إسطنبول – «القدس العربي» : حثت تركيا الولايات المتحدة أمس الخميس على وقف دعمها لوحدات حماية الشعب الكردية أو المخاطرة بمواجهة القوات التركية الموجودة في سوريا، وذلك في أحد أقوى تصريحات أنقرة حول احتمال حدوث مواجهة بين البلدين العضوين بحلف شمال الأطلسي. وتسلط التصريحات التي أدلى بها المتحدث باسم حكومة الرئيس التركي طيب إردوغان الضوء على التوتر المتزايد بين البلدين بعد سبعة أيام من إطلاق تركيا عملية جوية وبرية باسم «غصن الزيتون» في منطقة عفرين بشمال غرب سوريا.
وتعيش الأوساط السياسية التركية وعلى أعلى المستويات لا سيما في مكتب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان حالة من الذهول والصدمة المتجددة من التناقضات التي يتبعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تعامله مع تركيا وسط حالة من التناقض بين الأقوال والأفعال والاختلال في تصريحات هيئات سياسية وعسكرية أمريكية جعل القيادة التركية غير قادرة على فهم الموقف الأمريكي ولو بالحد الأدنى.
وحسب ما أفاد مصدر مقرب من الرئاسة التركية لـ «القدس العربي» فإن حالة غير مسبوقة من الغضب والامتعاض تسود مكتب الرئاسة التركية عقب الاتصال الهاتفي الذي جرى بين إردوغان وترامب، مساء الأربعاء، والتناقض الكبير الذي حصل بين بيان الرئاسة التركية والبيت الأبيض عن فحوى الاتصال.
وكشف المصدر عن أن تركيا وعلى الرغم من التوتر الكبير مع الإدارة الأمريكية منذ وصول ترامب إلى الحكم إلا أنها حاولت حتى فترة قريبة عدم التصعيد الكبير معها وفضلت انتظار أي أمل أو أفق لتعاون أفضل لا سيما أنها كانت تسمع وعود متتالية من ترامب وكانت على أمل أن ينجح الرئيس الأمريكي تنفيذ وعوده، لكن الأيام الأخيرة شهدت انهيار آخر الآمال التركية في هذا الإطار.
«ترامب لا يسيطر»
ويشير المصدر إلى أن قناعة تامة باتت راسخة لدى الرئاسة التركية بأن الرئيس الامريكي لا يسيطر على زمام الأمور في بلاده، ويقول: «بعد الخلافات الواضحة بين مواقف ترامب من تركيا ووزارة الخارجية والدفاع وغيرها من الهيئات الأخرى، وصلت هذه الفوضى والتناقضات إلى مستوى العلاقة بين ترامب شخصياً والبيت الأبيض والمتحدثين باسمه».
ومساء الأربعاء، جرى اتصال هاتفي بين ترامب وإردوغان بطلب من الرئيس الأمريكي، وعلى الفور وعقب صدور بيان من الرئاسة يشرح محتوى الاتصال، صدر بيان مماثل عن البيت الأبيض قالت تركيا إنه يحمل تناقضات كبيرة ويعاني من عدم الدقة في توصيف الملفات والعبارات التي جرى التباحث حولها واستخدامها في الاتصال، واتهم وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو بكتابة البيان حول فحوى الاتصال قبيل حصوله.
وقالت مصادر تركية إن ترامب «لم يتحدث عن قلق إزاء العنف المتصاعد» بخصوص عملية عفرين، كما أنه لم يستخدم عبارة «التصريحات المدمرة والخاطئة القادمة من تركيا»، وقالت إنه تطرق للحديث عما تسببه الانتقادات الواضحة للولايات المتحدة من إزعاج، كما أكدت المصادر التركية أن المكالمة الهاتفية لم تتطرق إلى حالة الطوارئ في تركيا، كما أن إردوغان رفض التجاوب مع طلب ترامب إطلاق سراح عدد من المواطنين الأمريكيين في تركيا معتبراً أن القضاء وحده هو من ينظر في هذه الملفات.
وتصاعد الغضب التركي من الإدارة الأمريكية في الأسابيع الأخيرة وذلك عقب تعهد الرئيس الأمريكي لإردوغان هاتفياً بأن بلاده سوف توقف تماماً تسليح الوحدات الكردية في سوريا، ثم أعقبته تصريحات تنفي وجود نية لذلك من قبل الخارجية الأمريكية والبنتاغون، واتهام أنقرة لواشنطن بمواصلة تسليح الوحدات الكردية.
وخلال الأيام الماضية حصل جدل واسع بين أنقرة وواشنطن بعدما أعلنت الأخيرة نيتها تكوين جيش من الوحدات الكردية مهمته الانتشار على الحدود السورية مع تركيا والعراق، وما أعقب ذلك من تصريحات متناقضة من الخارجية والبنتاغون والبيت الأبيض والمتحدث الأمريكي باسم التحالف التي تداخلت تصريحاتها بين النفي والتأكيد وتغيير اسم القوة ومهمتها وبين تصريحات تضغط على تركيا وأخرى تحاول تهدئة مخاوفها.
استغراب تركي
وفي استمرار لهذا التناقض، أكد وزير الخارجية التركي مولود جاويش اوغلو أن نظيره الأمريكي عرض عليه التعاون المشترك في إقامة منطقة عازلة على الحدود التركية، وقال الخميس: «سألته عن التفاصيل وأكد ان الطرح يشمل إقامة حزام على طوال الحدود التركية السورية 913 كيلومتراً بعرض 30 كيلومتراً»، وهو ما أثار استغراب الرئاسة التركية التي تطالب منذ سنوات واشنطن في التعاون لإقامة منطقة آمنة على الحدود وسط تجاهل أمريكي كامل، وتناقض هذا الطرح مع معارضة واشنطن لعملية عفرين التي قال رئيس الوزراء التركي إنها تهدف إلى إقامة حزام أمني بعرض 30 كيلومتراً. ورداً على هذا الطرح، قال جاويش أوغلو إن بلاده لا يمكن أن تنظر بجدية إلى هذه الطروحات قبل خطوات ملموسة لإعادة بناء الثقة بين أنقرة وواشنطن، فيما شدد الناطق باسم الحكومة التركية بكير بوزداغ على أن الثقة منهارة بين الجانبين وأن تركيا تنظر بعين الريبة لهذا الطرح الأمريكي المفاجئ.
وعلى صعيد متصل، زاد التوتر الميداني بشكل لافت بين أنقرة وواشنطن وسط تصاعد احتمالات العسكري بين الجانبين في سوريا لا سيما في مدينة منبج التي تهدد تركيا بمهاجمتها وتنتشر فيها قوات أمريكية. وخلال الاتصال الهاتفي عاد ترامب لتذكير إردوغان بأن هناك قوات أمريكية تنتشر في منبج، مطالباً أنقرة بأخذ الحيطة والحذر لمنع «حصول اشتباكات ساخنة هناك»، فيما طالب إردوغان مجدداً بسحب القوات الأمريكية والوحدات الكردية من منبج التي وعدت إدارة أوباما تركيا بسحب الوحدات الكردية منها عقب انتهاء طرد تنظيم الدولة.
انسحاب من منبج؟
وعرض إردوغان على ترامب انسحاب الوحدات الكردية من منبج «وعند انسحابها ستتم حماية «منبج» من أي تهديد محتمل لتنظيم «داعش» من خلال الجيش السوري الحر بدعم عسكري تركي». لكن عقب الاتصال بساعات، ادعت مصادر كردية في شمالي سوريا أن الطائرات الحربية شنت غارات جوية على مواقع لقوات سوريا الديمقراطية في منبج ليل الأربعاء الخميس، وهو ما لم تؤكده مصادر رسمية تركية، ونفته مصادر تركية خاصة لـ»القدس العربي».
وقالت المصادر التركية إن ما حصل هو إطلاق نار من ريف منبج باتجاه الأراضي التركية وهو ما تطلب رداً من المدفعية التركية على مواقع إطلاق النار بالمثل وبموجب قواعد الاشتباك. وعلى الرغم من هذ النفي إلى أن تطور الأحداث وتهديد تركيا بتدمير أي امدادات عسكرية تصل إلى عفرين يزيد بشكل كبير من احتمالات الاحتكاك بين القوات الأمريكية والجيش التركي في شمالي سوريا.
وأمس، أعرب مسؤول أمريكي رفيع، عن قلق بلاده حيال أمن جنودها العاملين في منطقة «منبج»، لافتاً إلى أن «واشنطن أبلغت أنقرة عن قلقها من احتمال امتداد غصن الزيتون نحو منبج»، وأضاف: «لا أدري كيف سيكون مستقبل منبج، لكن أعتقد أنه يجب أن يسيطر السكان الأصليون على منطقتهم، فالمسؤولون الأتراك أبلغونا رغبتهم في عدم رؤية عناصر «ي ب ك» في غربي نهر الفرات».
وبينما هدد رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم أمس، بأن بلاده سوف تستهدف الوحدات الكردية في غربي أو شرقي نهر الفرات إذا لم تسحب أمريكا الأسلحة منهم، ألمح وزير الخارجية التركي إلى إمكانية تنفيذ تركيا عمليات أخرى في منبج وشرقي نهر الفرات في سوريا مستقبلًا على غرار عملية «غصن الزيتون»، فيما قال إردوغان، الأربعاء، إن منبج ستكون بوابة الهجوم المقبل ضد الوحدات الكردية.
وفي السياق ذاته، قال الناطق باسم الحكومة التركية بكير بوزداغ في تصريحات تلفزيونية، أمس الخميس: «إذا كانت واشنطن لا ترغب في مواجهة أنقرة، علماً أنها لا تريد ونحن لا نرغب بذلك، فإنّ الطريق معروف وهو وقف دعم الإرهابيين»، في إشارة إلى الوحدات الكردية.