أنقرة رحبت بالعملية الغربية ضد النظام السوري ونفت استخدام قاعدة إنجيرليك

حجم الخط
0

إسطنبول ـ «القدس العربي»: تواصل تركيا محاولاتها المعقدة والحساسة لتجنب الوقوع في فخ الاختيار الصعب بين تحالفها الإستراتيجي مع حلف شمال الأطلسي «الناتو» وتحالفها التكتيكي الهام مع روسيا فيما يتعلق بتطورات الملف السوري، والذي دخل مرحلة جديدة مع العملية العسكرية التي نفذتها أمريكا وبريطانيا وفرنسا ضد النظام السوري.
هذا التحدي المتجدد لصناع القرار في تركيا دخل مرحلة جديدة من التعقيد عقب الهجوم الكيميائي الذي أجمعت معظم دول العالم على اتهام النظام السوري بتنفيذه، وما أعقبه من تهديدات دولية بالرد عليه عسكرياً، وهو ما ولد انطباعاً عاماً لدى المراقبين بأن أنقرة سوف تكون مجبرة على الاختيار بين تأييد الضربة الغربية وبالتالي خسارة «تحالفها التكتيكي» و«تعاونها الإستراتيجي» مع روسيا، أو معارضة الضربة وبالتالي خسارة «تحالفها الإستراتيجي» مع الناتو.
لكن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سعى كالعادة إلى محاولة تقديم موقف متوازن في محاولة للتهرب من استحقاق هذا الاختيار الصعب بالتأكيد مجدداً على أن العلاقات مع روسيا والناتو غير متضاربة، وأن بلاده تعارض أخطاء البلدين في سوريا.
وقال أردوغان في خطاب له قبل يومين: «أولئك الذين يدعمون الأسد في سوريا يرتكبون خطأً، وأولئك الذين يدعمون الميليشيات الكردية (وحدات حماية الشعب) يرتكبون خطأً أيضاً. تركيا ستقف ضد الموقفين»، وهو الموقف الذي حاول من خلاله التأكيد على أن تركيا ليست في موقع الوقوف الكامل بجانب روسيا أو أمريكا في سوريا.
وفي خطوة متقدمة، أجرى أردوغان اتصالين هاتفيين مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين واتصالاً آخر مع الأمريكي دونالد ترامب، في محاولة على ما يبدو لتقريب المواقف ومنع تفجر الخلافات، حيث توقعت مصادر تركية أن يكون أردوغان لعب دور الوسيط في التقليل من حدة التحرك الغربي لكي يبقى في إطار توجيه ضربة محدودة للنظام، وتقليل احتمالات الصدام مع روسيا. وألمح أردوغان إلى ذلك بالقول: «يبدو أنّ الأجواء أصبحت لينة قليلًا، اتصالاتنا مستمرة».
الموقف التركي الحالي يبدو أنه تبلور تدريجياً عقب اتصالات أردوغان الذي فهمت من خلالها أنقرة أن التوجهات الأمريكية والغربية تتعلق بتوجيه ضربة محدودة للنظام، وأن الأمر لا يتعلق برغبة في إسقاطه أو بدء عمليات واسعة من حيث الزمان والمكان، وهو ما سهل عليها إمكانية الوصول إلى صيغة متوازنة لا تظهرها في موقف المدافع عن الأسد، ولا في موقف المعارض لتوجه كبرى دول «الناتو» وهو ما حصل بالفعل. فتركيا لديها موقف مبدئي من الأسد، وما زالت ترغب في إسقاطه بقوة لكن يقينها أن التحرك الغربي يتعلق بضربة خاطفة لن تؤدي إلى إسقاطه أو زعزعة مكانته جعلها تتمسك أكثر في الحفاظ على موقف متوازن لا يؤدي إلى تخريب علاقاتها مع روسيا، وما يؤكد صحة التقدير التركي ما أعلنته رئيس الوزراء البريطانية تريزا ماي، السبت، بشكل واضح أن الضربات لا تهدف لإسقاط نظام الأسد.
وفي هذا الإطار، حرصت أنقرة على عدم المشاركة بشكل مباشر في العملية العسكرية التي نفذت بشكل مشترك من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، كما أنها أكدت أن القوات الأمريكية لم تستخدم في الهجوم قاعدة إنجيرليك الجوية التي تتواجد فيها هذه القوات في مدينة أضنة التركية.
المتحدث باسم الحكومة التركية، بكير بوزداغ، أكد أن قاعدة إنجيرليك جنوب البلاد لم تستخدم في شن الضربات الغربية، موضحاً أن رئيسي الأركان التركي والأمريكي أجريا اتصالا قبل الضربات العسكرية في سوريا، بتعليمات من الرئيسين رجب طيب أردوغان ودونالد ترامب، ولفت إلى أنه جرى إبلاغ تركيا مسبقاً بهذه الضربات. لكن بوزداغ دعا أيضاً إلى «إنهاء التنافس وتحقيق حل سياسي بعيد عن حسابات المصالح، وإلا فإن إراقة الدماء ستستمر»، مجدداً التأكيد على أن «موقفنا واضح، وهو ضد نظام الأسد واستخدام الأسلحة الكيميائية والتقليدية والحرب الداخلية وقتل البشر وتهجيرهم».
وأكد الناطق باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين أنه لم يكن وارداً أن يتم ترك منفذ الهجوم الكيميائي على دوما بالغوطة الشرقية دون رد، وقال: «ندعو المجتمع الدولي أن يتوحد للعمل على منع أي هجوم كيميائي مستقبلي آخر في سوريا» وتابع: «كما نطالب بوقف المذابح بالأسلحة الكيميائية نطالب أيضاً وقف الهجمات والمذابح التي يتم ارتكابها بالأسلحة التقليدية والعمل على الانتقال للحل السياسي النهائي».
وفي السياق ذاته، أعلنت الخارجية التركية ترحيبها بالعملية، وجاء في بيان لها: «نرحب بالعملية العسكرية التي ترجمت مشاعر الضمير الإنساني بأسره في مواجهة الهجوم الكيميائي على دوما»، لافتةً إلى أن تركيا تولي أهمية بالغة لضمان معاقبة مثل هذه الجرائم وتأسيس آلية لمحاسبة المسؤولين، وذلك من أجل الحيلولة دون تكرار حوادث مشابهة.
وعلى الرغم من الرغبة التركية الجامحة في إسقاط نظام الأسد، إلا أنها تخشى أن التطورات الأخيرة ستودي إلى إعادة تصعيد الحرب في سوريا في الوقت الذي عملت فيه مع موسكو وطهران منذ سنوات من أجل وضع حد لهذه الحرب ووقف آثارها السلبية على تركيا.

أنقرة رحبت بالعملية الغربية ضد النظام السوري ونفت استخدام قاعدة إنجيرليك

إسماعيل جمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية