناء عائلاتهم. إن عمر التهريب هو مثل عمر السجون في العالم، وهو يأتي من اجل تحقيق احتياجات اساسية مثل الاتصال مع العائلة. وخلافا للسجناء الجنائيين وخلافا للقوميين اليهود المتطرفين والعنصريين، فإنه يحظر على السجناء الفلسطينيين الامنيين استخدام الهواتف. وليس هناك اجازات لهم ايضا، ومحظور عليهم الاختلاء بالزوجة. قمع واهانة وتمييز بذرائع أمنية.
 
في التسعينيات قل بشكل كبير عدد السجناء الفلسطينيين في إسرائيل بعد إطلاق سراح الآلاف من نشطاء الانتفاضة الاولى. سياسة الحصار أضرت بالزيارات، لكن تعامل مصلحة السجون مع الاسرى الفلسطينيين في حينه كان لينا نسبيا في كل ما يتعلق بالامور التي سمح بادخالها إلى السجن مثل الملابس والبطانيات والكتب والطعام وزيت الزيتون والزعتر والخضروات والفواكه والفلفل للغزيين – الذي يتذكر اصدقاءهم من الضفة حتى الآن رائحته المؤثرة. وذات مرة تم ادخال عبوة ويسكي على أنها زيت زيتون. وقد تكون هذه ايضا أسطورة. وتم تهريب الهواتف المحمولة ايضا، التي شكلت طريقة للتشاور السياسي في الفترة التي اعتقدت فيها حركة فتح أنه يتم التقدم نحو اخلاء السجون وتوقيع الاتفاق النهائي واقامة الدولة. وقد كان استخدام الهواتف المحمولة حذرا ومدروسا.
 
في سنوات الألفين حيث زاد عدد الاسرى وقل عدد الزيارات العائلية بسبب الاغلاق والحصار، زاد عدد الهواتف المهربة وطالت مدة المحادثات. وقد قام شخص بمرافقة والدته المريضة التي كانت ستجرى لها عملية بواسطة الهاتف. وشخص آخر «شارك» في حفل زفاف شقيقه وشخص آخر شارك في جنازة. وكان هناك من حاول المساعدة في حل المشكلات العائلية. «بدل أن يقول مرحبا، أنا بخير، وينهي المكالمة، كانت هناك احاديث رومانسية مع الزوجات»، قال ذات مرة أسير محرر مشتكيا.
 
لقد اعتقد الاسرى أن سلطات السجن تعرف وتغض البصر من اجل السماح لهم بالتنفيس عن الضغط. ورغم ذلك كانت هناك تفتيشات بين الفينة والاخرى، وكان يتم معاقبة الغرفة كلها. وعندها ظهرت الهواتف المحمولة مجددا. وكانت هناك فترة تم فيها تهريب الهواتف المحمولة من خلال دفع عشرات آلاف الشواقل مقابل كل جهاز. وعليكم تخيل لمن ذهبت الرشوة. العائلات صكت اسنانها ودفعت.
 
أنا أعرف عن الهواتف المحمولة في سجن النقب منذ منتصف سنوات الألفين، التي بقيت هناك أكثر من سنة. ويقولون هناك إنه يوجد لاقط هوائي للكشف عنها. إن أمة الهاي تيك تعرف كيفية التنصت على المكالمات، هذه هي نظرية المتحدثين بأن «الشباك» يتنصت عليهم. لهذا السبب فإنه من بين مئات الهواتف التي تم تهريبها إلى السجن في السنوات العشرين الماضية، فإن عدد الهواتف التي استخدمت «أمنيا» (أي بشكل خطير حسب ادعاء إسرائيل)، هو عدد قليل. الاغلبية الساحقة تريد ببساطة التواصل مع البيت والعالم، خصوصا أن إسرائيل تقوم بفرض قيود على الزيارات. 
إن الادعاء بأن الهواتف المحمولة التي لدى السجناء الفلسطينيين تشكل خطرا أمنيا جماعيا، هو كلام فارغ يهدف إلى التحريض القومي المتطرف ضد الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل من خلال المبالغة في خطورة الشبهات ضد عضو الكنيست باسل غطاس. وعندما ستهدأ العاصفة سيتم إيجاد طرق جديدة للتهريب. وإذا أردنا بالفعل منع تهريب الهواتف في المستقبل، يجب السماح للسجناء الفلسطينيين باستخدام الهواتف العامة. ويمكن التنصت على المكالمات وتسجيلها، ووضع شرطي من اجل الاستماع، يمكن عمل كل شيء في نفس الوقت. شركة «بيزك» ستربح وخريجي دورات اللغة العربية سيجدون عملا جيدا. هذا هو الحل الأمني البسيط والانساني الوحيد.
عميره هاس
هآرتس 21/12/2016

أنقذونا من الهواتف المحمولة
ما يدفع الأسرى الفلسطينيين إلى تهريب التلفونات هو الرغبة في التواصل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية